عباد الله: لقد أجزلَ الله على عباده من نعمه العظيمة، وأغدق عليهم من آلائه الجسيمة، يمينه - تعالى -ملأى لا تغيضها نفقة، سحَّاءَ الليل والنهار، يقسِم الأرزاقَ ويغدِق العطايا، ويرزق من يشاء بغير حساب، يبتلي عبادَه بالنعم كما يبتليهم بالمصائب، يقول - تعالى -: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، وقد قرن - سبحانه- الشكرَ بالإيمان به فقال: (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ)، وأخبر - سبحانه- أن الشكرَ هو حكمة من حكم خلق الإنسان، فقال - تعالى-: ( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
عباد الله: إننا في هذه الأيام نتقلب في نعمة من نعم الله وافرة، فسماؤنا تمطر، وأشجارنا تثمر، وأرضنا تخضرّ، وما هذا إلا نعمة ورحمة من المنعم الرحمن المنان.
فوالله، لولا الله ما سقينا، ولا تنعّمنا بما أوتينا: ( أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ)، اللهم لك الشكر على آلائك التي لا تعد ولا تحصى، اللهم لو شئت لجعلت ماءنا أجاجاً، ولكن رحمتك أدركتنا فجعلته عذباً زلالاً، فلك الشكر لا نحصي ثناءً عليك، فما بنا من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك.
أيها المسلمون: الماء أغلى مفقود، وأرخص موجود، مع الماء الخضرة والندى، والظل والحياة، ومع فقدانه الجفاف واليبس، والخمود والموت.
إذا عدم الماء: زحفت جيوش المجاعة، واستمر القحط، وأقبلت أسراب البؤس، تذوي الثمار، وتموت الأشجار، وتحترق السنابل، وتذوب الأكباد. فإذا تدفق الماء وأقبلت أمواجه: أقبل معه البشر والعطاء، والنماء والرغد والهناء، بالماء تقوم الحقول، وتتكاثر الحبوب والثمار، قال الله - عز وجل-: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء/30].
الماء شريان نابض في قلب الأرض، إذا تعطل: ماتت المعمورة، وفسدت الحياة، وانطمس الوجود.
الماء نعمة من الله جليلة، وهبة من الخالق عظيمة: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) خلق الماء عجيب، ونبؤه غريب، صوره ربه: بلا لون، وأوجده بلا طعم، وأنزله بلا رائحة، ينزله من السماء رحمة لقوم، وعذاب على الآخرين.
نسأل: الماء جند من جند الله -جل وعلا- يهلك به الظالمين تارة وينصر به المتقين تارة أخرى؟
فمن قوم نوح - عليه السلام - المهلكين إلى أهل بدر الأتقياء المنصورين، جعله الله جنداً واقفاً في جيش المسلمين: ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)، لا تمنعه السدود، ولا ترده الحدود، فيكسر الجسور، ويقتلع الصخور، ويدمر البيوت، ويجعل عاليها سافلها، حتى يأذن الله بسكونه ويأمر بإمساكه.
قال - عز وجل-: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَماءُ أَقْلِعِي) [هود/44].
إن مسته رحمة الله: كان لطفا وهناء، وبركة، وإن مسه غضب الله: كان دماراً وهلاكاً، وسخطاً ونكداً، قال - تعالى-: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) [الأعراف/84]، وقال- تعالى -: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا) [الفرقان/40]. ويرسله الله إلى آخرين رحمة بهم وإحساناً، يحيي به الأرض بعد موتها، فهل فكرنا في هذه النعمة، فشكرناها حق الشكر، وقدرناها حق التقدير؟
هذا الماء الذي نزل من السحاب، من الذي أوجده في السماء؟ من الذي أنزله على الأرض؟ فساقه إلى من يشاء ومنعه عمن يشاء؟ (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) [الفرقان/50].
هل تأملنا العظمة الإلهية، والمعجزة الربانية، في نزول المطر، يقول - جل وعلا-: (وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الروم/24].
فالعاقل يتدبر، والمؤمن يتذكر، واللبيب يتفكر، لقد حدثنا القرآن عن أسرار المطر وأخباره، فسبق بذلك قبل كل فلكي ومفكر متشبعاً بالأفكار الأوربية والشرقية، فقال - تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) [النور/43].
فانظروا إلى قدرة الله - تعالى-، التي تمسك بتلك الجبال العظيمة من السحب، وهذه الأطنان الهائلة الثقال، دون عمد نراها، قال - تعالى-: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ).
عباد الله: يقول الله - تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) انظروا إلى جمال الآية، وعذوبة ألفاظها، وإشراق حروفها، ثم انظروا إلى العبرة، والمثل والتشبيه في آخر الآية: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) لقد ضرب الله - تعالى- مثلاً لإحياء الموتى، وقضية البعث بالماء: يرسله إلى الأرض الهامدة فيحيها من موات، ويوجدها من عدم: (فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ويقول - تعالى-مشيراً إلى هذه المسألة في آية أخرى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
عباد الله: ومن لطف الله - تعالى -بعباده، أن ينزل عليهم هذا الغيث بقدر، فلو سقطت جبال السحب الكثيفة الهائلة كما هي: لهلك الناس، ومن لطفه - تعالى- أنه إذا أنزل الماء، لم يبق مجتمعاً فوق الأرض، فتصبح الأرض غير صالحة للسير عليها، بل سلكه ينابيع في الأرض، وحفظه في الآبار والعيون، يقول - تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [الزمر/21].
فهو - تعالى- يحفظ هذا الماء في صحون من الصخور الجوفية دون أن يغور ويعمق في الأرض، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) [الملك/30].
الحمد لله لا نحصي ثناء على الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الرحمن الجليل
