لم يحتمل الدب الروسي أن يرى شركاءه في الافتراس منفردين في تقاسم (كعكة سوريا)، وإن كان تناول الكعكة لا يتطلب عملية افتراسية،فهي هشة بما يكفي لتناولها بغير أنياب ولا مخالب بل بغير أسنان أصلاً، لكن لذاذة هذه الكعكة مع شراهة وشراسة المتناوِل كان كفيلاً في إضفاء صبغة الافتراس على تناولها، والذي يبدو أن مصطلح (الكعكة) أصبح ملازماً لما يحصل في المنطقة العربية من متغيرات وأحداث، ولهذه الكعكةأنواع، فمنها (الكعكة النفطية)، ويطلق على دول تتمتع بثروة نفطية كبيرة، وقد أطلق مصطلح (كعكة العراق) واستعمل بشكل واسع عند احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وشركائها، واستعمل مؤخراً في ليبيا حينما أطلق (جون كيري) وزير الخارجية الأمريكي هذا المصطلح في تصريحه خلال الاجتماع الذي عقد بشأن ليبيا في الأمم المتحدة في الثاني من شهر تشرين الأول لهذا العام، فقد قال: إن الليبيين كان بإمكانكل منهم الحصول على حصته من (الكعكة) في بلد غني بالموارد، فهذا نوع من أنواع (الكعكات السياسية).
والنوع الثاني هو (الكعكة الاستراتيجية) وهذا نوع يطلق على دول ليس لها الإمكانات النفطية التي تتمتع بها الدول النفطية، فأهمية هذه الدول الاستراتيجية تكمن في موقعها الجغرافي المتعدد المنافع، وهذا النوع هو الذي تتمتع به سوريا، فهي تقع في قلب المشرق العربي، وهذا ما جعلها صالحة لتكون معبراً تجارياً برياً بين أوربا والخليج، كبديل عن الرحلات البحرية الطويلة والمكلفة، كما أنها صالحة لتكون مصباً لأنابيب النفط الخليجية لنقل النفط عبرها إلى أوربا بكلفة أقل جداً من استعمال الناقلات البحرية، وهذا الموقع المهم لسوريا جعلها تكون هدفاً لمطامع الشرق والغرب في المنطقة، وقد نشر الصحفي البريطاني (باتريك سيل) سنة 1965م كتاباً بعنوان (سوريا كفاح نحو القمة) ضمنه فرضية مركزية مفادها: إن من يريد أن يكتسب مكانة فعالة في المشرق العربي فعليه أن يسيطر على سوريا أو يتمتع بصداقتها، لأن أهمية سوريا في المنظومة الإقليمية تنبع ـ برأيه أيضاً ـ من موقعها الجغرافي الاستراتيجي في المشرق العربي.
ولأجل هذه الأهمية يتنافس معسكر الغرب والشرق ـ بما فيه إيران ـللسيطرة عليها، والتسابق للاستحواذ على زمام الأمور فيها، وذلك من خلال إنهاكها بالصراعات الداخلية بين الفصائل المناهضة للنظام من جهة، والسكوت وغض الطرف عن جرائم النظام بحق الشعب السوري ومشاركته في تلك الجرائم من جهة أخرى، لكن الحدث المميز في هذا المشهد الدامي هو ضراوة الدب الروسي الذي شعر بأن (كعكة سوريا) لن يبقى له منها إلا الفتات، فأخذ يحاول بكل قوة انتشال الكعكة من يد الغرب، والاستيلاء عليها برمتها، ليعوض تأخره عن حفل اقتسامها.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
