محمود فرج
دخل أبو إدريس الخولانى مسجد دمشق فوجد جمعا من الناس يحيطون برجل مهيب الطلعة فسأل عنه قالوا هذا معاذ بن جبل صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس من حوله منذ صلاة العصر يلتمسون منه لدينهم فلم يستطع ان يصل
اليه ابو ادريس، ولماكان صباح الغد وجده يصلى بالمسجد فانتظر حتى فرغ من صلاته ليسلم عليه قائلا له: "انى أحبك فى الله" وإذ بسيدنا معاذ بن جبل يقول له ثلاثا: "الله.. ليعلمه أهمية هذه العبارة ثم يأخذ بردائه ويقول: أبشر فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"وجبت محبتى للمتحابين فى وللمتجالسين فى وللمتزاورين في، وللمتباذلين في .
حول مفهوم الحب فى الاسلام وكيف تكون العاطفة الاسلامية طريقا الى اعلى درجات القرب من الله العلى القدير يقول الباحث الاسلامى الدكتور عبدالله محمد كامل: العاطفة الاسلامية غاية الايمان ومهمة الاسلام بعد ان تشتتت العواطف الانسانية نحو ما يرديها واتجهت الاحاسيس البشرية بعيدا عن دينها وربها وصار الحب فى غير الله شغل الكثير من العباد ومناط سعيهم ومجال حديثهم مستخدمين هذه الكلمات ستارا للمعاصى ودفنا للحياء والفضائل فى حين انها كلمة المؤمنين الذين ساروا فى طريق الله عز وجل واحساس الصادقين فى المعرفة بالله وغناء المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول الحق تبارك وتعالي: "ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله" " البقرة 561".
ويوضح د. عبدالله ان الآية الكريمة واضحة فى الحديث عن غريزة الحب وخطورة توجيهها فالوجهة المطلوبة ان تكون كل المشاعر مسبحة بحمد ربها عارفة بقدر منشيها وخالقها وان تكون كل الاحاسيس فى عبادة ربها ساعية مجدة بين رهبة ورغبة وخوف ورجاء والا انشغلت هذه العواطف بغير الله ورسوله فصار العبد اقرب الى البعد عنه الى القرب وادنى الى الطرد منه الى الوصل اذ كيف يدعى الايمان من لا يحس به وكيف يزعم الاسلام من تتأبى عاطفته عليه.
ويضيف: ولنتدرج فى الايمان لترى ان اسهل شيء هو النطق بكلمتى الشهادة وتردادها ثم تجد الفجوة بين النطق بها وبين مقتضياته فتجد من اللازم ان يصحب النطق اقتناع عقلى بالوحدانية المطلقة لله تعالى وبالكمال اللانهائى للذات الالهية ثم الاطمئنان القلبى الى انه تعالى القادر المقتدر المعطى المانع الضار النافع منه كل رحمة واليه كل منتهى وله كل جلال وجمال فيتولد الحب وتتعلق المشاعر بمن لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو السميع البصير ويصبح للايمان حلاوة وللعبادة لذة وللاسلام طعما وروحا فيحب الانسان فى الله ويبغض فى الله ويعطى فى الله ويمنع فى الله وكان ذلك مصداقا لقول حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه انس:
من أحب فى الله وأبغض فى الله واعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان"، قد يكون الايمان مجرد تصديق لايخضع له الوجدان او اعتقاد لاتتأجج له العاطفة فيكتوى الانسان بنار الشوق الى المحبوب وينشغل بذكر علام الغيوب حبا وهياما ووجدا وغراما ويصير كل من دله عليه وارشده اليه حبيبا له ويصير كل قريب من الله قريبا منه وكل حبيب لله حبيبا له وبهذا يصبح احب الخلق الى نفسه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو الحبيب الاول والمحب الاول جاءنا كل الخير على يديه هداية ونورا ورحمة وشفاعة وضياء فتح الله به اعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلقا تزكية للمؤمنين وهداية للحائرين ورحمة للعالمين وبشير ونذير للخلق اجمعين وهو القائل عن نفسه صلى الله عليه وسلم: "أنا حبيب الله والمصلى عليّ حبيبى فمن اراد ان يكون محبا للحبيب فليكثر من الصلاة على الحبيب" وبهذا يتبلور الاتجاه الصادق لمن اراد الله ربا وارتضاه إلها وعرف انه وحده الحق الواحد الاحد الفرد الصمد ويتحدد الطريق امام من رغب الصلة بخالق الارض والسماوات ان يسلك سبل الحبيب محمد عليه ازكى الصلوات واتم التسليمات وفى هذا يقول عز وجل: قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم" "آل عمران 31".
فيتلقف التابع الهدى منه ويستضيء السالك بالنور الآتى به ويتجه اليه محبا مغرما حبا مشوقا يطلب رضاه وهديه وشفاعته وقربه متبعا لا مبتدعا مسلما لامجادلا موقنا لا متشككا فيزداد ايمانا واحساسا بحلاوة الايمان ويرقى فى الاسلام والاخذ بعزائم الرجال فيستهين بكل شيء فى سبيل رضا الله ورسوله ويتحمل كل مشقة من اجل نظرة رضا ولحظة انس بل تصير كل المتاعب راحة وكل المشقات هونا.
ويقول الله تعالى فى ذلك: "ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه فى قلوبكم وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون" الحجرات 7".
انظر الى وصف الله لهم بأنهم الراشدون فليس الرشد مجرد المعرفة بالفعل او الاحاطة بالمعلومات او استظهار المقالات ولكن الرشيد من ملك زمام عواطفه ثم اطلقها فى سبيل الله فكان الله ورسوله احب اليه مما سواهما وصار كتاب الله ربيع قلبه ونور بصره وجلاء همه وحزنه وصار ذكر الله أنشودته واغنيته وراحة باله وهدوء نفسه الا بذكر الله تطمئن القلوب" قلوب العاشقين السالكين وقلوب العارفين الواصلين وصار الصحابة وآل البيت الكرام اهل وداده وأنسه واحق بتكريمه ونظره ملتمسا هديهم متمنيا قربهم عارفا بفضلهم وامامتهم وسبقهم ومكانتهم وكان للجهاد فى سبيل الله سباقا وللصلاة قواما وللعبادات شواقا متمثلا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: حين سئل عن احب الاعمال الى الله قال: "الصلاة لوقتها ثم اي؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال الجهاد فى سبيل الله" فان من احب، احب رضا المحبوب واجتهد فى طلب مرضاته واحسانه وصار احب اليه من المال والنفس والولد:
"لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا اباءهم وابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب فى قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون "المجادلة 22".
ويؤيد هذه الآية ماروى فى شأن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو الفاروق حين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لايؤمن احدكم حتى يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما ولكن صدق سيدنا عمر يجعله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم انه يجد هذا الحب غير انه اقل من حبه لنفسه التى بين جنبيه فيكون تأكيد النبى الكريم صلى الله عليه سلم بأن الايمان لايكمل لا بأن يكون الحب لله والرسول اكبر حتى من النفس وحينئذ يظهر الايمان الحق لدى سيدنا عمر ليقول: يارسول الله الآن انت احب الى من نفسى التى بين جنبي.
وحين يكون الايمان على هذه الشاكلة تصير الدنيا كلها اغرودة تترنم بالسعادة وبهجة تنطق بالفرحة وعلماً مثمرا فى سبيل الله ويصبح الكون كله مع الانسان محبا مزهرا مسبحا بحمد الله شاكرا لنعمه فلا تجد السوء ولا الفحشاء ويهرب الحقد والحسد والشقاق ويحل التعاون والوفاق ويعمل السلام والوئام فيا ترى من هم المحبون؟ وما صفاتهم ومن الذى يحب الله ويرتضيه لذلك لقاء بيننا وقبل اللقاء نتلاقى على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس: "إن لله جلساء يوم القيامة عن يمين العرش وكلتا يديه يمين على منابر من نور وجوههم من نور ليسوا بأنبياء ولا شهداء ولا صديقين قيل: من هم يارسول الله؟ قال: المتحابون بجلال الله تبارك وتعالي".
العرب اون لاين
تجليات مفهوم الحب فى الإسلام... وطريق القرب لله
