هل لاحد ان يصدق ان الشرق الاوسط الجديد الذي تبشر به وزيرة الخارجية الاميركية سيكون نتاجا عرضيا لحادثي خطف ثلاثة جنود اسرائيليين؟
يخطئ من يظن أن العمليات العسكرية الاسرائيلية المتواصلة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، وضد اللبنانيين، ردود أفعال عابرة نتيجة لوجود أزمة يتطلب حلها نشاطا عسكريا محدودا.
فالأساس المفترض لتلك الازمة في قطاع غزة، هو قيام رجال المقومة الفلسطينية بأسر جندي اسرائيلي، على أمل فرض شروط معينة تتضمن إطلاق سراح أسرى فلسطينيين (خطفتهم) القوات الاسرائيلية بعيدا عن بنود ومواد كل القوانين الدولية المعروفة والمتفق عليها.
هاجمت القوات الاسرائيلية التي كانت متحشدة أصلا حتى قبل أسر الجندي باسبوعين، القطاع المحاصر برا وبحرا وجوا، ودمرت من بناه التحتية ما استطاعت الى تدميره سبيلا، وطبعا فان كل السبل متاحة لها..
لابل صرح رئيس الوزراء أولمرت انه سوف لن يجعل أحدا في غزة يشعر بالراحة، وهو تصريح خطير يعد جريمة حرب يفترض ان كل الشرفاء في العالم يطالبون بملاحقة مطلقه قانونيا، واستثمارا لجو الفوضى الذي اشاعته العملية الاسرائيليى المدمرة، فانها لم تنس قطاع غزة، الذي دفع بدوره ثمنا باهضا للغطرسة الاسرائيلية التي البست لبوس الغضب بسبب اسر الجندي.
ومع مواصلة القوات الاسرائيلية تدمير البنى الارتكازية للقطاع وقتل الصيادين الذين يركبون البحر بحثا عن قوت لعيالهم، واستمرار سلب راحة الجميع تنفيذا لامر رئيس الوزراء وتوسيع نقاط القتل ليشمل الضفة، تمكن رجال المقاومة الوطنية اللبنانية من اسر جنديين اسرائيليين وقتل عدد آخر من زملائهما عندما كانوا متوغلين في الاراضي اللبنانية (وفي هذا الامر اختلاف في الروايات لسنا بصدده).
وعموما فان اسر الجنديين سواء تم في اراضي الجنوب اللبناني المحررة كما ادعت المقاومة، أو في مزارع شبعا التي مازالت ترزح تحت الاحتلال بحسب الرواية الاسرائيلية، فانه عمل عسكري ضد قوة تحتل أرضا لدولة مجاورة، وثمة ابناء لتلك الدولة مازلوا يقاتلون من أجل الدفاع أو التحرير.
وعلى غرار الرد الاسرائيلي على فعل اسر الجندي في قطاع غزة، كان الرد على فعل المقاومة، ولكن بشكل أشد عنفا وتدميرا واجراما.
إذ انطلقت الة حربية هائلة تستخدم كل الاذرع التي زودت بها وبكل ما قدرت عليه من قوة، لتدمر اكثر ما تستطيع من بنى تحتية في عموم الفسحة اللبنانية الواقعة بين العاصمة وخط الحدود، والعاصمة ذاتها غير مستثناة من ذلك الفعل العنيف، ثم تجاوزت خط العاصمة في اكثر من مرة لتشيع الخراب والرعب في مدن لا علاقة لها بحزب الله.
وكانت الحصيلة المتيسرة لضحايا هذا الفعل ربما بلغت مئات الشهداء، غالبيهم المطلقة من المدنيين الذين قتلوا بابشع انواع القتل، حيث دفن الكثير منهم تحت ركام دورهم، وقتل غيرهم وهم هائمون على وجوههم في الاراضي المقفرة حذر الطيران الذي يصب عليهم الموت، وهم يبحثون عن ملاذ..
ناهيك عن شل الحياة في عموم البلد الذي تزدهر في ربوعه السياحة في هذا الصيف اللاهب من خلال تدمير منشآت الخدمة والحركة في المطارات الرئيسية وتطويق الموانئ بمحاصرتها بالقطع البحرية بينما يقوم الطيران بواجب عزل البلد عن جارته الكبرى سوريا في مهمة تهدف الى محاصرته واجباره على الرضوخ والاستسلام للشروط الاسرائيلية، ونسيان الشروط التي أعدتها المقاومة بشأن تسليم أسراها حيث تم تدمير الجسور وفرض منطقة عازلة غربي الحدود بعرض عشرين كيلومترا..وتمت ازالة قرى ومدن عديدة في جنوب لبنان في اكبر عملية افراغ قسري للسكان في القرن الحالي.
كل هذا حصل خلال ساعات قليلة ومازال العدوان في نفس عنف الساعات الاولى، وكأننا نتابع فيلما أحسن كاتبه صياغة السيناريو، وابدع مخرجه في اقحامه في مخيلة المشاهدين، وقام الممثلون الرئيسيون والثانويون بأدوارهم ببراعة. فهل نحن حقا أمام ردة فعل طارئة وآنية سببها مجرد اسر جنديين؟ أم اننا ازاء مخطط قد يشعل المنطقة ويدمر كل شيء..
وان زمنا طويلا انفق في تهيئة ذلك المخطط الذي شارك فيه سياسيون وعسكريون وربما امريكان من الصنفين ايضا، وظل جاهزا في الادراج القريبة ينتظر اطلاق الكلمة الجفرية التي توعز بالتنفيذ، بدليل تصريح لمسؤولي وزارة الخارجية الاسرائيلية وصفوا فيه الوضع بأنه "أزمة ومرحلة خطرة" في حين أكد ناطق عسكري اسرائيلي ان "مدة العملية التي بدأتها اسرائيل في لبنان ليست مسألة ايام".
وهاهي وزيرة الخارجية الامريكية التي ما فتئت منذ اليوم الاول من العدوان ترفض كل الدعوات لوقف اطلاق النار تصرح قائلة: "هذا شرق اوسط مختلف. انه شرق اوسط جديد.
ان الوضع صعب فنحن نمر بوقت عنيف جدا". وأضافت قائلة: "ما نراه هنا هو آلام مخاض لولادة شرق اوسط جديد ومهما فعلنا، فيجب ان نضمن اننا ندفع باتجاه شرق اوسط جديد وليس باتجاه الشرق الاوسط القديم".
انه تصريح خطير يعني ان القضية ليست قضية أسر جنديين، وانما هي خطة معدة بترو وأناة وليس الجنديين فيها غير تبرير يسهل فتح فوهات المدافع التي اعتادت اسرائيل تكليفها برسم حدودها وتحقيق اهدافها، وكانت الكلمة الشفرية التي اطلقها أولمرت المفتاح لتغير كل شيء. فماذا اعددنا للمواجهة؟
ميدل ايست اونلاين
شفرة أولمرت.. شفرة رايس- حسن عبيد عيسى
