هيئة علماء المسلمين في العراق

الصومال الذي لم يعرف الاستقرار .. ما مصيره؟ أحمد بن زيد
الصومال الذي لم يعرف الاستقرار .. ما مصيره؟ أحمد بن زيد الصومال الذي لم يعرف الاستقرار .. ما مصيره؟ أحمد بن زيد

الصومال الذي لم يعرف الاستقرار .. ما مصيره؟ أحمد بن زيد

ما بين سيطرة المحاكم الإسلامية على مقاليد الحكم في الصومال بعد هزيمة أمراء الحرب في أكثر من معقل، وإعلان توبتهم، وما بين محاولات الحكومة الانتقالية بالعودة إلى السيطرة على الوضع في الصومال، حتى وإن كان هذا الأمر سيأتي على ظهر دبابة أجنبية تراوح الأزمة الصومالية مكانها .. في حين تشتد الضغوط الشعبية ضد أي تدخل خارجي، وعلى وجه الخصوص من الجوار الإثيوبي، كما لم يستبعد البعض التوصل إلى صيغة توافقية بين الجانبين تحظى بتأييد دولي أمريكي تحديداً أو استمرار واقع التجزئة والعودة إلي المربع صفر.
ويرتبط المستقبل المتوقع للصومال من تطورات الأوضاع بين القوى المتنافسة في الصومال الجنوبي حيث يدعم الوحدة بين الطرفين للوصول إلى استقرار الأوضاع، وقطع الطريق على القوى الخارجية التي طالما رغبت في الدخول إلى قلب مقديشو، ويمكن القول إن مسار الأحداث في الصومال سوف لن يخرج عن إحدى السيناريوهات التالية:
سيطرة المحاكم وقوى الشريعة
وينطلق هذا الترشيح من عدة نقاط تحظى بها المحاكم الشرعية في مواجهة الحكومة الانتقالية، لدرجة جعلتها أقوى فصيل سياسي على الساحة الآن، ومن ثم يمكن أن تسيطر على البلاد أهم هذه النقاط على الإطلاق هو التأييد الشعبي الذي تحظى به المحاكم الشرعية في مقابل تدهور التأييد للقوى الأخرى؛ إذ إنها على العكس من الفصائل الصومالية الأخرى لم تظهر نفسها في هيئة قبلية أو إقليمية بعينها، بقدر ما طرحت نفسها كقوى وطنية تسعى لإحلال السلام، وتطبيق الشريعة في عموم الصومال الذي أكدت كافة الحركات على تمسكها بوحدة أراضيه، بالإضافة إلى مساهمة المحاكم في التخفيف من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للأزمة الصومالية، والإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار في المناطق الخاضعة لها لاسيما في شمال مقديشيو.
وبجانب ذلك فإن المحاكم الإسلامية تحظى بالتأييد القبلي، فعلى الرغم من طابعها الوطني، ورايتها الإسلامية، فإن استناد المحاكم الإسلامية إلي أرضية قبلية قوية ممثلة في انتماء معظم عناصرها إلى قبائل الهوية بفرعيها خاصة هبرجدر، قد أمد المحاكم بنواة صلبة من المؤيدين والأنصار، الأمر الذي مهّد لها الطريق لبسط نفوذها على العاصمة مقديشو، وقد يكون هذا أمراً طبيعياً نظراً لأن هذه القبيلة تتركز في العاصمة، إلا أن ذلك البعد القبلي يمثل من جانب آخر عنصر ضعف .
تلك الاعتبارات وغيرها هي التي جعلت من تنظيم المحاكم الجماعة الوحيدة التي نجحت في توحيد العاصمة منذ سقوط نظام بري عام 1991، وهي المشكلة التي كانت بمثابة أبرز العقبات التي تواجه أي حكومة انتقالية يتم تشكيلها في البلاد، الأمر الذي دفع البعض إلى توقع قدرة المحاكمة على السيطرة على كامل البلاد.
بعض الإشارات التي وردت عن مشاورات بين كل من أثيوبيا على الصعيد الإقليمي والولايات المتحدة الأمريكية، على الصعيد الدولي، مع ممثلي المحاكم الشرعية، ما يشير إلى إمكانية قبول تلك القوى المؤثرة لهذا السيناريو حال نجاح المحاكم في الوصول إلى تفاهمات مع هذه القوى.
ولكن قد تتعرض المحاكم للضعف والوهن الناتج عن التباين في طبيعة الجماعات والفئات المكونة للمحاكم، وما يترتب عليه من اختلاف في الرؤى والأهداف والغايات المستهدفة من التنظيم، مما قد يؤدي إلى إضعاف المحاكم خاصة فيما يتصل بالتوافق على موقف موحد بين هذه التيارات والمجموعات في إطار أي مفاوضات مستقبلية مع الأطراف الأخرى بشأن شكل الدولة الصومالية ومستقبلها ومكانة الشريعة بها، وكيفية تطبيقها.
ونفس الأمر بالنسبة لإثيوبيا التي تعارض أي وجود إسلامي في الصومال، خوفاً من انتقال الأمر إلى المعارضة الإسلامية في الأوجادين، كما أن وجود حكومة مركزية بالصومال، ستؤدي إلى المطالبة بالإقليم.
سيطرة الحكومة
ويستند هذا التصور إلى بعض نقاط القوى التي يمكن أن تكون في صالح هذه الحكومة كالاعتراف الدولي بها كممثل للشعب الصومالي، والاعتراف الدولي المقصود هنا هو نيل رضا واشنطن ودعمها، بالإضافة إلى كينيا وإثيوبيا، واللتين قد تعملان على دعمها من خلال التدخل لصالحها - خاصة بعد هزيمة تحالف أمراء الحرب.
وقد تستفيد الحكومة من التناقضات القائمة بين أجنحة المحاكم الشرعية، مستندة في ذلك إلى دعم خارجي (إثيوبي، أمريكي) وفيه يمكن أن توظف كل من الآلة الإعلامية والإغراءات المادية الأمريكية لتشويه صورة المحاكم داخلياً وخارجياً بما يؤدي إلى انفضاض الجماعات المؤيدة من حولها، لكن في المقابل هناك بعض نقاط الضعف أو العقبات التي قد تعوق تحقيق هذا السيناريو منها: أن الحكومة لا تزال تضم أمراء الحرب الذين صاروا أشخاصاً غير مرغوب فيهم، كما أن علاقاتهم المشبوهة مع إثيوبيا تجعلهم يفقدون التأييد الشعبي لهم - على عكس الحال بالنسبة للمحاكم.
كما أن الحكومة غير قادرة على تلبية رغبات الشعب، فهي حكومة عسكرية لا تضم أحداً من التكنوقراط أو عناصر المجتمع المدني.
فضلاً عن كونها حكومة غير منتخبة، بل كانت نتاج المفاوضات التي دارت في كينيا، والتي كانت تهيمن عليها إثيوبيا، ومن ثم فإنها في نظر بعض المحللين جاءت بعناصر موالية لإثيوبيا وليس للشعب الصومالي .

وما يدعم موقف المحاكم الصومالية في وجه أي تدخل أجنبي وبالخصوص أمريكي هو التجربة المريرة السابقة لواشنطن في الصومال، بالإضافة إلى الورطة الأمريكية في العراق، وتصاعد المطالبة داخل أمريكا بالخروج من العراق. أما بالنسبة للتدخل الإثيوبي فقد يكون مستبعداً الآن للمشكلات السياسية الداخلية التي تواجه نظام زيناوي - خاصة بعد الانتخابات الأخيرة التي شهدت تزويراً لصالح قومية التيجرأي التي ينتمي إليها.
و الخوف من استغلال أريتريا لتدخله في الصومال، من أجل القيام بشن حرب جديدة ضده، والتدهور الحالي في العلاقات الأمريكية - الإثيوبية، خاصة بعد طرد زيناوي لبعثة المراقبين الأمريكيين التي كانت تراقب الانتخابات الأخيرة، فضلاً عن توجهات زيناوي الأوروبية.
توافق
أما التوصل إلى صيغة توافقية بين الجانبين تحظى بتأييد أمريكي فهو خيار آخر مطروح ويقضي هذا الحل بإشراك المحاكم الشرعية أو الإسلامية في الحكم ، خاصة وأن بعض أمراء الحرب في الحكومة الحالية تمت إقالتهم، ويُلاحظ أن هذا الحل قد يكون الأفضل في المدى القريب لمعظم الأطراف، فعلى المستوى الداخلي فإن المحاكم - من خلال مشاركتها في الحكم قد تسعي إلى التطبيق المتدرج لمشروعها الإسلامي، ويمكن أن تحصل على بعض الحقائب الوزارية ذات الصلة في هذا الشأن مثل الداخلية، والشؤون الدينية.
أما بالنسبة للحكومة والرئيس، فإنها ستتمكن من ممارسة صلاحياتها المعطلة منذ تشكيلها قبل عامين، كما أنها ستحظى بنفوذ قوي في الشارع بسبب تواجد المحاكم معها.
أما بالنسبة لواشنطن، فإنه قد يكون الحل الأمثل نظراً لرغبتها في التركيز في الأزمات الأخرى من ناحية، كما أنها ستضمن ولاء الحكومة الجديدة لها، كما أن المشاركة الجزئية للمحاكم قد تؤدي إلى بروز الخلافات الداخلية بها، ومن ثم إمكانية إضعافها داخلياً بصورة تمهد لأنصارها خلال الفترة القادمة ترتيب أنفسهم والانقضاض على المحاكم من جديد، وإن كان هذا السيناريو قد يُواجه بمشكلة عدم التجانس بين قوى الحكومة الجديدة، وهنا سيبرز دور واشنطن تحديداً في التقريب بينهم، كما أن تحقيقه يتوقف على مدى حدوث تفاهم بين واشنطن والمحاكم خلال الفترة القادمة.
نقطة الصفر
أما في حالة استمرار واقع التجزئة والعودة إلى المربع صفر ومؤداه إخفاق المفاوضات بين الحكومة والمحاكم وسعي كل طرف لبسط نفوذه على الآخر واستقطاب أنصاره، فإنه يفتح الباب من جديد لسلسلة من الانشقاقات داخل الطرفين، ويتيح الفرصة للقوى الخارجية الإقليمية والدولية للنفاذ والتأثير في مجريات الأحداث على الساحة الصومالية، من خلال الوجوه القديمة لأمراء الحرب المنهزمين أو بعناصر جديدة منهم. كما سيكرس واقع انفصال جمهورية أرض الصومال كنموذج يُحتذى من جانب الأقاليم الأخرى، خاصة إذا ما قامت دول فاعلة إقليمية أو دولية بإضفاء المشروعية على ذلك الانفصال بالاعتراف بتلك الكيانات، وهو أمر ليس بمستبعد في ظل ما يحققه من مصالح لبعض الأطراف الإقليمية.
والواقع، أنه أياً كان المسار الذي ستتخذه المشكلة الصومالية فإنه سيتحدد بالأساس بفعل موقف القوى المختلفة من مجموعة من العوامل والقضايا المتشابكة في مقدمتها قضية الهوية الوطنية، وطبيعة وشكل الدولة، وتوزيع السلطة، وتطبيق الشريعة .
ولا شك أن العالمين العربي والإسلامي مدعوان لتحمل مسؤولياتهما تجاه الصومال في هذا الظرف التاريخي الذي أعادت فيه تطورات الأوضاع في الساحة الصومالية الكرة إلي الملعب العربي والإسلامي، وأضعف الإيمان توفير الدعم المادي والتقني، والمساندة السياسية والإعلامية اللازمة لتحقيق المصالحة الصومالية - الصومالية التي تبقى حجر الزاوية والمفتاح الأساسي لأي مساعي استقرار دائم بالصومال.

الاسلام اليوم

أضف تعليق