يعتبر مرض الكوليرا واحدًا من أكثر الأمراض فتكًا بالبشر، لاسيما حين يُقابل بالإهمال وعدم الاكتراث، مثلما تفعله الحكومة الحالية في العراق بصدودها عن آلاف الضحايا ومحاولة إخفاء الحقائق بعدما اجتاح الوباء مناطق واسعة من البلاد منذرًا بخطر مستطير.
ونقلت التقارير الإخبارية عن مصادر طبيّة قولها؛ إن شخصين اثنين على الأقل توفيا بسبب إصابتهما بالكوليرا التي طالت أكثر من ألف وسبعمائة شخص حتى الآن، فيما لا تبدو ظاهرة للعيان إمكانية للتكهن بنهاية هذا الوباء الذي بسببه وصلت مؤخرًا أعداد كبيرة ولافتة من حالات الإصابة إلى أغلب مستشفيات مناطق بغداد وحزامها من أقضية (أبو غريب، والمحمودية، والمدائن، والتاجي)، بالتزامن مع تزايد أعداد المصابين به في محافظات (كربلاء، والنجف، والقادسية، وميسان، والمثنى، وواسط، والبصرة) فضلاً عن باقي المحافظات، وقد اعترفت مصادر حكومية في ما تسمى "لجنة الصحة والبيئة" في مجلس النوّاب الحالي؛ بارتفاع عدد المصابين بالوباء إلى ما يقرب من ألفين شخص محذرة من تفشي المرض بشكل تصعب السيطرة عليها وخوصًا في مخيمات النازحين التي أعلن منتصف الأسبوع الجاري عن اكتشاف خمسين حالة فيها بمحافظة دهوك شمالي البلاد.
ولضرب مثال على مدى سرعة تفاقم هذا الوباء؛ أشارت أحدث الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة الحالية إلى أن ما لا يقل عن واحد وأربعين حالة تم تسجيلها في الساعات الأربع والعشرين ساعة الماضية، مشيرة إلى أن تلك الحالات تتوزع بين بغداد ومحافظة النجف، وهو ما كان سببًا في ارتفاع عدد المصابين الإجمالي، الذي جعل من المراقبين يتوقعون تفاقم أوضاع النازحين في المخيمات تزامنًا مع انتشار الوباء؛ لأن مخيماتهم تفتقر للخدمات الأساسية ومنها الماء النظيف، إضافة إلى سوء الخدمات البلدية في العديد من مدن العراق.
وبحسب تقارير طبيّة وأخرى صحفية؛ فإن هذا الوباء يتعاظم، ولا وجود لحل في الأفق، فقد نقلت تلك التقارير عن أحد مهندسي الري وشبكات المياه في قضاء (المحمودية) جنوبي بغداد قوله؛ إن أغلب محطات ضخ المياه إلى المناطق السكنية تضخ المياه مباشرة من الأنهر إلى شبكات التوزيع؛ لأن أحواض التعقيم قديمة جدًا وموبوءة بمختلف الجراثيم والفيروسات الخطيرة وتم ترك استعمالها، فضلاً عن أن شبكات إيصال المياه للمواطنين نفسها قديمة جدًا، وفيها تشققات كثيرة وتتسرب إليها المياه الآسنة الموبوءة، وأن معظم المحافظات لا تمتلك مادة (الكلور) التي تعقّم المياه، ولا المواد الأخرى المضافة لها.
وكانت هيئة علماء المسلمين في العراق قد أعربت عن قلقها البالغ من تردي الأوضاع الصحية في العراق بتفاقم انتشار الكوليرا، متهمة الحكومة الحالية بتعمد إخفاء الأرقام الحقيقية لأعداد المصابين بهذا المرض الخطير، نظرًا لفشلها ـ بسبب الفساد المستشري في مؤسساتها ـ في إيجاد حلول ناجعة للمرضى أو محاولة احتوائهم على أقل تقدير.
إلى ذلك؛ اتهم رئيس اللجنة المذكورة آنفًا (فارس بريفكاني)؛ الأمانة العامة لمجلس الوزراء الحالي بالتقصير؛ لعدم احتوائها انتشار وباء الكوليرا، وذلك وفقًا لتصريحات نشرت يوم الثلاثاء العشرين من شهر تشرين الأول/ أكتوبر، مؤكدًا أن الحكومة والأمانة العامة ووزارة الصحة لم تتخذ كامل الإجراءات للحد من انتشار هذا المرض الفتاك؛ مشيرًا إلى أن العاصمة بغداد قد تكون "مقبرة لضحايا مرض الكوليرا "، حسب تعبيره.
بموازاة ذلك؛ اعترف مصدر في وزارة الموارد المائية الحالية؛ أنّ سبب انتشار وباء الكوليرا مؤخرًا في العراق، يرجع إلى صفقة الكلور الإيراني الفاسد، وهو ما اكتشفته لجنة متخصصة في معالجة المياه والبيئة ،التي عمدت بدورها إلى حرق أطنان من الكلور الإيراني الفاسد بسرية تامة؛ وتشير الأنباء إلى أن ذلك جاء من أجل عدم تسليط الضوء على هذا الموضوع؛ للتستر على المسؤولين المتورطين في الموضوع.
وبحسب مصادر مطلعة؛ فإن ملف الكلور الإيراني تم تداوله عن طريق لجنة متخصصة شكلت من عدد من الوزارات من بينها الصحة والموارد المائية وأمانة بغداد، موضحة أن هذه اللجنة فحصت عينة من مادة الكلور الإيراني فتبين أنّه فاسد ولا يصلح لمعالجة المياه، الأمر الذي أثار سخط أحد التجار والمسؤول عن الصفقة، ما جعل الموضوع يأخذ طابع السريّة، لاسيما وأن شخصيات حكومية ونيابية متورطة في هذه الجريمة عبر مشاركتهم في الصفقة التي تقدر بملايين الدولارات، فضلاً عن مئات الصفقات المشبوهة في استيراد محطات تصفية ومواد مختبرية لغرض تنقية مياه الشرب.
ومضت تلك المصادر إلى القول بأن الفساد في محطات التصفية لا يقتصر على الكلور الإيراني فقط، بل أكد مختصون بمحطات تصفيات المياه أنّ معدات إيرانية رديئة تم استيرادها بمبالغ ضخمة ساهمت بتقليل كفاءة عمل المحطات.
وعلى صعيد ذي صلة، تسيطر مخاوف جدية على ملايين العراقيين خشية الإصابة بالمرض، وخاصة النازحين والمهجرين في المخيمات الذين يعتمدون بشكل أساسي على المياه الملوثة، والآبار الارتوازية غير الصحية في استخدامهم اليومي.
وعن هذه المشكلة يقول أحد النازحين من مدينة الرمادي في تصريح لمراسل صحيفة القدس العربي: "بعد سماعنا بانتشار المرض دق ناقوس الخطر مضاجعنا؛ لأننا أول المرشحين بالإصابة بسبب تلوث مياه الشرب التي نستعملها رئيسي في طهي الطعام، وغسيل الملابس، ونحن نضطر إلى جلب الماء من الآبار والأنهار والبرك والمسطحات المائية التي غالبًا ما تكون ملوثة، ولا نجد بديلاً عن ذلك بسبب ارتفاع أسعار عبوات المياه الصالحة للشرب ذات خمسة لترات وتصل إلى دولار ونصف، ولا نقوى على تأمين هذا المبلغ".
بدورها؛ أكّدت مواطنة نازحة في أحد مخيمات عامرية الفلوجة أنّها فقدت قبل أسبوعين أحد أطفالها قبل أن يبلغ سنتين ونصف من عمره؛ جرّاء إصابته بالكوليرا نتيجة شربه لماء ملوث، معربة عن خشيتها من إصابة أطفالها السبعة المتبقين بهذا الوباء، لافتة إلى أنها باتت تحرص يوميًا على شراء المياه الصحية بأسعار مرتفعة رغم تدهور وضعها الاقتصادي، وتعمد إلى تعقيم الأوعية مرة ثانية بالماء الساخن.
ويقول مواطنون من النازحين في مخيمات قضاء (أبو غريب) غربي بغداد؛ إن الحكومة الحالية ومؤسساتها الصحية لم تتخذ أي إجراءات وقائية لمواجهة هذا المرض الخطير وتفادي انتشاره بين العائلات النازحة بعد الحديث عن تشخيص الأطباء إصابة خمسة أشخاص خلال أسبوع واحد، فيما أخذ الوباء ينتشر بكثرة في المناطق التي يقطنها النازحون خلال الأشهر الماضية.
ويأتي مرض الكوليرا ليزيد كاهل الشعب العراق بمزيد من المعاناة التي يقاسيها منذ ثلاث عشرة سنة، بينما تواصل الحكومات المتعاقبة ممارسة جرائم الموت البطيئ تجاه العراقيين بتعمّد إهمال الجانب الصحي والبيئي والعمل على تدمير من تبقى بناهما التحتية، في وقت تتفاقم عملية تفشي الفساد وإهدار المال العام من قبل السياسيين وأحزابهم؛ بطرق متعددة لم تعد خافية على أحد.
وكالات + الهيئة نت
ج
