كم تبدو الانقسامات السياسية ،وأغلبها بتأثير من دوافع خارجية، تافهة أمام زحف وباء كمرض الكوليرا إلى أعتاب العاصمة بغداد.
في أي قرن يعيش العراقيون بالضبط الآن لكي يدهم أبناءهم هذا المرض الفتاك؟.
كان العراق قبل عقود خالياً من الأمراض السارية ومستعداً للانتقال إلى الدول النظيفة صحياً قبل أن ينتكس وضعه في حصار التسعينات من القرن الماضي ويستمر التدهور في أعقاب حرب احتلاله عام ٢٠٠٣م.
غير إن العراقيين استبشروا خيراً بموازنة العراق المليارية مع أسعار النفط التي كانت مرتفعة قبل سبع أو تسع سنوات لكي يتم النهوض بالقطاع الصحي عنوان التقدم في أي بلد.
لكن المليارات صرفت في غير محلها وسط حالة فوضوية من الفساد الذي لم يشهد العالم مثله من قبل.
نهب من كل حدب وصوب و تبديد الملايين بدا مضحكاً أمام ضياع مليارات، ولم يتم بناء مستشفى واحد بحجم مدينة الطب ببغداد أو بربع حجمها أو بحجم نصف المستشفيات العامة القديمة منذ عقود بعيدة في المحافظات.
كل ما جرى في أحسن الأحوال ترميم المدمر والمنهوب من المشافي والمستوصفات واستيراد بعض الاجهزة المتطورة للأشعة والتحليل والفحص والتشخيص لم تكن كافية لتغطية العراق كله كما لم تكن مصحوبة بتنمية كوادر تشغيلها أزاء حالة راسخة من تسرب الأطباء والكوادر الصحية إلى الخارج بعد استهدافهم أو انتقالهم إلى المنطقة الآمنة في كردستان وهو أمر هيّن نسبيا حيث تم الاحتفاظ بالخبرات الطبية مع سهولة وصول العراقيين إلى أربيل من كل العراق.
بيد أن خطط الحلول المعالجة لمشاكل قطاع الصحة لم يكن لها وجود مطلقاً، كخطط خمسية أو عشرية، فعندما تستورد وزارة الصحة أجهزة لم تضع ذلك في اطار الوضع التوسعي للعراق بعد خمس سنوات مثلاً، كل شيء كان يتم آنياً ولمعالجة أمور طارئة على نحو ترقيعي.
كان مليار دولار واحد كفيلاً بإقامة أكثر من صرح طبي لاستيعاب مرضى الشعب المنكوب، ضاعت الموازنات المليارية، وكأن أهم وزارات الحياة السليمة في المجتمعات وهي الصحة مجرد حصة حزبية قطاعية تعطى وسط أجواء التقاسم لفريق سياسي يتصرف بها كيف يشاء.
الفيضانات التي كانت تجتاح قرى أبو غريب قبل سنتين والنزوح لمئات الألوف ومكوثهم بالعراء أو في مخيمات وبيوت لا تتوافر على شروط صحية مع تدهور مريع في تصفية المياه وضعف الرقابة البلدية على الاسواق والمواد الغذائية ، كلها عوامل مجتمعة بإمكانها الفتك بأي مجتمع وتحويله إلى مستنقع للأمراض القاتلة .
لا يكفي نجدة المناطق المنكوبة بقناني الماء الآن، بل يحتاج البلد أن يكون في حملة شاملة للتوعية ضد أخطار مرعبة من أمراض حسبها الإنسان منقرضة وهي على عتبة بيته من دون أن يدري.
كم تافهة الخلافات السياسية عندما يكون الوطن مهدداً بمرض هو نتاج قصور السياسيين أنفسهم الذين أداروا العراق بطريقة عبثية أشاعت المرض كما أشاعت الفساد.
ولكن هل يظن أحد من السياسيين أن الخلافات والمصالح الحزبية والشخصية تافهة أمام خطر فتلك الأوبئة بالملايين؟.
لا تبدو الإجابة مسرة، حتى الآن والسياسيون يظنون أنهم في بروج مشيّدة لقصر نظرهم وسوء تقديرهم.
