هيئة علماء المسلمين في العراق

الأخدود ما بين الماضي والحاضر... د. عمر عبد الوهاب الراوي
الأخدود ما بين الماضي والحاضر... د. عمر عبد الوهاب الراوي الأخدود ما بين الماضي والحاضر... د. عمر عبد الوهاب الراوي

الأخدود ما بين الماضي والحاضر... د. عمر عبد الوهاب الراوي

صفة الثبات على المبدأ من أهم  الصفات التي يجب على المسلم أن يتحلى بها في كل عصر، وخصوصا في عصرنا الحاضر الذي كثرت فيه الفتن، وازداد فيه الظلم، وحلّت بالمسلمين من المصائب والابتلاءات ما لا يعلمه إلا الله تعالى.


وعلى الملتزم بهذه الصفة أن يعرف قدرها، ويكون على استعداد دائم للنتائج الدنيوية المترتبة عليها، فمن يحمل مبادئ الشرع الحنيف؛ فإنه سيسلك دربا يلقى فيه من العقبات ما لا يستطيع أحد تحملها إلا من تمسك بحبل الله المتين، وصراطه المستقيم.


وقد ذكر القرآن الكريم كثيرا من القصص في هذا الباب، ومما ذكره قصة أصحاب الأخدود، قال تعالى: (قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ  إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ) [ البروج 4-10].


فقد ذكر المولى جل وعلا ما حدث مع أولئك المؤمنين، وبيّن أن سبب إيقاع العذاب بهم من قبل ذلك الظالم هو إيمانهم بالله تعالى، وثباتهم على المبادئ التي ارتضاها لهم، فالظلم الذي تعرضوا له ليس بالقليل، بل هو في أعلى مراتبه، كيف لا وقد حُفرت حفر وأوقدت النار فيها، ثم يؤتى بأولئك النفر المؤمن فيُرْمون في تلك النار، فتلفحهم حرارتها وهم أحياء!.


 هل تصورنا حقيقة ذلك الموقف؟! إنه موقف رهيب لا يتحمله إلا من قدّم دينه على نفسه وماله وولده.


وهذه القصة العظيمة مضت عليها قرون، لكن القرآن الكريم جعل ذكرها باقيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكأنه يُخبرنا بأن القصة لم تنته عند هذا الحد، وعند تلك الجماعة المؤمنة في ذلك الزمان، بل إن هذا الحدث سوف يحل بالمؤمنين في كل زمن يكثر فيه الظلم، وسيستمر الظَلَمة باتباع ذلك المنهج بطرق مختلفة لكن النتيجة واحدة.


ولو تأملنا في حال المسلمين في عصرنا الحاضر لوجدنا أن صورة الأخدود موجودة، فما يحدث للمسلمين في العراق وسوريا وفلسطين وبورما ودول إسلامية أخرى لا يختلف عن القصة التي ذكرها القرآن الكريم عن أصحاب الأخدود، فإن كان الظَلَمة في ذلك الزمن قد حفروا الحفر وأوقدوا فيها النار؛ فإن ما يلقى على المسلمين اليوم من قنابل كفيلة أن تُحدث الحدث نفسه إن لم نقل أكثر منه.


وإذا نظرنا إلى أسباب الدمار الذي تعيشه أمتنا عموما، وبلدنا العراق خصوصا وجدنا أن سبب ذلك يعود إلى تمسك الناس بمبادئهم وعقيدتهم، وعدم الانحناء والرضوخ إلى سياسات فرضها الظلمة والمتآمرون على الإسلام وأهله.


وما يحدث لأهلنا في الفلوجة الصامدة، ومدن أخرى من قصف ودمار واستهداف للأبرياء، وقتل للصغار والكبار، والشيوخ والشباب، والرجال والنساء، لا يختلف عن حال أصحاب الأخدود، فإن البراميل المتفجرة التي اخترعها ظلمة العصر الحاضر تؤدي المهمة نفسها التي أرادها الظَلَمة في ذلك الزمن، وان اختلفت مسمياتها.


ورغم كثرة أخاديد عصرنا الحاضر، لا بُد لنا من الرجوع إلى الله تعالى وحبله المتين، والتمسك بالثوابت التي شرّعها الله لنا، فعودتنا إلى منهج الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، هي المخرجة لنا من الحال الذي نعيشه.


ومن الواجب علينا ملازمة الصبر، وعدم التضجر من الحال الذي نمر به، وليكن كتاب الله عز وجل خير أنيس لنا، فالمحن التي نعيشها مرت على الأمم السابقة، وقصة أصحاب الأخدود خير شاهد على ما نقول.


ولنستحضر المواقف التي ذكرها القرآن الكريم، والمبشرات التي بشر المؤمنين بها، ومنها قوله تعالى: (أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ) [ البقرة 214].


وما ذكرته السنة النبوية، ومنها ما رواه البخاري عن عبد الله خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: ((قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).


فهذه المواقف وأمثالها هي التي تُثبت المسلم على عقيدته ومبادئه، وتكون له أنيسا في أيام محنه، ولنُدرك أن بعد كل محنة منحة، وأن بعد كل شدة يسر وفرج.


وأن مصير الظالمين في عصرنا الحاضر سيكون كمصير الذين خلوْا، فإذا كان أصحاب الأخدود قد أحرقتهم النار في الدنيا، فإن الله قد أعدّ لهم في الآخرة ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذا هو جزاء من يثبت على الدين، ويصبر على أذية المشركين في كل زمان ومكان.


وختاما أسأل الله العلي القدير أن يفرج عن المسلمين في كل مكان، ويجعل نار الظالمين بردا وسلاما عليهم، وأن يبدل خوفهم أمنا.


اللهم طال ليل الظالمين فعجل بهلاكهم وانصرنا عليهم يارب العالمين.


والحمد لله رب العالمين


 خاص بموقع    الهيئة نت    


أضف تعليق