لو أن كل العدائين أو المتصارعين في منطقة الشرق الأوسط يركضون في اتجاه واحد للوصول الى هدف واحد لجاز الاعتقاد ان طبعة الشرق الأوسط الجديد التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في الاسبوع الثاني من حرب العقاب الجماعي في لبنان وأراضي السلطة الفلسطينية
يمكن ان تختزل هدف السباق غير المتكافئ. ولو أن مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي رافقت الحرب على العراق أحرزت بعض التقدم في استتباب الجزء اليسير من السلم والديموقراطية لأصبح في الامكان تفهم دلالات تنقيح المبادرة الأميركية بعد تجريبها في ساحة الميدان، غير أن الادارة الأميركية التي عابت يوماً على نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين الربط بين غزوه الكويت وانسحاب اسرائيل من الأراضي العربية المحتلة بمبرر عدم مكافأة المعتدي تنحو في الاتجاه نفسه - مع فارق المنطلقات والمعطيات - من دون الاكتراث بارهاب الدولة الذي يجسده العدوان الاسرائيلي، الى درجة سقوط ذريعة الحرب على الارهاب طالما انها تتم بأدوات ارهابية ويغيب عنها استخدام مصطلحات متشابهة في وصف القتل والتدمير والتهجير التي تطاول الأبرياء.
وفي أي حال فالشرق الأوسط الجديد لن ينهض على انقاض التدمير الشامل للانسان والأوطان، وأي معيار للبحث في ملامحه لن يكون بديلاً من الضرورات الانسانية والسياسية والأخلاقية التي تفرض وقفاً فورياً لاطلاق النار، ذلك انها المرة الأولى التي يصبح فيها هذا المطلب الملح، ان على صعيد الأمم المتحدة أو بالنسبة للشركاء السابقين في رعاية السلام المفقود أو المعنيين مباشرة بالمواجهة غير المتكافئة، آخر شيء يتم التفكير فيه، مهما تعالت أصوات الضحايا الأبرياء. والأرجح أن واشنطن المهتمة دائماً بتغليب مصلحتها في أي زمان ومكان، وعلى حساب أي قيم انسانية أو اعتبارات أخلاقية، باتت ترى بالعين المجردة ان الحرب العدوانية التي تخوضها اسرائيل هي حربها وأن أهدافها القريبة والبعيدة هي الأهداف نفسها التي جرى ترسيمها في الاستراتيجية الأميركية. وكما لوحت بتباشير إعمار العراق واشاعة قيم الحرية والديموقراطية بعد الحرب المدمرة، فإنها تلجأ الى تسويق مفهوم الشرق الأوسط الجديد بعد ضرب مقومات الوجود اللبناني عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً، ولا تدع أي فرصة تمر من دون أن تصور حروبها المباشرة أو تلك التي تخوضها أطراف أخرى بالوكالة عنها على أنها حروب مشروعة ضد الأشرار دولاً وأفراداً وجماعات، فهي تعوض عن الحرب التي تخسرها في العراق بطبعة إسرائيلية في لبنان من دون استبعاد أي مواقع أخرى، فالشرق الأوسط الجديد لا يراد لإعلان موت فكرة الشرق الأوسط الكبير، وإنما تحديداً لابراز أن أهداف ونتائج الحرب الإسرائيلية الراهنة تخضع المنطقة لهيمنة الرعب، فمن تجرأ يوماً في 11 ايلول (سبتمبر) 2001 على ضرب أميركا حمل دولاً وعوالم على دفع الثمن الباهظ، وكذلك تريد عقاب من يتجرأ على ضرب إسرائيل حتى وإن بدت تصرفاتها خرقاء غير خاضعة لأي منطق عدا التلويح بالقوة وممارساتها.
تتقاطع الصورة في حالين: الجيش الأميركي يفتك بأبناء العراق لأن المقاومة «إرهابية»، والجيش الإسرائيلي يشن حرب إبادة في لبنان وفلسطين بدعوى أن «حماس» و «حزب الله» «إرهابيان». والذين رفضوا في وقت سابق تحديد مفهوم الإرهاب كانوا يدركون أن الحرب عليه لن تكون محدودة وقنابل تل ابيب إنما تمطر وعوداً جديدة اسمها الشرق الأوسط الجديد.
الحياة - وكالة الاخبار العراقية
شرق أوسط جديد!- محمد الأشهب
