هيئة علماء المسلمين في العراق

النووي وإيران الداخل: راديكالية أم برجماتية؟- كينيث بولاك
النووي وإيران الداخل: راديكالية أم برجماتية؟- كينيث بولاك النووي وإيران الداخل: راديكالية أم برجماتية؟- كينيث بولاك

النووي وإيران الداخل: راديكالية أم برجماتية؟- كينيث بولاك

النقطة التي لا يلتفت إليها الكثيرون في خضم الأزمة الراهنة بين إيران والمجتمع الدولي هي كيف ستؤثر الطريقة التي ستجري بها تسوية هذه الأزمة على مسار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المديين المتوسط والآجل، على صعيد السياسة الخارجية، وعلى الوضع السياسي والاقتصادي الداخلي، وربما على طبيعة الدولة ذاتها.

الدلالات الاقتصادية للأزمة النوويةالاقتصاد الإيراني بحاجة للإصلاح؛ إذ يعاني من الشلل بسبب تفشي الفساد وانتشار معاقله، بما يخدم كبار قادة البلاد الذين يستحوذون على 40% من إجمالي الناتج القومي، وذلك منذ تأسس "البونيادز" وهي اسميا مؤسسات خيرية تم إنشاؤها للاضطلاع بإدارة الأصول الخاصة بالشاه نيابة عن الشعب الإيراني.

وأسفر الفساد عن نقص السيولة وإحجام المستثمرين وتنامي معدلات التضخم وانتشار البطالة وتضاؤل الصادرات غير النفطية وتدني مستوى معيشة الطبقة الوسطى وخلق فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، حيث يذهب الجزء الأكبر من العوائد النفطية إلى الطبقة الدينية الحاكمة ومنها إلى خارج البلاد، ما ترتب عليه استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية رغم تنامي عوائد النفط.

ويدعو الخبراء الاقتصاديون الإيرانيون باستمرار إلى ضرورة شروع الدولة في حملة كبرى لمكافحة الفساد أو إيجاد سبل أخرى لجذب استثمارات ضخمة في الاقتصاد الإيراني، وتجدر الإشارة إلى أن آخر خطة خمسية إيرانية تدعو إلى خلق استثمارات تقدر بـ20 مليار دولار سنويا، علاوة على 70 مليار دولار لإعادة تمويل صناعة النفط.

ويرى هؤلاء الخبراء أن هناك 3 أسواق لرأس المال على مستوى العالم قادرة على ضخ هذا الحجم من الاستثمارات داخل الاقتصاد الإيراني في السنوات العشر القادمة هي: الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، ورغم اعتقاد المتشددين الإيرانيين بأن الروس والصينيين والهنود بمقدورهم تعويض الغرب، فإن ذلك غير حقيقي، وقد يستمر هذا الحال على مدار قرابة العقد، لأن الإيرانيين يدركون التفوق التقني الغربي، ويفضلون أن تقوم شركات مثل "إكسون" أو "شل" بإصلاح البنية التحتية النفطية لهم، بدلا من "لوكويل" أو "سينوبي".

وعليه، فإن حاجة إيران إلى رءوس الأموال الغربية يُوجد رابط بين وضعها الاقتصادي الذي تسعى لتحسينه والأزمة النووية القائمة، وإذا ما قررت الدول الغربية فرض عقوبات اقتصادية على إيران أو قمعها للتخلي عن أنشطتها المرتبطة بدورة الوقود النووي، فإن ذلك سيخلف تداعيات سلبية للغاية على الاقتصاد الإيراني، خاصة إذا ما حظرت هذه العقوبات الاستثمار الغربي في إيران.

وما يزيد الأمر تعقيدا أن العامل الاقتصادي هو أحد أبرز أسباب سخط الشعب الإيراني على نظامه في السنوات الخمس عشرة الماضية، ولم يؤد انتخاب أحمدي نجاد إلى إصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد، حيث لم يقم حتى بالشروع بشكل واقعي في ذلك؛ ففي نوفمبر عام 2005 أعلن "نجاد" أن الحكومة ستبدأ في توزيع أسهم الصناعات المملوكة للدولة على الشعب بأكمله وأعقب ذلك انتشار شائعات بأن هذا يمثل الخطوة الأولى نحو مصادرة وإعادة توزيع الكثير من الصناعات والأصول الأخرى الخاصة؛ وهو ما أسفر عن هروب واسع ومفاجئ لرأس المال من إيران، بلغ حوالي 200 مليار دولار، وكان من شأن ذلك -علاوة على دعوة "نجاد" لمحو إسرائيل من الخريطة والمؤتمر الأحمق الذي نظمته طهران تحت عنوان "عالم بدون صهيونية"- انهيار سوق الأسهم بطهران.

ومن الواضح أن مشاعر الغضب الشعبي المتنامي طالت "نجاد" لشعور الإيرانيين بأنه قد خانهم بعدم اتخاذه إجراءات لإصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد.
الدلالات السياسية للأزمة النووية

إيران والغرب.. البرجماتية أم الراديكالية؟

التداخل بين الأزمة الإيرانية مع الغرب وقضية تحسين العلاقات مع الغرب التي يعترف العديد من البرجماتيين الإيرانيين بضرورتها الملحة لتناول احتياجات الاقتصاد، يخلق احتمالات ظهور انقسامات عميقة داخل الهيكل السياسي الإيراني، ومع أن الغربيين دائما ما يقعون في خطأ الافتراض بأن النظام الإيراني يقف صفا واحدا، فإن العكس تماما هو الصحيح، حيث تتسم إيران بواحدة من أكثر حكومات العالم تمزقا، حيث يمكن تقسيم النظام السياسي الإيراني إلى أربعة توجهات:
- الإصلاحيون: هم الأكثر شعبية، والأقل نفوذا، ويقودهم حاليا شخصيات مثل الوزير السابق "مصطفى معين" و"عبد الله نوري" رئيس التحرير السابق لإحدى الصحف، وتعم الفوضى صفوفهم وتقتصر سيطرتهم على عدد ضئيل من مؤسسات السلطة، وهو ما يشعر الكثير من الإيرانيين بإحباط شديد إزاء فترة رئاسة "محمد خاتمي"، ويعتبر الإصلاحيون الأسلحة النووية من الأولويات المتأخرة على الأجندة الوطنية، ويشددون على الحاجة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، ويرغبون في إقرار علاقات طيبة مع الغرب.

- التكنوقراط البرجماتيون: نتيجة أفول نجم الإصلاحيين، بات هذا الاتجاه يشكل الجناح اليساري داخل الهيكل الحكومي، ويمثله الرئيس السابق "هاشمي رافسنجاني" وكبير المفاوضين بشأن الملف النووي سابقا "حسن روحاني"، ويولي هذا الفريق الأولوية الأولى لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني، وتشجيع التجارة والاستثمار داخل البلاد، ومع أنهم يرغبون في حيازة إيران للسلاح النووي، فإنهم ألمحوا مرارا لاستعدادهم للتخلي عن البرنامج النووي إذا ما اعترض طريق تحسين العلاقات بالغرب.

- المتشددون الراديكاليون: ينتمي الرئيس الحالي "أحمدي نجاد" لهذا الفريق، وهم من أشد المؤمنين بالثورة الإسلامية، ويولي أعضاء هذا الفريق اهتماما ضئيلا بمشكلات إيران الاقتصادية، انطلاقا من اعتقادهم بأن الشعب الإيراني على استعداد لتقديم المزيد من التضحيات للتمسك بمبادئ الثورة الإسلامية، وهم الذين حولوا التوازن على المسرح السياسي الإيراني في اتجاه أقصى اليمين.

- التيار الرئيسي من المحافظين: وهو يقع في مرتبة وسط بين الفريقين السابقين، ومن بين أعضائه "علي لاريجاني" الرئيس الحالي لمجلس الأمن الوطني، والمرشد الأعلى "علي خامنئي"؛ فالمرشد يتفهم جيدا أهمية كل من عدم السماح بانهيار الاقتصاد الإيراني وعدم إثارة سخط الراديكاليين المتشددين الذين يشكلون مفتاح سيطرته على السلطة؛ ومن ثم فهو قد اتخذ منذ 1990 وحتى 2002 نهجا وسطا لا يحد من الأنشطة النووية و"الإرهابية" الإيرانية بالدرجة التي ترضي الولايات المتحدة، ويبقي الأمور قيد السيطرة بالدرجة التي تسمح باستمرار النشاطات التجارية والاستثمارية للحكومات الأوروبية واليابانية داخل إيران.

ورغم أن خامنئي كان يبغي السير على هذا النهج (تجنب الاختيار ما بين السلاح النووي والمنافع الاقتصادية)، فإن عزم الدول الأوروبية على منع إيران من تطوير القدرة على صنع أسلحة نووية يضعه في مواجهة معضلة كبيرة ويحتم عليه الاختيار.

وعليه، فيمكننا النظر إلى الموقف الإيراني الحالي المتمثل في التهديد باستئناف عمليات التخصيب، بل والانسحاب من معاهدة حظر الأسلحة النووية، باعتباره تسوية ترضي كلا من المتشددين والتيار الرئيسي من المحافظين، حيث يروق هذا الموقف للمتشددين؛ لأنهم لا يعيرون مسألة تحسين العلاقات مع الغرب اهتمامًا، وإنما ينصب تركيزهم على حيازة السلاح النووي، بينما يقبله المحافظون لسبب مختلف تماما هو إحراج أوروبا التي تصدر تهديدات ضد إيران طوال عقد التسعينيات دون توافر النية لتنفيذها، ومن المؤكد أن طهران تعتقد أن أوروبا ستستمر على نفس النهج الآن.

وخلاصة ذلك أن هناك خلافات داخلية إيرانية وجدلا وانقساما حول البرنامج النووي، وإذا ما بقي الغرب صفا واحدا، وأبدى استعداده لفرض عقوبات صارمة ضد طهران لإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي، فإن البرجماتيين والإصلاحيين قد يعلنون اختلافهم وانفصالهم عن المتشددين، بينما يجد التيار الرئيسي من المحافظين نفسه محصورا بين الجانبين ومجبرا على اختيار أي منهما؛ الأمر الذي سيخلف تداعيات طويلة الأمد على هيكل النظام الإيراني في المستقبل وبالتالي السياسات التي سيتبعها.

ثلاثة سيناريوهات مستقبلية:

بالنظر إلى تلك العوامل المتغيرة، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات بالنسبة لإيران على امتداد الفترة ما بين العامين والأعوان الخمسة القادمة، ستعتمد بصورة بالغة على النتيجة التي سيسفر عنها المأزق النووي الراهن الذي ما زال يشكل العامل المتغير الرئيسي وراء تشكيل مستقبل إيران على الأصعدة الدولية والداخلية والاقتصادية.

السيناريو الأول: صعود المتشددين:

إذا ما حسم المأزق النووي بسرعة لصالح إيران، وفشل المجتمع الدولي في إجبارها على التخلي عن برنامجها النووي وفرض عقاب صارم ضدها يثير السخط الشعبي العام ضد الاحتفاظ بالبرنامج، فسوف يميل ميزان القوى داخل إيران بشدة لصالح العناصر المتشددة الذين سيتمكنون من فرض خياراتهم على السياسة الإيرانية؛ لأنه يمكنهم الادعاء بأنهم كانوا على حق بشأن حاجة الغرب إلى إيران أكثر مما هي تحتاج إليه، وسيؤدي ذلك إلى زعزعة الثقة في البرجماتيين والتيار الرئيسي من المحافظين الذين يبدون تعاطفا مع مخاوف البرجماتيين بشأن الاقتصاد.

وسوف تؤدي هيمنة المتشددين الراديكاليين على الجهاز الحكومي بأكمله، على صعيد الشئون الخارجية، إلى استئناف إيران معارضة أي عملية سلام بالشرق الأوسط، وإعاقة جهود الإصلاح داخل سوريا ولبنان، مع احتمال بذل محاولات لزعزعة استقرار حكومات المنطقة. ومن المحتمل أيضا أن يؤدي ذلك إلى زيادة الدعم والتحريض الإيراني للميليشيات الشيعية التي تقاتل السنة والأمريكيين بالعراق.

وداخليا، سيتمخض انتصار المتشددين عن إعادة فرض قواعد اجتماعية صارمة على الملبس والاختلاط بين الجنسين وأنماط السلوك الأخرى، وربما يقنع المتشددون الراديكاليون المنظمات الحكومية مثل مجلس الأوصياء باستبعاد البرجماتيين والإصلاحيين، مع إبداء مجموعات مثل "الباسيج" و"أنصار حزب الله" استعدادا أكبر لاستخدام العنف لفرض رؤيتهم للثورة الإسلامية، وربما تتعرض بعض جوانب الحياة السياسية الإيرانية للهجوم، وعلى رأسها الإعلام الحر نسبيًّا.

أما علامة الاستفهام الكبرى فستبقى الاقتصاد، حيث يفتقر المتشددون إلى رؤية واضحة لكيفية مواجهة المشكلات الاقتصادية، لكن من المؤكد أنهم سيعوقون الحل الذي يطرحه البرجماتيون والإصلاحيون والمتعلق بتنمية علاقات أفضل مع الغرب من خلال التخلي عن السياسات التي تثير غضبه؛ الأمر الذي ربما يقيد استعداد الدول الأوروبية والآسيوية للاستثمار داخل إيران، وبالتالي ستسمر الأوضاع الاقتصادية في التردي، وقد تتفاقم عندئذ الاضطرابات الاجتماعية التي قد يستجيب لها المتشددون باستخدام العنف.

من ناحية أخرى فإنه إذا ما شنت الولايات المتحدة هجوما عسكريا ضد البرنامج النووي الإيراني، فإن المتشددين ربما يكونون هم الفائزين على الصعيد الداخلي، حيث سيتمكنون من استغلال هذه الهجمات في تدعيم مزاعمهم بأن الولايات المتحدة تنوي تدمير الجمهورية الإسلامية وإخضاع إيران لإرادتها؛ وهو ما سيزيد أهمية حيازة أسلحة نووية لردع أي عمليات عسكرية أمريكية في المستقبل، ووقتها سيبدي الإيرانيون قدرا أكبر من الاستعداد لتحمل المصاعب الاقتصادية في سبيل التصدي للولايات المتحدة.

وتكمن المفارقة هنا أن العمل العسكري الأمريكي ربما يخلف نفس نتائج الإخفاق الأوروبي في التعامل بحزم مع الملف النووي الإيراني.

السيناريو الثاني: الحل البرجماتي

إذا بقي المجتمع الدولي موحدا واتجه نحو فرض عقوبات اقتصادية على إيران، فسوف يخلق الموقف الذي يسعى "خامنئي" لتجنبه؛ لأنه سيوضع أمام الاختيار ما بين الصحة الاقتصادية لإيران والتمسك بمبادئ الثورة، وإذا ما مال المرشد إلى صف الراديكاليين فلن تختلف النتائج عن السيناريو الأول.

بيد أنه إذا اختار التخلي عن البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية والحصول على ضمانات غربية أمنية وفي مجال الطاقة النووية، خاصة من قبل واشنطن، فهذا يعني أخذه صف البرجماتيين في مواجهة المتشددين.

ورغم أن هذه النتيجة قد تضر بمبادئ الثورة الإسلامية، لكنها ربما تكون أفضل نتيجة ممكنة بالنسبة للشعب الإيراني، فمع إحكام التكنوقراط البرجماتيين لقبضتهم على السلطة والتوصل إلى اتفاق اقتصادي جديد مع الغرب، ستحظى إيران بفرصة سانحة للإصلاح، وربما يتم التخلي عن الكثير من القواعد الاجتماعية الصارمة، علاوة على احتمال انفتاح النظام السياسي بعض الشيء، حيث يبدي البرجماتيون استعدادا أقل لاستخدام العنف في قمع الانشقاق الداخلي.

ويوحي هذا السيناريو بأن أفضل سياسة يمكن للغرب اتباعها تجاه إيران هي فرض عقوبات اقتصادية قاسية عليها تثير سخطا واضطرابا داخليا عارما بمقدوره إفراز فوز واضح للبرجماتيين على المتشددين.

السيناريو الثالث: التأزم طويل الأمد:

أكثر الاحتمالات للأزمة الراهنة بين إيران والغرب هو استمرار حالة التأزم لفترة قادمة بين إيران والمجتمع الدولي، وهو ما يبقي إيران دولة منبوذة دوليا جراء سعيها لتخصيب اليورانيوم، دون تعرضها لعقوبات اقتصادية حادة.

هذا الاحتمال يعني أن الدول الأوروبية لن تبدي استعدادًا لفرض عقوبات اقتصادية كافية لإحداث تغيير ملموس في السلوك الإيراني وإثمار "الحل البرجماتي" الوارد بالسيناريو الثاني، ويعني كذلك احتمال أن تستمر إيران في حالة التيه الدبلوماسي.

وسينتج عن ذلك خطورة على الاستقرار الإيراني على المدى القصير، وإطالة أمد التأزم بين الفرق السياسية المختلفة داخل إيران، ويحول دون تحقيق انتصار واضح للمتشددين على نسق ما ورد بالسيناريو الأول؛ لأن طهران ستكون أمام وطأة ضغوط خفيفة نسبيا لا تكفي لإثارة مواجهة تحقق فوزا واضحا لأي من المعسكرات السياسية سالفة الذكر.

أما الاقتصاد فمن المحتمل أن يشكل في هذه الحالة العامل الرئيسي المحرك للأحداث، فمع التفاقم التدريجي لكافة المشكلات الاقتصادية مثل البطالة والتضخم وفجوة الدخول، ستزداد صعوبات الحياة في مواجهة المواطن الإيراني العادي؛ وهو ما سيسفر بدوره عن استمرار مشكلات مجتمعية أخرى مثل زيادة معدلات الدعارة والمخدرات، والأهم توسع المعارضة السياسية للنظام.

الاسلام اونلاين
ترجمة: مروى صبري

أضف تعليق