هيئة علماء المسلمين في العراق

الصداقة الأميركية كأس مسمومة- جهاد الخازن
الصداقة الأميركية كأس مسمومة- جهاد الخازن الصداقة الأميركية كأس مسمومة- جهاد الخازن

الصداقة الأميركية كأس مسمومة- جهاد الخازن

أحاول وسط غبار المعركة ان أراجع بعض المواقف والوضع هو التالي: وزيرة الخارجية الأميركية الدكتورة كوندوليزا رايس محقّة في قولها انها لا تريد وقف إطلاق نار يعيد الوضع الى ما كان عليه في 12 الجاري، غير ان «رزمة» الاقتراحات التي عرضتها، وبينها تجريد حزب الله من سلاحه وإعادة الجنديين الإسرائيليين الأسيرين، مستحيلة التنفيذ، فهل ان الوزيرة لا تعرف هذا، او ان الشروط المستحيلة غطاء لاستمرار اسرائيل في القتل والتدمير؟
بما انني اتعامل مع سياسيين طوال حياتي العملية، فإن الشك رفيقي دائماً، وإلى درجة أن أفسر الأمور بعكس ما أسمع.
رداً على التهمة ان الولايات المتحدة تحرض اسرائيل وتنسق العمليات العسكرية ضد لبنان (والفلسطينيين) معها قال الناطق بلسان البيت الأبيض توني سنو «نحن لا نتواطأ. نحن لا نتعاون. نحن لا نتآمر. نحن لا نفعل شيئاً من هذا».
وترجمة الكلام الرسمي ان الولايات المتحدة تفعل كل هذا بحسب مبدأ معروف هو ألا تصدق أي خبر إلا اذا نفي رسمياً.
الناطق بلسان وزارة الخارجية شون ماكورماك قال: «لا أعتقد بأن احداً يعارض الرغبة في إنهاء العنف في المنطقة، ولكن دعونا نتذكر جذور اسباب العنف».
هو يتحدث عن حزب الله، وعكس كلامه ان العنف، جذوراً وممارسة، هو من فعل اسرائيل، فهي دولة قامت على العنف، وتمارسه ضد النساء والأطفال بسلاح اميركي، وبحماية سياسية، ودعم مالي مباشر وغير مباشر.
قبل ان يؤكد الناطقان ما نعرف جميعاً بنفيه، كان الرئيس جورج بوش في سان بيترسبورغ يتحدث عن «صداقة متينة» تربطه بالرئيس فلاديمير بوتين ما يعني ان الصداقة بينهما «مهزوزة»، أو غير قائمة والولايات المتحدة تحاول ان تفرض نموذجها الديموقراطي على روسيا، أي انها تتدخل في الشؤون الداخلية الخالصة والخاصة لدولة عظمى تملك ترسانة نووية هائلة. وبالمناسبة فكل خبر قرأته عن قمة الثماني في وسائل الإعلام الغربية تحدث عن توتر العلاقات بين اميركا وروسيا لا عن أي صداقة بين رئيسيهما.
وبيان مؤتمر روما الذي تحدث عن وقف إطلاق النار من دون تحديد موعد له، يعني أن لا وقف لإطلاق النار، وهو من نوع بيان قمة الثماني الذي صدر بالإجماع وأشار الى «عنصر متطرف» وزاد ان «الذين يؤيدون التطرف لن يسمح لهم بإغراق الشرق الأوسط في الفوضى وإثارة نزاع مسلح أوسع نطاقاً».
الإشارة هي الى حزب الله كعنصر متطرف، والى ايران وسورية في تأييد التطرف، ما يعني ان الحقيقة هي عكس البيان الرسمي، فإسرائيل ام التطرف وأبوه، والولايات المتحدة هي التي تؤيد التطرف الإسرائيلي وتشجعه، فتغرق الشرق الأوسط في الفوضى وتفتح الأبواب على نزاع أوسع نطاقاً، كما تريد عصابة الشر الإسرائيلية في الإدارة وحولها، ولا سر هنا، فأركان العصابة من الوقاحة والجريمة ان يسعوا الى حرب على ايران وسورية وأن يكتبوا عنها تحريضاً، كما فعلوا قبل مؤتمر روما وبعده، ما يثبت ان التطرف اسرائيلي وكذلك الجريمة.
الوضع، من دون بيانات رسمية تصفع الحقيقة في وجهها، هو ان الولايات المتحدة سقطت في العراق، فلا نفوذ سياسياً أو ديبلوماسياً اميركياً، ولا مبادرة من أي نوع، بل فراغ يجعل الإدارة الأميركية تلجأ الى الكذب على نفسها بإطلاق يد الجريمة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين واللبنانيين اعتقاداً منها بأنها تلقن «المتطرفين» درساً، وهي لا تفعل سوى ان تزيد كره الولايات المتحدة، وتؤجج غضب العرب والمسلمين وتعرّض كل مصلحة أميركية للخطر وتحرج الأصدقاء القليلين الباقين، وهم يرون ان الصداقة الأميركية كأس مسمومة تبعد الحاكم عن المحكوم.
أدين إدارة بوش كلها وأستثني وزيرة الخارجية الدكتورة كوندوليزا رايس، وأصر على انني لست واقعاً في غرامها وأنني لا أخدع، وعندما برزت الدكتورة رايس كمسؤولة رئيسية في إدارة بوش الأولى قبل خمس سنوات استقبلت عملها بتحفظ، بل بالشك، ثم ملت تدريجاً الى تقدير ذكائها وسرعة فهمها حقائق الأمور وإنسانيتها، وإذا نظرنا الى مجمل التصريحات الرسمية الأميركية الأخيرة والمواقف منذ انفجار المواجهة، أولاً مع الفلسطينيين، ثم مع حزب الله ولبنان، نجد أن افضل كلام هو الذي صدر عن الدكتورة رايس. ولا يعني هذا انني أقبله كله أو أوافق عليه كله، وإنما يعني انه الأفضل بالمقارنة، فنحن لا نستطيع ان نحكم على الأمور من فراغ وإنما بالقياس.
كيف تستطيع وزيرة الخارجية الأميركية ان تنجح، وإسرائيل نفسها تطلب من روسيا التدخل مع سورية لأنها تدرك عدم وجود أي نفوذ للولايات المتحدة مع اللاعبين الرئيسيين، فهي لا تملك علاقات ديبلوماسية مع ايران وعلاقاتها مع سورية شبه مجمدة منذ سحب السفيرة مارغريت سكوبي، وهي تعتبر حماس وحزب الله منظمتين إرهابيتين، وهما يعتبرانها شريكة في الإرهاب الإسرائيلي بل انها تريد ان تقدم ايران وسورية خدمات لها من دون تفاوض أو مقابل.
ربما كان الأمر ان الولايات المتحدة لا تريد ان «تنجح»، بل تفضل ان تترك الأمور في يد دولة الجريمة اسرائيل، ما يعني ان تستمر مأساة لبنان وفلسطين والعراق وكل بلد فيه عرب أو مسلمون.


صحيفة" الحياة" اللندني

أضف تعليق