تظهر كثير من المؤشرات الصادرة عن مشهد الأوضاع الراهنة في العراق، وبشكل خاص تلك الصادرة من مجموعات وأطر اللعبة السياسية بأطرافها الداخلية والخارجية أو الخارجية - الداخلية .
إن العبادي بات محاصراً، وإن الدوائر قد أُغلقت حوله، وإنه بات في موقع الدفاع عن بقائه أكثر من قدرته على تحقيق ما وعد به من إصلاح، وإنه بات عاجزاً حتى على القيام بأداء مهام منصبه الروتينية في حد ذاتها، توقفت حركته الآن.
لقد عاد المالكي للتحرك النشط ضد العبادي، بما يشير إلى تغيير في التوازنات داخل الكتل الشيعية، إذ المالكي لا يمكنه التحرك منفرداً، وفي البرلمان، بتعدد ولاءات مجموعاته، تحول الوضع إلى الهجوم على العبادي تحت عناوين القانون والدستور، وباتت التهديدات تترا بسحب ما منح من صلاحيات قانونية أو عرفية بمحاربة الفساد، بما يشير إلى ملامح تغيير في التوازنات التي سمحت للعبادي من قبل باتخاذ قرارات أولية في مواجهة بعض الحالات شديدة الفجاجة وعلى رأسها حكاية نواب الرئيس بمخصصاتهم وحماياتهم.
ووصل الحال مؤخراً، أن تحركت أطراف كان يفترض أن تلعب لعبة التنسيق مع العبادي - بحكم العداء لأطراف أخرى مشتركة وأهمها نوري المالكي وعصابته - كما هو حال إياد علاوي الذى وصل حد المطالبة بتغيير العبادي.
تحدث علاوي مطالباً التحالف الشيعي بالبحث عن بديل آخر للعبادي، وكل ذلك والمظاهرات المطالبة بالإصلاح لا تهدأ ولا تتوقف من جهة، كما العبادي وجيشه وميلشيات الحشد الطائفي، ما تزال في وضع العجز عن تحقيق أي نصر عسكري مؤثر على تنظيم الدولة.
لكن مأزق العبادي لا يقتصر على تحول في لغة التعبير عن مواقف الأطراف الداخلية التي صمتت عن تحركاته في البداية، أو تلك التي كانت على عداء واضح معه، بل الأمر متعلق أيضاً، بمواقف الأطراف الإقليمية والدولية المحتلة أو المتدخلة في الحالة العراقية وهي صاحبة القرار في تشكيل الحكم والسلطة السياسية وقراراتها.
ولقد جاءت حالة تشكيل الحلف الرباعي الإيراني الروسي مع الحكام الطائفيين في العراق وسوريا، لتعمق وضعية مأزق العبادي داخليا وخارجياً.
لقد ضغطت الولايات المتحدة ضغطا على العبادي - مباشرة وعبر الموالون لها - بما اضطره إلى تغيير تصريحاته التي كان أدلى بها ترحيبا بالحلف الرباعي، والتحول إلى إعطاء ضمانات بعدم التعاون مع روسيا عسكرياً، وهو ما انتج ضغطاً مقابلاً من الموالين لإيران وعلى رأسهم المجرمون في قيادة الحشد الطائفي، حتى صار العبادي واقعاً بن ضغطين انتهى إلى وضع مزر.
الخلاصة في كل ذلك باتت تظهر في موقف الرأي العام وساحات الاعتصام في مدن العراق المتظاهرة، التي بدأت تدرك عدم قدرة العبادي على إصلاح أي شيء، فتحولت من المطالبة إلى لغة التهديد له، وهكذا انتهت آمال من كان لديه آمال أو من راهن على العبادي الذى بات متوقفا الآن أو لنقل متراجعاً.
لكن هل كان من الممكن أصلاً المراهنة على العبادي في إحداث تغيير؟ أم أن محاولة حرف اتجاه حركة الشارع العراقي المتظاهر والثائر، من المطالبة بالتغيير الشامل عبر إنهاء مشروع الاحتلال وكنسه كاملاً بدءاً من تغيير الدستور إلى العملية السياسية الطائفية، إلى الاعتقاد بإمكانية الإصلاح الوطني من خلال رمز تلك العملية السياسية، تلك المحاولة هي ما انكشف الآن وليس العبادي فقط.
واقع الحال إن لم يكن ممكنا المراهنة على العبادي أو على أي من المنتسبين أو قيادة اللعبة السياسية، إذ كل التشكيلة والقواعد والتوازنات القائمة عليها العملية السياسية هي دائرة جهنمية، فهي لعبة قائمة على المحاصصة المتخفية تحت ستار الطائفية، وهي صارت نموذجا لتحقيق مصالح المجموعات التي هي أقرب إلى العصابات والشلل صاحبة المصالح المتمايزة عن الطوائف وعن الكتل الاجتماعية، حتى صار العمل السياسي والتواجد في أروقة الحكم والمؤسسات في دوائرها أقرب إلى المصالح المالية الفسادية.
وهى حالة فسادية حتى على الصعيد السياسي، إذ لا مخرجات وطنية لها، فالنظام السياسي ذات المدخلات الطائفية لا مخرجات وطنية له ومن ثم لم يكن يفترض أن يتصور أحد أن لعبة سياسية أساسها الفساد الاقتصادي والسياسي والمحاصصة المصلحية يمكن أن تحقق مخرجاً لوطن مأزوم.
انتهت حكاية المراهنة على العبادي واللعبة السياسية، وعادت الأوراق إلى يد الشارع وقوى المقاومة التي رفضت العملية السياسية منذ لحظة بدايتها.
خاص بموقع الهيئة نت
