من ينظر في حال الكثير من المسلمين اليوم يستشعر وجود أجساد بلا أرواح، وسبب ذلك بُعدهم عن كتاب الله تعالى وهجرهم له، وهذه الحقيقة بينها القرآن الكريم في قوله عز وجل: (أَوَ مَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ) [ الأنعام 122].
قال ابن كثير: ((أي : يهتدي به كيف يسلك ، وكيف يتصرف به. والنور هو: القرآن، كما رواه العوفي وابن أبي طلحة ، عن ابن عباس . وقال السدي : الإسلام . والكل صحيح)) .[ تفسير ابن كثير].
ومعنى الحياة: ((أن يكون الكائن عل حال يؤدي مهمته المطلوبة منه)).[ تفسير الشعراوي].
فكل من يتنفس هو حي لكن هناك فرق بين حياة يؤدي الإنسان فيها المهمة المطلوبة منه وفق منهج محدد له، وأخرى تقتات على الماديات لا تستشعر حقيقة وجودها.
وقد وضع القرآن الكريم من خلال الآية التي ذكرناها ميزانا للتمييز بين الأحياء والأموات، وبيَّن أن من كان يسير وفق منهج القرآن الكريم؛ فهو حي وهو بالتالي يؤدي المهمة التي خُلق من أجلها، أما من ابتعد عنه فمثله كمثل الميت لأنه لم يُدرك حقيقة خلقه، فهو يعيش في ظلمات غيه.
لذا لا بد لكل منا أن يعي حقيقة هذا الأمر، وأن يضع نفسه في هذا الميزان، ويرى أهو من الأحياء أم الأموات، وأن نقيس واقعنا بالمقاييس التي وضعها القرآن الكريم لنا، لا بالمقاييس النفسية؛ فمن المفارقات أن الناس في عصرنا الحاضر لا يهتمون بالقرآن إلا في مجالس عزائهم، وكأن القرآن الكريم أُنزل لأجل هذا، فهل كتاب رب العالمين أُنزل ليخاطب الأموات أم الأحياء؟
وعلاج هذا الداء يتمثل بالعودة إلى كتاب الله تعالى، وتدبر آياته، والعمل به، فإذا تحقق ذلك اكتسبنا ثمارا كثيرة ومنها:
1. نزول الرحمة: قال تعالى: (وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ) [الأنعام 155].
2. الهداية إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، والفوز بخيري الدنيا والآخرة، قال تعالى: (إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا) [الإسراء9].
ومن الالتفاتات الجميلة التي يجب بيانها، أننا نقرأ في كل صلاة سورة الفاتحة، ونسأل الله الهداية: (ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ)، ثم نجد أن المولى جل وعلا يدلنا عليها في بداية سورة البقرة، وذلك في قوله تعالى: (ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ)[البقرة2]، فمن أراد الهداية والفلاح، والعزة والنجاح فعليه أن يتمسك بكتاب ربه جل وعلا.
وأما إبقاء النفس في حال الميت والإعراض عن القرآن الكريم؛ فإن عواقبه وخيمة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ١٢٦
وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ) [طه124-127].
وختاما أقول لكل مسلم ابتعد عن القرآن الكريم عليك أن تتدارك نفسك، وتستيقظ من غفلتك، فمن يعيش في بُعد عن كتاب ربه، فقد حرم نفسه الأجر العظيم، والثواب الجزيل، وعاش جسدا بلا روح، وتحقق فيه قول الله تعالى: (وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ١٧٩)[ الأعراف].
والحمد لله رب العالمين
خاص لموقع الهيئة نت
