حينما تحين ساعة الفجر، تستشعر حالة عجيبة، هدوء في جميع الأماكن، وطرقات خالية من البشر، لحظات تُدرك فيها أنك تسير بمفردك دون رفيق أو أنيس، وما إن انقضت تلك الساعة حتى انقلب الحال، فالضجيج يعم كل مكان، والطرقات قد امتلأت بالصغار والكبار.
حينما أنعمت النظر في كلا الساعتين، سألت سؤالا ما المفارقة بينهما؟
علمت حينها أن كثيرا من الناس قد غفلوا عن الساعة الأولى؛ لأنهم لا يُدركون أهميتها، بل وهناك من لا يبالي بتركها بالكلية، أما الساعة الثانية فقد اهتموا بها؛ لأنها مصلحة دنيوية، إن تركوها قُطعت رواتبهم، وإن تأخروا عنها خُصم من راتبهم، فتجدهم يحرصون عليها، ويضبطون المؤقت الذي يوقظهم في الساعة المحددة لها.
وهذا هو حال الكثير من المسلمين في عصرنا الحاضر، ممن فضلوا المصلحة الدنيوية الفانية، على الآخرة الباقية، فضيعوا فريضة من أعظم الفرائض، وتركوا ساعة لا تُعوض بأي قيمة أو ثمن.
لم يعد كثير من الناس يميز بين هذه الساعة أو تلك، بل الأمر يكون تبعا للمنافع المادية والنفسية.
ولست هنا بصدد الإنكار على الناس اهتمامهم بسبل الرزق والمعيشة، لكني أقول لو اهتم الخلق بوقت الفجر بعُشر ما يهتمون به لوقت الوظيفة لكانوا في خير عظيم.
إن التفريط في هذا الأمر له أسباب كثيرة، ومن أهمها عدم استشعار العقوبة واستحضارها، ومن أمن العقوبة ساء الأدب، حتى أصبح الاختلال في الموازين ظاهرا على كثير من الناس، فإذا تأخر عن وظيفته أو محل رزقه خاف أن يُوبخه المسؤول، أما تركه للفريضة فأمر اعتاد عليه فلا حرج في ذلك، وربما وجد الأعذار الواهية التي تكون تبعا لنفسه وهواه.
فأقول لمن كان هذا حاله: إعلم - وفقني الله وإياك للمحافظة على عبادته- إنك ما عرفت الله حقا لأنك عمدت الى ساعتك فوّقتها لتوقظك الى عملك لا لتوقظك للوقوف بين يدي ربك، ولا يتعمد هذا الفعل إلا إنسان لم يعرف عظمة الله وقدره.
ولا بد لكل مسلم تغافل أو تكاسل عن أداء هذه الفريضة أن ينظر في ما ضيعه من الأجر والثواب، فالمداوم على صلاة الفجر يتحصل على أجور عظيمة ومنها:
- أنها مكملة لقيام الليل، قال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)) رواه مسلم.
- من حافظ عليها دخل الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: ((من صلى البردين دخل الجنة)) متفق عليه. والبردان : الصبح والعصر.
- من صلى الفجر فهو في ذمة الله، قال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله)) رواه مسلم.
- حضور اجتماع الملائكة في صلاة الصبح وصلاة العصر. قال صلى الله عليه وسلم: (( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله – وهو أعلم بهم – كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهو يصلون)) متفق عليه.
ومما يجب الانتباه إليه أن المولى جل وعلا أقسم بالفجر لعظم وقته.
وأما المفرط بهذه الفريضة فإنه سيكتسب العقوبات الآتية:
- الاتصاف بصفات المنافقين: قال الله تعالى:(وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ) [ النساء من الآية 142].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ)) رواه مسلم.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح الحديث: ((وإنما كانت العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلى تركهما، لأن العشاء وقت السكون والراحة، والصبح وقت لذة النوم)).
- الخبث والكسل طوال اليوم لمن نام عن صلاة الفجر: عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:أنَّ رَسُول اللهَ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (( يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ على قَافِيةِ رَأس أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ.فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلتْ عُقْدَةٌ، فإِنْ تَوَضَّأ انْحَلَّتْ عُقْدة فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ فأصْبَحَ نَشِيطاً طيبَ النَّفْس، وإلّا أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ )).رواه مسلم
- أن ترك صلاة الفجر يكون سببا في منع الرزق: قال ابن القيم: (( ونومة الصبح تمنع الرزق لأنه وقت تقسم فيه الأرزاق)).
ورأى ابن عباس ابناً له نائما نوم الصبح فقال له قم أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟!.
فعلى كل من تكاسل وتغافل عن صلاة الفجر أن يضع نفسه في هذا الميزان، ويتفكر بحاله ويستفيق من غفلته، من قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه الآهات ولا الأمنيات.
والحمد لله رب العالمين.
خاص بموقع الهيئة نت
