عنوان المقال هو السياق الحقيقي الذي تسير فيه العلاقة بين السلطة والشعب في العراق، فبعد نيسان 2003 طرح الحكام الحاليون أنفسهم على أنهم محررين، والمحرر حسب مفهومهم له حقوق وليس له واجبات، فهو قادم من غبار المعارك الى كرسي الحكم، وهذا الأخير له متطلبات واستحقاقات أكبر من استحقاق الشعب والوطن.
وفي خضم الاستيلاء غير الأخلاقي على كل موارد وثروات البلد، كان لابد للمتسلطين من غطاء ديني وإعلاء شأن الاحزاب الدينية، كي تكون رادعا لكل من يحاول التوسل بالوسائل الديمقراطية في المحاسبة والتدقيق والتحقيق، وقد حصل ذلك.
وبانتشار التثقيف الطائفي جرى تعميق الفهم لدى العامة من أن السلطة لن يُسمح بعد اليوم اعطاؤها للآخر، أيا كان هذا الآخر حسن السيرة والسلوك والولاء والبراءة، ثم جاءت الولاية الثانية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي بمثابة الإيذان الرسمي بالتحول نحو ثنائية الوصف، حيث باتت سلطة استبدادية انتفاعية في نفس الوقت.
ففي اللحظة التي كان رموز العملية السياسية يستعملون موارد الدولة المادية والمعنوية للسيطرة والحكم الطائفي الإقصائي، كانوا أيضا يعتبرونها مصدرا شرعيا للإثراء لأولادهم وحواشيهم ولعناصرهم الحزبية، مما ولد حالة حكم عسكري شرطوي أمني بعناصر مسلحة تابعة رسميا للدولة تعدادها يفوق المليون عنصر، بينما تعداد النفوس 30 مليون نسمة.
التخمة العددية العسكرية رافقتها ندرة في فرص العمل وازدياد حجم البطالة، وتدهور الأمن والخدمات بشكل لم يسبق له مثيل، وقد كان من الغريب حقا أن تطول الاستكانة لدينا نحن العراقيين، أمام تغول السلطات الحاكمة بهذا الشكل غير المنطقي، وسياسة الاغضاب غير المحدود الذي مارسته ضدنا، وهذا يعود الى أسباب كثيرة تتحملها السلطات الحاكمة نفسها ويتحمل المسؤولية أيضا الشعب نفسه، وأن القاء الأسباب على السلطات وحدها أمر لا يستقيم مع المنطق، لأن تصوير الشعوب على أنها لاحول لها ولا قوة، وأنها تنقاد بسهولة إلى كل من هب ودب لمجرد استخدامه اطلاقات رشاش وسياط رجال أمن، هو تبسيط ساذج للأمور وتبرير غير منطقي لحالة الاستكانة.
نعم كان هنالك دور كبير لعبته الأحزاب الدينية وحواضنها الإقليمية وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية في صنع الاستكانة الشعبية للظلم والظالمين، من خلال صنع نظام سياسي مأزوم، وحكم طائفي مأزوم أيضا، وكذلك أزمة طوائف وأقليات واثنيات، وهذه كلها كانت وسائل ساعدت على استمرار الحكم، من خلال إعطاء صورة للعامة وبعض النخب بأن هنالك توازن رعب بين الجميع، وبالتالي فإن الاعتراض على الظلم لن يجدي نفعا لأن لا نصير يستطيع أن ينصرهم، وقد حدث هذا بالفعل عندما خرجت ست محافظات مطالبة برفع الظلم واعطاء الحقوق، لكن تم سحقهم بالتعاون مع من كان يمثلهم وفق منطق المحاصصة الطائفية، إلى الحد الذي بكى فيه وزير على شاشة التلفاز علنا، مدعيا بأن عشرين من أبناء عمومته قتلوا بأيدي السلطات، لكنه عاد عن استـــقالته وارتمى أكثر من قبل في أحضــــان القاتل، ثم تحول قادة الاعتصامات إلى مجرد ظاهرة صوتية على الفضائيات، بعد أن لــجأوا إلى أربيل وتركوا أهلهم وذويهم يواجهون الموت والدمـــار والخراب.
أما الآخرون من أبناء الشعب والذي تدعي السلطات بأنها تلعب دور المخلّص لهم من عودة الطرف الآخر إلى حكمهم، فقد تم تقييد حرية الوعي لدى البعض منهم برباط سلطة المذهب المقدسة، إلى الحد الذي بات فيه تصوير إقامة الشعائر الدينية الخاصة بالمذهب هي أول وآخر غاياتهم في الحياة، فازداد فقرهم وتهميشهم وأقصاؤهم من الحياة الحرة الكريمة إلى درجة الاستعباد.
السؤال المهم الآن ماهي مسؤولية الشعب في الحالة التي وصل اليها العراق؟.
إن التظاهرات الجارية في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب دليل كبير على مسؤوليتنا نحن العراقيين عن الحالة التي وصلنا إليها، فالشعارات المرفوعة هي ضد من رُفعت اللافتات من أجله عندما كان في السلطة، والتي كانت تسميه مختار العصر، وهو من هزج شيوخ وزعماء القبائل والعشائر له، ووقفوا بين يديه يلقون قصائد شعر تتغنى به.
كما أن المطالبة بالدولة المدنية لا الدينية يتناقض مع شعار «لا ولي إلا علي نريد قائد جعفري»، والذي رُفع في فترة رئيس الوزراء السابق، وأن الإصرار على إحالة الفاسدين والمرتشين وناهبي المال العام إلى القضاء والقصاص منهم، لن يُنسينا تبركنا بهم عندما كانوا يسيرون معنا في المواكب الحسينية في عاشوراء، وأن الأحذية التي تضرب صورهم، كانت تضرب كل من يتجرأ على التصريح أو كتابة مقال يفضح فسادهم وسرقاتهم قبل وقت قصير.
بل إن البعض صوّر رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي وكأنه هبة السماء الى العراقيين، والفرصة التاريخية التي نزلت على العراق وأهله، وأنه يتحدث الانكليزية بطلاقة ويحمل شهادة عليا، وعاش في الغرب دهرا من الزمن، وكأن العراق جامعة والعراقيين تلاميذ فيها وبحاجة إلى أكاديمي يلقنهم العلم، متناسين بأن الرجل من نفس الحزب ونفس السلطة الطائفية، ويؤمن أيمانا حاسما بالعملية السياسية التي هي أس المشكلة العراقية.
إذن هل هي عودة الوعي أم القطرة التي سقطت ففاض الكأس بعدها؟ كل الاحتمالات ممكنة، لكن الشيء المؤكد أن التغيير هو مسؤولية الشعوب، وإذا كانت السلطة الحالية تستخدم أسلوب دعهم يُنفسّوا عن غضبهم بالتظاهرات ونحن نفعل ما نريد، فيجب على المتظاهرين أن يعوا هذا المسار، وأن تكون لديهم خيارات أخرى لتطوير وتفعيل التظاهرات السلمية ومنها الاعتصامات المفتوحة، وصولا إلى الاضراب الشامل الذي يشل الحياة في كافة مرافق الدولة العراقية، وأن من يعتز بطائفته أو قوميته يجب أن لا تكون هي من بعثته إلى ساحات التظاهر، بل يجب أن يكون التسلط والاستبداد هو الدافع الوحيد، كي يبقى التناغم بين المتظاهرين قائما كما هو الحال خلال الأسابيع الستة المنصرمة.
كما يجب أن يكون الانتفاض من أجل تحقيق حزمة المطالب جميعها ولا مجال للتقسيط الممل والوعود المخدرة، لأن هدف السلطات اليوم هو سحب جذوة التظاهر من المتظاهرين والتخويف بالفوضى، وتصوير الأمر على أن الاستمرار بالتظاهرات سيجلب الطوفان بعدها، وهذه كلها وسائل إعاقة وتضليل هدفها إثارة الغبار في وجه المحتجين.
أما بقية المحافظات الأخرى التي لا زالت بعيدة عن ساحات التظاهر فعليها مسؤولية أخلاقية كبرى، وأن من يُثقف بمقولة من لم يقف معنا سابقا لن نقف معه اليوم، هي مقولة خاطئة لا يمكن أن تكون بين شعب واحد يواجه تحديا مصيريا، وكما أن المفسدين والسراق والطائفيين باتوا اليوم في خندق واحد في مواجهة الانتفاضة الجماهيرية، يجب علينا جميعا أن نكون في خندق واحد مواجه لهم.
قد تتزايد الاعتقالات والاغتيالات والتهديدات الغوغائية ضد المحتجين، لكن يجب أن يعلم الجميع بأن انطلاق هذا الأسلوب في مواجهة تظاهرات سلمية، هو دليل على اقتراب هزيمة السلطة الجائرة، حدث هذا في كل تاريخ الثورات الشعبية على مر التاريخ القديم والحديث.
