نواب الحزب الديمقراطي الأمريكي الذين يسيطر عليهم هاجس الفوز في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس،
التي ستجرى في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، يستخدمون دعوة الانسحاب من العراق كورقة رابحة ضد الإدارة الأمريكية التابعة للحزب الجمهوري المنافس، وعندما يواجهون بالأسئلة الحرجة، وخاصة السؤال عما بعد الانسحاب وكيف سيكون حال العراق في ظل حرائق الفتنة العرقية والطائفية، يكون الجواب: “التقسيم هو الحل”.
هذا الجواب يضع في اعتباره المصالح الأمريكية أولاً من دون اهتمام أو اكتراث بالشعب العراقي ومستقبله.. هم يطرحون التقسيم كحل يتصورون أنه يمثل ارضاء كافياً لعواطف الأمريكيين الذين يزعجهم الانسحاب من دون مقابل بعد أن تكبدت الولايات المتحدة حتى الآن أكثر من 2527 قتيلاً حسب بيانات الرئيس الأمريكي نفسه وأكثر من 20 ألف مصاب أغلبهم لم يعد قادرا على البقاء في الخدمة العسكرية، إما لعجز نفسي أو عضوي، في وقت بلغت فيه تكاليف الحرب الأمريكية على العراق أكثر من خمسمائة مليار دولار من دون حساب تعويضات القتلى والمصابين.
أكثر المتحمسين للتقسيم كبديل للاحتلال السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن الذي يعتبر المشرع الرئيسي لحزبه في السياسة الخارجية حيث يتبوأ الموقع الثاني في رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، ويطمح في أن يكون مرشح حزبه لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2008. فقد طرح بايدن هذا المشروع لتقسيم العراق على أسس مذهبية وعرقية، ولو مؤقتاً، لإعطاء الفرقاء في العراق “فسحة للتنفس”، في مدينة فيلادلفيا بمناسبة الاحتفال بعيد الميلاد التسعيني ل”شيخ المنظرين” البروفيسور بيرنارد لويس الذي وصفه نائب الرئيس ديك تشيني في كلمة أعقبت خطاب بايدن ب”رجلنا الحكيم”، باعتباره الأب الروحي لتيار المحافظين الجدد، وصاحب المقولة التي تبناها جورج بوش في ولايته الثانية القائلة إن الحرية والديمقراطية توازيان الاستقرار، وتحالف أمريكا مع الأنظمة القمعية في طريقه إلى الاضمحلال، ومستقبل المنطقة سيحدده شبابها الأحرار، وهي المقولة التي تشهد تراجعاً الآن لمصلحة المقولة التقليدية بالدفاع عن المصالح الحيوية والاستراتيجية حتى لو تطلب الأمر التضحية بالحرية والديمقراطية.
المتأمل للدعوتين أو المقولتين معاً، بمقدوره أن يتأكد من أن العراق أصبح “حقل تجارب” للمشاريع السياسية الأمريكية، وكما تعرض العراق لتجريب مقولة الحرية والديمقراطية من أجل الاستقرار، وكانت المحصلة هي عدم استقرار صارخ، فإن مقولة التقسيم هي الأخرى ستفرض على العراق ان يدفع هذه المرة أثماناً باهظة لأفكار فاشلة تكشف ضحالة الفكر الاستراتيجي للحزب الديمقراطي، كما هي حال الحزب الجمهوري الحاكم.
وكما يقول المفكر الاستراتيجي الأمريكي انتوني كردسمان “ليس هناك شيء اسهل من الدعوة إلى تقسيم العراق”، وكأن التقسيم يحل متاعب العراقيين ويؤمن مخرجاً مشرفاً للولايات المتحدة، من دون اعتبار أو اكتراث بحقيقة ان الحرب الأهلية والتقسيم أمران مترابطان لا يمكن تفاديهما.
قد تكون الحرب الأهلية والتطهير العرقي والاثني هما الثمن الذي سيدفعه العراقيون، وهو ثمن يصعب تصوره أو تقديره في ظل التركيبة الديمجرافية شديدة التعقيد، حيث التداخل بين الأعراق والمذاهب، خاصة في المدن، وبالذات في بغداد التي يقطن فيها حوالي 40% من العراقيين ناهيك عن الوضع الشديد الصعوبة لمدينة كركوك التي تعتبر بمثابة برميل بارود قابل للاشتعال العنيف والمدوي مع أول شرارة للتقسيم. لكن رغم هذا كله، فإن هناك ثمناً آخر سوف يحصل عليه الأمريكيون، وهو الاحتفاظ بالنفوذ لمدى طويل في العراق، ونهب ثرواته النفطية، في وقت يتحدث فيه متخصصون عن “سرقة القرن” التي تجريها الشركات النفطية الأمريكية في العراق بالتعاون مع الشركات البريطانية ضمن ما يعرف ب”اتفاقيات الشراكة في الانتاج”، التي ليس لها نظير في العالم، تماماً كما حال الاحتلال الأمريكي للعراق الذي لم يعد له نظير في العالم باستثناء الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
عندما يكون التقسيم بديلاً للاحتلال .. محمد السعيد ادريس
