تبدو مدينة صور الساحلية، اقرب مدن جنوب لبنان إلى إسرائيل، أشبه بمدينة أشباح فيما تكون شواطئها وأسواقها ومطاعمها في مثل هذا الوقت من السنة مكتظة بالناس.
والحركة الوحيدة التي تسجل في هذه المدينة التاريخية الزاخرة بالآثار تقتصر على توافد اللاجئين الهاربين من المناطق الحدودية الخاضعة لقصف إسرائيلي مركز ومتواصل برا وجوا وبحرا.
وتعبر سيارات الإسعاف تحت القصف مطلقة صفاراتها لتنقل القتلى والجرحى من القرى الحدودية إلى المستشفيين الرئيسيين عند مدخل صور.
وما إن ينزل المسعفون بملابسهم البرتقالية الملطخة بالدم وخوذاتهم الواقية الضحايا حتى ينطلقون مجددا إلى قرى أخرى لمحاولة إجلاء ضحايا آخرين.
وأقفلت متاجر المدينة أبوابها فيما الشوارع مقفرة. أما السكان الذين لم ينزحوا شمالا فقابعون في منازلهم يتأسفون على موسم سياحي كانوا يتوقعون أن يدر عليهم أرباحا كبيرة.
وباتت رابع المدن اللبنانية مقطوعة عن باقي العالم بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض عليها والغارات التي دمرت الطرقات والجسور ومحطات الوقود وشبكة مياه الشرب وشبكة الكهرباء.
ويقول رئيس البلدية السابق في صور عبد المحسن الحسيني "لقد دمرت إسرائيل بأطنان من القنابل في بضعة أيام ما أمضينا سنوات لإعادة اعماره. وإعادة الاعمار من جديد ستتطلب سنوات كثيرة".
ويتهافت إلى مكتبه عشرات النازحين الذين ينقصهم كل شيء وعلى الأخص الطعام.
ويقول هشام موسى وهو رب عائلة في الثامنة والثلاثين من العمر "لم يعد لدينا طعام، اقتصر فطور أولادي على كسرة خبز".
وإزاء تفاقم الوضع يوما بعد يوم، فر آلاف السكان في اتجاه شمال لبنان. أما الذين لم يتوافر لديهم 400 دولار كلفة الرحلة إلى بيروت، فلازموا منازلهم مسلمين أمرهم للقدر وآملين في تحسن الظروف.
ويشكو محمد أبو العينين جالسا على رصيف مرفأ الصيادين الصغير "توقف عملنا، إننا في بطالة قسرية بسبب الحصار الذي تفرضه البحرية الإسرائيلية، كيف سنطعم عائلاتنا؟".
وتجمع بعض صيادي السمك في المرفأ حيث يقومون بإصلاح شباكهم وكأنهم يشغلون وقتهم.
وبعد أن كانت رائحة السمك الطازج تنتشر في مرفأ صور جاذبة المارة في هذه المدينة التي تزخر شواطئها بالأسماك، حلت محلها اليوم رائحة العفن والقذارة المتصاعدة من النفايات المتروكة على الأرصفة.
وتسيطر الرائحة نفسها في شوارع المدينة حيث تتراكم النفايات بعد أن فر عمال التنظيفات الأجانب منذ الأيام الأولى من الغارات، فيما العمال الآخرون يرفضون الصعود في شاحنات البلدية خوفا من أن يستهدفهم الطيران الإسرائيلي.
وفي مستشفى صور الحكومي، بقيت مئة جثة أياما عدة في انتظار دفنها. وقد دفنت على عجل بصورة مؤقتة في مقبرة مرتجلة بالقرب من ثكنة عسكرية في انتظار نقلها في ما بعد إلى قراها.
وقال سلمان خيرا لله (46 عاما) الموظف في البلدية وهو ينظف الممر المؤدي الى منزله "تجتاحنا النفايات والفئران وقريبا ستنتشر الأوبئة".
وقبل شن إسرائيل حملتها العسكرية في 12 تموز/يوليو بعد خطف حزب الله الشيعي اللبناني اثنين من جنودها، كانت المدينة تغص بالسياح الذي يقصدون الآثار الرومانية والصليبية فيها فضلا عن سواحلها ومهرجانها الموسيقي.
وكانت صور في التاريخ محورا تجاريا مهما وقد شهدت حقبات متتالية من الازدهار والتراجع على مدى ثلاثة آلاف سنة وصمدت هذه المدينة الفينيقية المهمة سابقا في وجه حصار الاسكندر الأكبر طوال سبعة أشهر قبل أن يستولي عليها عام 332 قبل الميلاد.
ميدل ايست اونلاين
مدينة صور التاريخية تغرق في الدم والدمار
