كسر الطائفية، هو محور ما تسعى إليه مظاهرات الحراك الشعبي في العراق ولبنان، وفي هذا الصراع تتباين عوامل قوة المتظاهرين والمجموعات الطائفية المسيطرة في كلا البلدين، دون أن يبرحا مساحة المواجهة ذاتها.
ويبقى الوجه الأهم في الاختلاف بين حالة البلدين، هو أن لبنان تأسست فيه الطائفية منذ وقت أو زمن طويل، وجرى اعتمادها عبر حروب أهلية، وكان الوصول إلى نظام المحاصصة الطائفية كنظام سياسي، خلاصاً أو حصاداً لتلك الصراعات والحروب الأهلية سابقاً.
فيما جاء تأسيس النظام السياسي الطائفي في العراق، عبر محتل خارجي وبيديه وفرضاً بالقوة العسكرية لصياغة دستور صنع في الخارج، بل كان المشاركون والمدعوون لتمثيل الطوائف هم من فئات لم تخترها الطوائف بل اختارها وحددها وحماها الاحتلال.
وكل ذلك هو ما جعل مثل هذا النظام السياسي مرفوضا منذ بدايته وفى وضع المواجهة مع القوى السياسية والفكرية الوطنية العراقية الرافضة للاحتلال، بما حول الصراع حول هذا النظام إلى صراع بين المشروع الوطني المتمسك بالوحدة الوطنية العراقية، ومشروع الاحتلال (الأمريكي ثم الإيراني) الذى كان وما يزال هو الداعم لمشروع التفتيت المجتمعي عبر نظام المحاصصة الطائفية، بين نخب أعدها هو ودربها استخباريا، ولم يفرزها المجتمع.
لذا، ورغم رفع شعار الشعب يريد اسقاط النظام في كلا حالتي الحراك، فالمغزى العراقي للشعار يظل بلون رفض مشروع جاء به الاحتلال، وهو يطرح مؤشرا على استمرار حالة المقاومة الوطنية في درجاتها وأشكال نضالها المتعددة، من المقاومة إلى حراك المحافظات الست المنتفضة، إلى الحراك الحالي الذي يجد وسيجد نفسه في جوهر ولب محور النضال الوطني، لا الديموقراطي فقط.
وذاك ما يطرح أبعاد تتعلق باختلاف التوازنات وعوامل القوة والضعف بين المتظاهرين والقوى الطائفية في كلا البلدين أيضاً.
فإذ تبدو الطائفية راسخة في لبنان أو على الأقل هي حالة ما تزال تحظى بقبول لدى مساحات من المواطنين من مختلف الطوائف، فالحال في العراق يجري مختلفاً، إذ الطائفية هي حالة نخبوية أكثر منها حالة شعبية، وهي متغلغلة في داخل عقول نخبة ضيقة وتواجه رفضاً مجتمعياً واسعاً، وهي تجرى بقوة السلاح منذ بداية ولوج طريقها، أو أن النخب الضيقة هي ما تفرضها بقوة السلاح على المجتمع، وبالاستعانة بالمحتل الذي يراها الفكرة والحالة الأكثر جوهرية في استمرار تمكينه من الاستمرار في عملية الاحتلال.
وفي المقابل تبدو الطائفية في لبنان حالة مؤسسة على نظام ديموقراطي – توافقي، وهي إذ تجري وفق توافقات عامة تتمثل فيها كافة الطوائف وحالات نفوذ من قوى إقليمية ودولية، فهي تقف على أساس من توازنات قوى تسمح بهوامش للحركة الديموقراطية وهو ما يساهم في صناعة مناخ من الحرية يسمح للمجموعات الرافضة للطائفية بالحركة، والأهم أن البعد الوطني فيها لا يتعلق بفكرة أو بوجود محتل خارجي بل بحالات اختراق ونفوذ من الخارج إلى الداخل.
وبمعنى آخر، فالحراك الشعبي لكسر الطائفية في لبنان أمامه فرصة أوسع للفعل الإعلامي والحركي، دون أن يعني ذلك انفتاح المساحة أمامه على نحو كبير لتحقيق الهدف، فيما الحراك الشعبي في العراق لا ينال الفرصة ذاتها على صعيد الحرية والإعلام، لكنه يملك إمكانيات أعلى لتحقيق الهدف بحكم الرفض الشعبي للطائفية.
فالعراق عاش ولمدة طويلة تحت ظلال الدولة الواحدة، ولم يستقر شعبه على النظام الطائفي المسمى الآن بالعملية السياسية – القائمة على المحاصصة بين النخب الطائفية المتعاونة مع الاحتلال - لا عبر حروب أهلية داخلية ولا عبر توافقات بين القوى المجتمعية، بل جاء مفروضا عليه ومحروسا بقوة السلاح من احتلال، جاء والبلاد في تماسك وطني على صعيد بنائها المجتمع، فقام بتغيير نظامها السياسي بهدف تفكيك بنائها المجتمعي.
كما هو نظام قام على استبعاد القوى الوطنية والإسلامية الرافضة للاحتلال ومشروعه، ولم يأت كما الحالة اللبنانية كحالة استيعابية للاختلافات الطائفية المتجذرة تاريخيا على الصعد السياسية، فضلاً عن أن مساحة التداخل القبلي والعشائري والعائلي في العراق تبدو مساحة مؤثرة على حركة المجتمع إلى درجة تمكنها من إعادة انتاج حالة الترابط الوطني رغم كل ما يجري في قشرة النخبة التي جاء بها الاحتلال.
والقصد أن الحراك الشعبي في الحراك إذ يصطدم بالطائفية ويرفع شعار الشعب يريد إسقاط النظام ويعلن رفضه للعملية السياسية، فهو لا يطرح قضية ديموقراطية ومجتمعية فقط، بل هو يطرح المشروع الوطني العراقي في مواجهة مشروع الاحتلال.
خاص بموقع الهيئة نت
