في مثل هذه الأيام، في العشرين من ذي القعدة، عام ثمانية وعشرين وسبعمائة، توفي الرجلُ الذي ظلمه أتباعُه وخصومُه، شيخُ الإسلام وعالـمُ العرب كما وصفه ابنُ نُجيم الحنفي، أبو العباس بن تيمية رحمه الله.!
الرجل الذي تنافرت فيه الأقوال، واضطربت لآرائه أحلامُ الرجال، من مقلّدٍ له عاشقٍ لقوله، يراه أحقَّ الناس بلقب شيخ الإسلام، كما ذكره ابنُ ناصر الدين في (الرد الوافر) وذامٍّ له مبغضٍ، يرى تقليدَ قولِهِ بدعةً، وكُفْرَ من وصفه بشيخ الإسلام كالعلاء البخاري، والكوثري القائل: (إن كان ابنُ تيمية شيخَ الإسلام فعلى الإسلام السلام).!
وتوسط آخرون كالذهبي والصفدي والأخميمي وابن حجر والعيني وغيرهم فنالهم الأذى من الغلاة والجفاة سواء، لا لشيء إلا أنـهم قالوا إنه كسائر أهل العلم، يعلم ويجهل، يخطئ ويصيب، لا كزعم الغلاة إنه لا يتناقض ولا ينقطع، حتى قال قائلُهم:
لو وفّقَ اللهُ أهلَ الأرض قاطبةً...إلى الصواب لساروا خلفَ مذهبهِ
ولا كفِرْيَةِ الجفاةِ أنه معاندٌ مكابر.!
وما أجود ما قال ابنُ القصّار: (ثلاثة رجال حُرم الناسُ من الانتفاع بـهم بالتعصب عليهم: ابن حزم وابن عربي وابن تيمية).
ولاريب أنه من أفراد الدهر علماً وذكاءً حتى قال الإمام المجتهد ابنُ دقيق العيد: (ما أظن أن الله بقي يخلق مثله).! لكنَّ دعوى الغلاة عارية، يبطلها انقطاعُ ابن تيمية في مناظرة ابن المرحل بكلاسة دمشق، حتى اضطر إلى استنشاد الحاضرين فأنشده مناظرُه:
إن انتصارَك بالإخوان من عجبٍ...وهل رأى الناسُ منصوراً بمُنكسرِ
وقطعه ابنا التلمساني في مناظرتـهما له في مسألة شد الرحل وغيرها فكانت سبباً لسجنه, وحضوره مجلسَ العلاء الباجي, فتـهيّبَ ابنُ تيمية الكلامَ معه, لـِمَا رأى من ذكائه وسعة علمه الذي بـهره, حتى قال له الباجي: تناظر؟ فقال ابنُ تيمية: (مثلي لا يتكلم مع مثلك, أنتَ تتكلم وأنا أسمع).!
وحضوره بمصر مجلس أبي الثناء الأصفهاني حتى بهره كلامُه فقال لأصحابه: (دعونا نستمع كلام هذا الفاضل الذي ما دخل البلادَ مثلُه).!
وقول الصفي له: (أنتَ كالعصفور إذا وقع من جهة طار إلى غيرها).! لم يردْ بـها ما زعمه أتباعه من سعة علمه كما ذكره الشوكاني, بل أراد ما ذكره الحافظ وغيره في ترجمته, من أنه كان إذا ألزمَه خصومُه بشيء, حاد عنه أو أنكر أنه قاله.! مع أن الصفيَّ حين ناظره، لاطمت ساقيتُه بحرَ ابن تيمية كما قاله ابن كثير وغيره.
وهذا شيءٌ لا يكاد يسلم منه فاضل، وفي الجملة فالرجل لا يؤتى من قصور فهم أو قلة علم، فإنه من أذكياء العالم، ومن الأفذاذ الأفراد الذين تنهض بـهم الأمم، كما قيل:
هيهات يأتي الزمانُ بمثله...إن الزمانَ بمثله لبخيلُ
بل هو بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، لو أنه تحلى مع خصومه بالمداراة التي هي خلقُ الحازم، ولم تغلبه حدّتُه التي أفضت به أحياناً إلى أن يفشر سيبويه أو يشتم النجمَ الكاتبيَّ أو الغزاليَّ وغيرهم.
وبالجملة فالرجل ممن اجتمعت فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها كما قاله البرزالي، حتى قال الـمَقْبَليُّ: (إنه لا يُخطئُ لقصور علمه بل لسعته) فضلاً عمّا جمعه الله له من خصال الخير، من كرم وشهامة وشجاعة، حتى قال ابن مخلوف: (ما رأينا مثل ابن تيمية، سعينا في هلاكه، فلما قدر علينا عفا عنّا).
وقد رأيتُ في بعض المجاميع أن بعض الغلاة من جُهّال خصومه، كان قد سعى في اغتياله واتلاف نفسه غدراً، واستشعر هذا القاضي بدرُ الدين بن جماعة فأفتى بحبس ابن تيمية، وعلّل فتياه هذه بأن السجنَ مصلحةٌ له.! أراد أن يحول دون قتله مغدوراً.
وعلى الجملة فقد كان حسنة الأيام، وجمال الإسلام، لكن البلاء في عصبية خصومه عليه، حتى حكى الحافظ وغيره أن إبراهيم ولد ابن القيم، تنازع التدريس مع ابن كثير، فقال له ابنُ كثير: أنتَ تكرهني لأني أشعري.! فقال إبراهيم: (لو كان من رأسك إلى قدمك شعر، ما صدَّقك الناسُ في قولك إنك أشعريٌّ، وشيخُك ابنُ تيمية).!
وتعصب أتباعه له، حتى قال الطرابلسي من أتباعه للتقي الحِصْني حين تكلَّم في ابن تيمية: (وهل شيوخُك إلا عبيد ابن تيمية).!
وقد صنَّف الحافظ الذهبيُّ جزءاً لطيفاً في طبقات أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية أسماه (القَبَّان في وزن أصحاب ابن تيمية) ورتّبهم على ثلاثة طبقات، وتبعه الأخميمي عليه، فطائفة منهم فقهت قلوبـهم، وقبلوا نقد خصومه له بعلم وإنصاف، دون عصبية واعتساف، وهم كالأرض الطيبة تمسك الماء وتنبت الكلأ.
ومنهم طغام عوام لا دراية لهم، وإنما هم أتباع كل ناعق، فهؤلاء ممن أُبتُلي بـهم شيخ الإسلام، وهو معهم كما قال الحافظ أبو حفص بن شاهين: (رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء، جعفر الصادق وأحمد بن حنبل).
ومنهم فضلاء يتبعونه بعلم، لكنَّ قولَه أسرَهم، والشيخُ آسرٌ بكلامه، فجمدوا على قوله، وتعصبوا له، ونابذوا خصومه، وإن كان الحق معهم.
وهكذا ينقسم إلى هذه الثلاثة المراتب، خصومه والمخالفون له من الأشعرية والمتصوفة غيرهم.
فشيخ الإسلام مع المتعصبين عليه أو له دون عقل أو علم، كما قيل:
غيري جنى وأنا الـمُعذَّبُ فيكمُ...فكأنني سبَّابةُ الـمُتندِّمِ
مات شيخ الإسلام الذي كان أمة وحده بعد أن مُنع من الكتابة فاشتغل بالقرآن حتى ختمه بضعاً وثمانين ختمة، وتوفي في آخر ختمة عند قوله تعالى (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر).
وفيه قال الصفدي:
ثلاثةٌ ليس لهم رابع.........في العلم والدين والنُّسُكِ
وكلهم مُنتَسِبٌ للتقى...يقصر عنهم وصفُ من يحكي
وهم إذا شئتَ ابنُ تيمية....وابنُ دقيق العيد والسبكي
وقد قال ابنُ القيم: (علمنا إلى علم ابن تيمية كقطرة ماء في بحر، وعلم ابن تيمية قطرة في بحر النبوة).
وذكر أنه رآه بعد موته فقال له: ما صنع الله بك.؟
فقال: رفعني في العلم فوق بعض الأكابر، وكدتَ تلحق بنا، غير أنك الآن في طبقة ابن خزيمة.!
ولاريب في عدّه من المجددين، حتى قال فيه أبو حيان قبل أن ينحرف عنه:
لما أَتَانَا تَقِيّ الدّين لَاحَ لنا ... دَاع إِلَى الله فَرد مَا لَهُ وزر
على محياه من سِيمَا الأولى صحبوا ... خير الْبَريَّة نور دونه الْقَمَر
حبر تسربل مِنْهُ دهره حبرًا ... بَحر تقاذف من أمواجه الدُّرَر
قَامَ ابْن تَيْمِية فِي نصر شرعتنا ... مقَام سيد تيم إِذْ عَصَتْ مُضر
وَأظْهر الْحق إِذْ آثاره اندرست ... وأخمد الشَّرّ إِذْ طارت لَهُ شرر
كُنَّا نُحدث عَن حبر يَجِيء بهَا ... أَنْت الإِمَام الَّذِي قد كَانَ ينْتَظر
رحمة الله وأكرم مثواه.
ابن تيمية بين الغلاة والجفاة../ د. بلال فيصل البحر
