تعددت الجرائم التي ارتكبتها القوى العالمية تجاه العراقيين في العقدين الأخيرين وتنوعت أوصافها، ما بين حروب عسكرية محضة، ونتائج كارثية ألقت بظلالها على الأجيال المتلاحقة في هذه المدة، الأمر الذي فاقم من مأساة العراق على كافة الأصعدة ولاسيما المتعلقة منها بجانب الصحة والحياة.
وفي هذا الصدد؛ كشفت تقارير نشرت منتصف شهر تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم؛ عن أن المضاعفات الصحية للتلوث الإشعاعي الذي سببته الحروب التي فرضت على العراق في سنتي 1991 و 2003؛ تشير إلى أن اليورانيوم المنضب الذي استعمل فيها يساوي في ذرّيته ما يعال مائتين وخمسين قنبلة ذرية.. وقد أصدرت منظمة المجتمع العلمي العربي كتابًا يتناول التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع حمل عنوان (التلوث الإشعاعي والمضاعفات الصحية لحروب الخليج) لأكاديمي وباحث عراقي مختص في هذا المجال.
ويؤكد مضمون الكتاب على أن علماء البيئة استطاعوا قياس مستويات عالية من اليورانيوم في عينات من التربة من عدة مناطق في العراق، وقد ربطوا تلك القياسات والنتائج التي توصلوا إليها بالزيادة الكبيرة في أعداد المصابين بأمراض السرطان المسجلة في السجلات الوطنية للسرطان ، فاستنتجوا أن الحربين الدوليتين المذكورتين بقيادة الولايات المتحدة على العراق؛ استخدمت فيهما قذائف اليورانيوم المنضب، فتركتا إرثًا وخيمًا على صحة المدنيين العراقيين بشكل عام، وزيادة في السرطانات والتشوهات الخلقية لدى المواليد بشكل خاص.
وبحسب تقارير العلماء المختصين؛ فإن الأمر لا يقتصر على اليورانيوم المنضب فحسب، بل لقد استخدمت أنواع عديدة من الملوثات في تلك الحروب كان لها أبلغ الأثر على البيئة والصحة لأهالي المنطقة، مؤكدين أن البيئة الملوثة في العراق ليست بعيدة عن دول الجوار عامة وعن الكويت والسعودية خاصة، وهو ما يتطلب تحركًا سريعًا وعاجلاً وعملاً مشتركًا بغية إنقاذ مستقبل الأجيال.
وتأكيدًا لما سبق؛ يوضح الأكاديمي والباحث الطبي والبيئي العراقي (كاظم المقدادي) بأنه خلال الحربين أطلقت على العراق كمية هائلة من ذخائر اليورانيوم خلفت أكثر من (2200) طنًا متريًا من اليورانيوم المنضب، فيما أكدّ البروفيسور (ياغازاكي) من الهيئة العلمية في جامعة (ريوكيوس) اليابانية؛ بأن ذريّة اليووانيوم المنضب الذي ألقي على العراق في تلك المدة يساوي ما تحمله (250) قنبلة ذرية.
ويستدل العلماء والمختصون بأدلة قاطعة أن استخدام اليورانيوم المنضب هو سبب الزيادة الكبيرة في حالات الإصابة بأمراض السرطان في العراق، مثل سرطان الدم لدى الأطفال وسرطان الثدي لدى الفتيات في بعض المناطق، كما تشير الإحصاءَات إلى زيادة كبيرة في الولادات المشوهة في المناطق القريبة من ساحات المعارك، ومنها مدينة الفلوجة التي سجلت أرقامًا قياسية في عدد المواليد المصابين بتشوهات خلقية.
وفي هذا السياق؛ يقول العالم (هاري شارما) بعدما أجرى زيارة ميدانية لمحافظة البصرة جنوبي العراق؛ إن نحو (5 ـ 12%) من الذين تعرضوا لأسلحة اليورانيون المنضبة سنة 1991 سيموتون بالسرطان، مبينًا أن مائة ألف مواطن في البصرة وحدها أصيبوا بأمراض سرطانية بين سنتي 1991 و1998، وأن (75%) منهم أطفال.. كما سُجّلت حالات من الإسقاط والاعتلال العصبي والتشوهات الجنينية أكثر بكثير مما كان معتادًا، وحصل ذلك وسط العراقيين من العسكريين والمدنيين.
واستمرارًا لهذه المأساة شهد العقدان الأخيران من تاريخ العراق انتشارًا للأمراض السَرطانيّة في المجتمع على نحو كارثي، وبلغت الإصابات السَرطانيّة أكثر من مليون إصابة مُسجّلة رسميًا، بينما ما يزال العدد يرتفع باستمرار، كما يموت من هذه الإصابات سنويًا ما يتراوح بين عشرة آلاف واثني عشر ألف شخص، فضلاً عن وجود عشرات آلاف الإصابات والوفيات سنويًا غير المسجلة.
إلى ذلك؛ يتناول الكتاب بشيء من التفصيل المراحل الأولى لظهور التداعيات الصحيّة جرّاء اليورانيوم المُنضب على المدنيين في جنوب العراق، وبالأخص في محافظات (البصرة وميسان وذي قار)؛ إذ بدأت عقب انتهاء حرب عام 1991 بعشرة أشهر، حيث كان الأطفال أولى ضحايا استخدام هذه الأسلحة المُشعّة، ولاسيما الرُضّع وحديثي الولادة.. وقد جاء في تقارير لأطباء عراقيين أنهم لاحظوا عقب حرب الخليج سنة 1991 حصول تغير جذري في فترة كُمون الأمراض السرطانية، ـ وهي الفترة الزمنية بين التعرض لمسبب المرض وظهور أعراضه ـ فالتي كانت فترة ظهور أعراضها (15-45) سنة، أصبحت بسبب تأثير استخدام اليورانيوم المنضب ما بين عشرة أشهر وخمس سنوات، كما طرأت تغيرات كبيرة على وبائية الأمراض السرطانية في المناطق التي استخدمت فيها أسلحة اليورانيوم، ولاحظ الأطباء عقب الحرب الكثير من الحالات الغريبة لدى أبناء وبنات المناطق التي تعرضت للقصف، خصوصا في المحافظات المذكورة، ومنها كثرة حالات الإجهاض المتكرر والولادات الميتة، وظهور حالات من التشوهات الولادية الرهيبة وغير المعروفة من قبل، إلى جانب انتشار العقم لدى الرجال والنساء، مع كثرة الإصابات السرطانية في المناطق التي قصفت بالأسلحة الغربية.
ويُعد الأطفال في العراق هم الضحية الأولى للأمراض السرطانية، فقد أكدت المعطيات أن العراق صاحب أعلى معدل لوفيات الأطفال في العالم، إذ يُعدُ سرطان الأطفال في العراق أكثر شيوعًا من مثله في الغرب، ويشكل (8%) من حالات السرطان كافة في العراق، مقارنة بـ(1%) في الدول المتقدمة.. وتشر التقارير الطبيّة في هذا الموضوع إلى أن أكثر السرطانات شيوعًا بين الأطفال هو سرطان الدم، تليه سرطانات الجهاز اللمفاوي والدماغ وأورام الجهاز العصبي.
وتمضي التقارير المختصة إلى القول؛ بأنه وبعد قصف مدينة (الفلوجة) في 2003-2004، تفاقمت ظاهرة ازدياد تشوهات وأمراض القلب الولادية بـ(13) مرة مقارنة بالنسب الأوروبية، كما ظهرت تشوهات الهيكل العظمي وحالات ولادية أخرى لم تكن معروفة سابقًا.
وليس بعيدًا عن التفاصيل الدقيقة؛ كشف تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي أي) نشر في سنة 2008؛ عن حدوث تأثيرات صحية لدى النساء العراقيات، حيث انخفضت نسبة الخصوبة الكلية ـ وهي عدد ولادات كل امرأة خلال فترة الخصوبة ـ من (4.87) سنة 2000، إلى (3.97) سنة نشر التقرير الذي أشار أيضًا إلى ارتفاع نسبة حدوث سرطانات الأطفال في عمر ما تحت خمس عشرة سنة في البصرة من (3.9%) سنة 1990، إلى (13%) سنة 2000، رافقها ارتفاع سرطان الدم الأبيض "اللوكيميا" في أطفال البصرة بعمر أقل من خمس سنوات من (13.3%) سنة 1990 إلى (56.7%) سنة 2000، إذ يعد "اللوكيميا" مؤشرًا مباشرًا إلى التأثر بالإشعاع عند الأطفال.
وإزاء لك؛ فإن للتعتيم الشامل في السنين الأولى بعد الحرب ونكران استعمال أي مواد سامة أو ملوثة في منطقة الخليج، وسياسة التكتيم الإجباري الذي فرضته القوى المتحكمة في الحرب وعلى رأسها الولايات المتحدة؛ الدور الأكبر في تفاقم انتشار آثار استخدام الأسلحة المحرمة، كما أدى الاعتماد الكبير على الصحف العالمية والصحفيين لاستقصاء المعلومات عما كان يجري على أرض الواقع، إلى أن يكون إعلام القوى الغربية هو المصدر شبه الوحيد لهذه المعلومات مدعومة بتصريحات العاملين في مجالات الصحة والاختصاصيين الذين كانوا على اطلاع مباشر لمجريات الأمور ولعدة سنوات آنذاك، وبالتالي لم يكن ممكنًا تدارك هذه الكارثة، الأمر الذي يضع مسؤولية جنائية أخرى على عاتق الحلفاء الذين شنوا الحرب وجميع من شاركهم فيها وعمل بمقتضى نتائجها.
وكالات + الهيئة نت
ج
