هيئة علماء المسلمين في العراق

\"فجر\" شرق أوسط أمريكى جديدأم محاولة لـ\"عرقنة\" لبنان؟!
\"فجر\" شرق أوسط أمريكى جديدأم محاولة لـ\"عرقنة\" لبنان؟! \

\"فجر\" شرق أوسط أمريكى جديدأم محاولة لـ\"عرقنة\" لبنان؟!

وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس \"متفائلة\" بأن قتل مئات المدنيين العزّل وهدم المبانى فوق رؤوس ساكنيها فى لبنان سيكون له صدى سياسى يقلب المنطقة رأساً على عقب، ويسمح بشرق أوسط \"مروّض\" و\"خاضع\" لواشنطن، تُطلق عليه الإدارة الأمريكية صفة الـ\"جديد\"! ربما هى تعتقد أو تأمل بأن ضرب "حزب الله" ضربة مبرحة يفكك القبضة الحديد لايران الموجهة إلى رأس إسرائيل، ويعزل "حماس" فى فلسطين، ويعيد سوريا إلى موقع الضعيف الذى يسهل فرض الشروط عليه أو ارغامه على فك تحالفه مع ايران، وهكذا تحاصر طهران وتصير بلا ظهير عربى غير قادرة على مد يد يدها نحو المتوسط وتاليا يسهل هضمها والحد من طموحاتها الإقليمية. وعندها يصير ما كان مستحيلا لدى احتلال العراق ممكنا بعد ضرب لبنان فتتمدد "الديموقراطية" الأمريكية وتنتعش من الخليج إلى المحيط؟!

كان كل شيء يبدو مناسبا لهذا "الطموح" الأمريكى الجديد: إسرائيل مضطرة للرد على صفعة "حزب الله" وثمة إجماع إسرائيلى على الانتقام، والمجتمع الدولى "متعاطف" مع الدولة العبرية، وعدد من الأنظمة العربية متواطئ ضمنا ضد "السلاح غير الشرعي"، واللبنانيون منقسمون فى شأن مواصلة المقاومة.
لكن كان على الآنسة رايس أن تتمهل قبل أن تحيد ببصرها إلى المرحلة الثانية، مرحلة ما بعد الحرب، ذلك ان بدء الحرب شيء والخروج منها شيء آخر.
فالاجماع القومى الذى كان قائما فى إسرائيل لدى بدئها ليس مضمونا حتى النهاية. فكم من حرب بدأت بإجماع قومى وانتهت بكارثة قومية، ولعل التظاهرات الصغيرة اليومية فى إسرائيل وتباين الآراء فى شأن جدوى الحرب ليست إلا تباشير تفكك فى الإجماع القومى الإسرائيلي.
وفى المقابل فإن الانقسام اللبنانى على سلاح المقاومة لا يزال قائما، وليس اجتماع قيادات لبنانية فى السفارة الأمريكية مع الوزيرة رايس إلا دليل عليه. لكن مواصلة إسرائيل حربها على اللبنانيين بلا تمييز وتدميرها لمقدراتهم يفرض على الجميع قبل الدخول فى محاور ومتاهات التعلم من عِبَر لم يمض عليها الزمن وإلا فالكل خاسرون.
إسرائيل تواصل دك القرى والمدن والسهول والمواقع اللبنانية بلا نتيجة تذكر والصواريخ مستمرة فى التساقط على حيفا والجليل. "الاستئصال" بالجو لم يؤد سوى إلى الخراب والدمار ليس إلا، والحرب فى البر دونها ذكريات سود للبنانيين ولجيش إسرائيل على السواء. أما العلاج المقترح بالقوات الدولية أو المتعددة الجنسية فدونه أيضا ذكريات أمرّ.
ان واشنطن لا تضغط من أجل وقف سريع لاطلاق النار لأن ذلك سيكون بمثابة انتصار لحزب الله وسيحد من قدرة إسرائيل على إلحاق أضرار أكبر بإمكانات حزب الله وإضعافه... وهذا ما يجعل انه من السابق لأوانه بحث وقف النار ومن المبكر الإعلان عنه، وان الجهود الجارية لنزع فتيل الأزمة لن تنجح بمعزل عن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله والتى تستهدف إضعافه إلى أقصى درجة ممكنة بهدف تمكين الحكومة اللبنانية من قبول شروط المبادرة السلمية على أساس القرارات الدولية.
لم تطلب رايس من إسرائيل وقف اطلاق النار قبل أن يوافق حزب الله على نزع سلاحه والانسجام مع قرارات الحكومة اللبنانية وتوجهات المجتمع الدولي.
من الواضح ان واشنطن عدلت تماما فى سياستها وأسلوبها: فى عملية "عناقيد الغضب" الإسرائيلية ضد لبنان عام 1996 لم يهدأ وزير الخارجية يومئذ وارن كريستوفر فى حركة مكوكية بين دمشق وبيروت وتل أبيب حتى توصل إلى "تفاهم نيسان/أبريل"... اليوم تأتى رايس بزيارة واحدة أقرب إلى "رفع العتب" ولا تتصل بدمشق وليس فى خططها الوصول إلى "تفاهم"... فى السابق كان رد الفعل الأمريكى التقليدى هو تحركات دبلوماسية علنية وفورية تهدف إلى وقف اطلاق النار على أمل ضمان عدم تطور الأزمة، فى هذه الأيام يتجنب البيت الأبيض فى مواجهة مطالب دولية متزايدة أية إشارة إلى فقدان صبره مع إسرائيل وبدا راضيا عن مشاهدة إسرائيل تلحق أكبر ضرر ممكن بحزب الله، لا بل هناك إصرار أمريكى على متابعة إسرائيل ما بدأته، وهذا ما سيعكس قناعة عميقة لدى إدارة بوش بأن النزاع الحالى ليس أزمة يمكن السيطرة عليها، بل هى فرصة للحد من خطر كبير فى الشرق الأوسط مثلما تفعل أمريكا فى العراق... وبأن إسرائيل تلعب دورا أساسيا فى الحملة الواسعة ضد "الارهاب"!
رايس وبوش يحضان أولمرت على فعل المزيد والإفادة من الوقت المتاح لتحقيق ما لم يستطيعا ان يحققانه فى العراق، وإسرائيل غير قادرة إلا على التدمير والخراب من دون الوصول إلى هدف.
الآنسة رايس ترى إن ما كان مستحيلاً بعد الحرب الأمريكية على العراق بات ممكناً فى الحرب الإسرائيلية الوحشية على لبنان، انها تشاهد - أو تحلم ربما - بـ"فجر" شرق أوسط جديد يبزغ من النيران المشتعلة فى جنوب لبنان وضواحى بيروت وسهل البقاع اللبناني.
أسبوعان مرّا وربما ستمرّ أسابيع وليس فى الأفق إلاّ عراق جديد يتمدّد ويتفشّى وأحلاف تشتدّ وتتعصّب، فهل هذا هو "الفجر" الجديد الذى يعدنا به جورج بوش ورئيسة دبلوماسيته؟!

العرب اونلاين

أضف تعليق