هيئة علماء المسلمين في العراق

من حرب النظام الى حرب المنظمة-غسان الإمام
من حرب النظام الى حرب المنظمة-غسان الإمام من حرب النظام الى حرب المنظمة-غسان الإمام

من حرب النظام الى حرب المنظمة-غسان الإمام

الفرق شاسع بين عاطفية الشارع وتفكير النظام الرسمي. وزعت شيعة ضاحية بيروت الجنوبية الحلوى، واطلقت الزغاريد مع الألعاب النارية، فور خطف «حزب الله» الجنديين الاسرائيليين. بعد أسبوع، اختفى المحتفلون. لجأوا إلى مناطق السنة والمسيحيين. فقد تحولت الضاحية المنكوبة إلى «تورا بورا» من الدمار الشامل.
المعارضة تزايد على النظام العربي باستغلال عاطفية الشارع وسذاجته السياسية. النظام العربي الراهن أكثر شعورا بالمسؤولية. التجربة العسكرية والسياسية لم تكن مفيدة على مدى نصف قرن. النظام الراهن يفضل ان يتحمل لوم العامة، على أن يواجه نكبة أو نكسة أخرى، كتلك التي حلت بالعرب في حروب النظام القومي والماركسي.
أخفقت الحرب النظامية لأسباب كثيرة: ترهل النظام ولا ديمقراطيته وتسييسه للجيوش العقائدية... كل ذلك أضعف أهليته لخوض الحرب، وجعل المجتمع العربي يعتبر أن حرب النظام ليست حربه.
في المقابل، كان هناك تدريب نوعي أعلى للجندي الاسرائيلي، واستخدام مفرط وجبان للقوة النارية الهائلة، وبالذات لسلاح الجو، بشكل يفوق قدرة الشجاعة على التحمل. ثم هناك التدخل الأميركي المتواصل والمنحاز الذي حرم النظام من أي أمل في نصر ولو متكافئ.
من حرب النظام إلى حرب المنظمة. جربت المنظمة السياسية (منظمة التحرير وفتح) الحرب والسلم. كان الإخفاق نتيجة للمراوغة الاسرائيلية، ولعدم جدية أميركا في فرض التسوية والحل على اسرائيل. نحن الآن أمام حالة جديدة، حرب جديدة، حرب المنظمة الأصولية.
في المواجهة مع اسرائيل، يختلف تنظير المنظمة الأصولية المسلحة تماما عن التفكير القومي والتفكير الرسمي الراهن. لا أتكلم هنا عن الأصولية الجهادية التكفيرية (قاعدة ابن لادن)، انما أعني الأصوليات الشيعية (حزب الله) والسنية (حماس والجهاد).
هذا التنظير يقوم، أولا، على الرفض الديني لاسرائيل ككيان غريب مزروع في جسد «الأمة الإسلامية» التي لا يجوز أن تتخلى عن دير من ديار الاسلام (فلسطين). ثانيا، الالتحام المستمر مع العدو، بناء على تصور يلخصه حسن نصر الله شيخ حزب الله، بالاعتقاد، بأن الكيان الاسرائيلي فقد مبادرته الاقتحامية الصهيونية. وبالتالي، يمكن الإجهاز عليه تدريجياً، من خلال استراتيجية «وخز الإبر»، بإنزال ضربات مفاجئة به.
القوة المسلحة، في الحساب السياسي، هي للردع ثم للمساومة كورقة رابحة على مائدة اللعبة. لكن إشباع جعبة حزب الله بالسلاح الجديد (الصاروخ) أغراه باستخدامه، بدلا من التلويح به.
كان تاريخ الحزب عامل إغراء آخر بالاستخفاف باسرائيل. فقد أنهت عملياته الانتحارية وجود القوات الأميركية والأوروبية التي نزلت في لبنان، في أعقاب الغزو الاسرائيلي (1982). وسجلت حرب الرهائن نصرا مؤزرا له وللمخابرات الإيرانية على المخابرات الغربية. وأخيرا، جاء فرضه الانسحاب على اسرائيل عام (2000) من جنوب لبنان، ليحول الاعتزاز بالنصر، إلى نوع من الاغترار بالاعتقاد، بأنه قادر على استخدام القوة متى يشاء.
الطريف أن المنظمة الأصولية لم تستطع الاستغناء عن النظام! لكن أي نظام؟ وجدت المنظمة في النظام الإيراني الباحث عن دور في المنطقة حاضنا وممولا ومدربا لها. غمرت إيران نفسها في بحبوحة التحرك، بعد الانسحاب العسكري السوري من لبنان وتهاوي نفوذه هناك.
مع عودة الخمينيين الى الحكم في طهران، تصرفت الديبلوماسية الإيرانية بدهاء، للتغطية على الاختراق الإيراني للعرب. تم رفع شعار المواجهة مع اسرائيل لإرضاء الأصوليات السنية والشيعية، ولإثارة عواطف شارع عربي لا يصل وعيه إلى إدراك خطر تقديم المصالح الإيرانية النووية على المصلحة العربية.
الدهاء الديبلوماسي الإيراني لم يقطع الصلة مع النظام العربي. الهمس الإيراني في العواصم العربية يهدهد مخاوفها من دور إيراني يهدد العرب بتوريطهم في مواجهة مسلحة غير متكافئة مع اسرائيل، بل ممنوع عليهم، أميركيا، الانتصار فيها. وصل الذكاء إلى محاولة تبديد هواجس العرب عن عراق شيعي يدار بـ «الريموت كونترول» من طهران.
في الوقت ذاته، استوعبت إيران النظام السوري الشاعر بالعزلة والخوف من أميركا، وربطته بإحكام بفلكها، بعد تفكيك علاقته الوشيجة بمصر والسعودية. في لبنان، لتسهيل مهمة ودور الأصولية الشيعية، تغازل الديبلوماسية الإيرانية التيارات المسيحية، وصولا الى ربط تيار العماد عون بحلف غير معقول مع «حزب الله».
بات مفهوما ومعروفا الغرض الإيراني من تحريك الجبهة اللبنانية. أساءت الاستراتيجية الإيرانية تقدير رد الفعل الاسرائيلي.
نعم، استطاعت إيران تحويل أنظار الغرب والعالم عن مشروعها النووي، لكن الثمن كان غاليا. لاقت المنظمة الأصولية المرتبطة بإيران أول هزيمة عسكرية أمام اسرائيل حاقدة ومبيتة النية لتصفية حسابها مع «حزب الله» و«حماس» و«الجهاد»، بالاعتداء المروع على المدنيين الفلسطينيين والشيعة اللبنانيين.
الآن، وفي هذه الفوضى، كيف تحاول الديبلوماسية الدولية تطويق المواجهة بين المنظمة الأصولية واسرائيل؟
التصور الغربي يتلخص، عبر تمريره على لسان الأمين العام الدولي كوفي انان، بوقف اطلاق النار فورا، ونشر قوات دولية في جنوب لبنان، ودفع حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني (عشرون كيلومترا عن الحدود). ثم تنفيذ القرار الدولي 1559 بتجريد الحزب من السلاح، وإيصال الجيش اللبناني «كديكور» وطني لقوة الاحتلال الدولية.
هذا التصور أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. أميركا العائدة على وقع قدمي كوندوليزا الى المنطقة، تريد إعطاء وقت كاف لاسرائيل للسيطرة العسكرية البرية على الجنوب، ولتحطيم صواريخ حزب الله. واضح أن اسرائيل قد أخفقت خلال الاسبوعين الأخيرين. ومن المشكوك فيه أن تنجح الحكومة اللبنانية التي ازدادت ضعفا بعدما خذلتها أميركا، في إقناع الحزب من خلال الحوار، إذا لم تضغط عليه سورية وإيران.
الحزب مستعد للمساومة على تسوية ما. مستعد لتسليم الجنديين المخطوفين بمبادلتهما مع أسرى لبنانيين في السجون الإسرائيلية، لكنه غير مستعد للقبول بحل نهائي يجرده من السلاح، وبإبعاده عن الحدود، طالما أنه يعتبر نفسه غير مهزوم في المواجهة. أبعد من ذلك، فقد يشن «حرب استنزاف» ضد القوات الدولية.
أميركا تراهن على اسرائيل في «تطهير» الجنوب، على الأقل، من عناصر حزب الله، ثم تسليمه الى القوات الدولية. لكن معركة بلدة مارون الراس الحدودية برهنت لاسرائيل انها ستمنى بخسائر بشرية كبيرة. وهي لذلك لا تريد الوقوع في فخ حرب استنزاف أخرى، وليست راغبة كثيرا في قوات دولية، قد تمنعها في المستقبل من التدخل في لبنان.
ماذا يفعل لقاء روما المتعدد الجنسيات؟ قد ينجح في الوصول إلى تسوية مؤقتة. لكنه هناك فرق بين التسوية والحل. التسوية تتم بين أطراف متحاربة متكافئة عسكريا، كما هو الوضع الآن.
إنما الحل يتطلب الحسم العسكري «غير المتوفر» حاليا، عند كتابة هذه الكلمات، لأي طرف على الرغم من التفوق الإسرائيلي.
من هنا، المنطقة المهزوزة أصلا ازدادت فوضى وخطرا، ومرشحة للاستمرار في اشتباكات متواصلة أو متقطعة، قد تمتد لتورط سورية مع اسرائيل، وربما أميركا مع إيران، بتوجيه ضربة عسكرية تعتقد إدارة بوش أنها كافية لفرض حل نهائي لـ «عنف وإرهاب» المنظمة، بعد أن تم تحييد النظام منذ زمن بعيد.

* نقلا عن صحيفة" الشرق الأوسط" اللندني

أضف تعليق