هيئة علماء المسلمين في العراق

الأمين العام يستعرض أوضاع البلاد ويوضح آليات مبادرة الهيئة
الأمين العام يستعرض أوضاع البلاد ويوضح آليات مبادرة الهيئة الأمين العام يستعرض أوضاع البلاد ويوضح آليات مبادرة الهيئة

الأمين العام يستعرض أوضاع البلاد ويوضح آليات مبادرة الهيئة

استعرض الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق فضيلة الدكتور (مثنى حارث الضاري) جوانب تفصيلية تتعلق بمشروع الهيئة ولاسيما مبادرتها الأخيرة (العراق الجامع) والآليات المتعلقة بتطبيقها.


وأوضح الدكتور الضاري حينما حلّ ضيفًا على صحيفة (العربي الجديد) في حوار نشر نهاية الأسبوع الماضي؛ أنَّ الأوضاع وصلت في العراق إلى طريق مسدود على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مؤكدًا أن ما يجري في العراق هو وصف كامل لما سبق أن توقعته الهيئة واستشرفت مآلات العملية السياسية، مبينًا أن هذه نتيجة طبيعية ومنطقية للأسس التي بُنيت عليها هذه العملية من محاصصة طائفية وعرقية، واستخدام آليات الإقصاء والإبعاد والتهميش، والاعتماد على الطارئين من الخارج لإدارة شؤون البلاد ونهب المال العام، فضلاً عن القوة المفرطة التي تُستخدم لتصفية الخصوم والمعارضين، لافتًا إلى أن المشكلة في الأصل تكمن بالدستور، الذي هو أساس كل المشاكل في العراق بعد الاحتلال الأميركي في عام 2003.


وعن نتائج ذلك كله؛ بيّن الدكتور الضاري أن خروج مئات الآلاف من شباب العراق في المحافظات الوسطى والجنوبية، للتعبير عن رفضهم للأوضاع التي وصل إليها العراق، يعد دليلاً كافيًا على أن هؤلاء الذين من المفترض أن يكونوا القاعدة الانتخابية للأحزاب السياسية المهيمنة على الحكم في بغداد، قد وصلوا أخيرًا إلى نقطة عدم الاقتناع بالنظام السياسي القائم، ويؤيد ذلك شعارات هذه التظاهرات الواضحة والصريحة التي بدأت بالخدمات ثم انتقلت إلى الفساد، حتى وصلت في الآخر إلى محطة انتقاد الوضع السياسي القائم برمته والدعوة إلى تغييره.


 وفي سياق متصل بهذه النقطة أعاد الأمين العام إلى الأذهان ما سبق للهيئة أن ذكرته سابقًا وكررته في مؤتمر الوفاق في العاصمة المصرية القاهرة عامي 2005 و2006، إذ بعد بعد عشر سنوات وصل الكثيرون إلى ما قالته الهيئة سابقًا، بل يتسابقون في إظهار مساوئ العملية السياسية، مؤكدًا بالقول إننا لا نجد عبارة قلناها سابقًا، إلّا وهي على لسان أحد السياسيين حاليًا،  وإذا بهم جميعًا يعودون إلى المربع الأول، الذي كانوا يتهموننا فيه بأننا نحاول العودة إليه، ويصفونه بأنه أمر مستحيل بحجة أن العجلة قد دارت، ولكنهم هذه المرة يعودون إليه ليس بمحض إرادتهم وإنما تحت ضغط الجماهير.


وفيما يتعلق بالملف الإنساني في العراق وطريقة تعامل الحكومة الحالية معه؛ قال الدكتور مثنى الضاري؛ إن هذا فصل جديد من معاناة العراقيين الإنسانية منذ عام 2003، وإن المأساة اتخذت أشكالاً وألواناً متعددة، مشيرة إلى أنه في كل مرحلة زمنية من مراحل الصراع مع المحتلّ وعمليته السياسية، يحصل نوع من المعاناة الإنسانية عبر التهجير والنزوح والاستهداف والطرد من الأرض والتغيير الديموغرافي، غير أن ما يجري الآن، هو الفصل الأكبر والأضخم من فصول هذه المأساة، لأن ملايين الناس نزحوا أو أُجبروا على الهجرة، فضلاً عن استهداف لون محدد من السكان.


وأكّد الأمين العام للهيئة أن أسباب ذلك كثيرة، وفي مقدمتها: فشل العملية السياسية، وغياب الاستقرار الأمني، فضلاً عن عدم قدرة الحكومة أساسًا على درء أي أذى أو منع حصول أي مشكلة إنسانية في العراق، مبينًا أن الحكومة تدير شؤون العراقيين بروحية طائفية، لاسيما وأن مشكلة أربعة ملايين نازح هم من لون معيّن، عملت الحكومات المتعاقبة في ظل الاحتلال على إقصائه وتهميشه.


ومضى الدكتور الضاري إلى القول؛ بأن التمييز الطائفي ما زال مستمرًا وبأعلى درجاته، موضحًا أن الدليل على ذلك يتلخص بطريقة التعامل العنصرية مع النازحين، وموضوع الكفيل في دخول بغداد، إلى جانب الإهمال وعدم الاهتمام الحقيقي بالنازحين وعدم توفير المستلزمات اللازمة لهم وعدم متابعة أحوالهم.


وعن عودة التصريحات الأميركية وبعض الأطراف الحكومية حول تقسيم العراق إلى أقاليم؛ أكد الدكتور مثنى؛ أنّ الدعوة إلى تقسيم العراق إلى أقاليم فقدت وهجها المخادع الآن، وخفتت داخل أوساط دعاة الأقاليم أنفسهم إلى حدّ ما، بسبب عدم قدرتهم على تحقيقها على الأرض، وبقائها دعوة سياسية وإعلامية بالدرجة الأولى، لكنه أشار إلى أنها نشطت هذه المرة في أوساط أميركية وغربية أخرى، في محاولة واضحة جدًا لإعادة إلهائنا وإشغالنا بهذا الموضوع، منبهًا إلى نقطة مهمة، لخّصها بالقول؛ لو كانت هناك إمكانية لإقامة إقليمٍ، لأُقيم منذ سنوات، غير أنه لا يوجد قرار إقليمي أو دولي إلى الآن بإقامة أقاليم أخرى في العراق، وأن أغلب من يطالب به أو يدعو إليه، يستخدمه كورقة سياسية.


وفيما يتعلق برأي هيئة علماء المسلمين بهذا الموضوع؛ قال الأمين العام؛ إننا نرفض منطق الأقاليم لأنها تقوم على أسس طائفية وعرقية، وسيؤدي هذا إلى تقسيم العراق، مبينًا أنه إذا كانت الدعوة إلى إنشاء الأقاليم تحقق ما يتمناه البعض من أمن وسلام وحماية الأنفس والدماء والأعراض والأموال فهذا أمر لا ينكره عاقل، لكن التجارب السابقة في تاريخ الأمم، والتجارب الموجودة داخل العراق، لا تدلّ على ذلك.


وردًا على سؤال الصحيفة حول الزيارات المتكررة من زعامات سنية عراقية إلى طهران في الفترة القريبة الماضية؛ أوضح الدكتور الضاري بأنه لا فرق بين ما مضى وما هو حاصل الآن، الفارق فقط هو أنَّ الزيارات كانت سرية من قبل وباتت الآن علنية، مبينًا أن هؤلاء المعنيين حطموا جدار الخجل، وبدأوا يتهافتون على زيارة طهران لأهداف تتعلق بتوافقات العملية السياسية وضرورات أخذ الأذونات والموافقات في مختلف الملفات العراقية الداخلية، فضلاً عن كون الزيارات إلى إيران تأتي في إطار الجهود الإيرانية المتواصلة منذ عقود لترسيخ هيمنتها ووجودها في المنطقة وتغذية عناصر بقاء الإمبراطورية الإيرانية ذات البُعد الديني المذهبي الطائفي المُعلن، والبعد الإيراني القومي المضمر.


وليس بعيدًا عن هذا الموضوع؛ أكّد الدكتور مثنى الضاري بأن السياسة المصلحية الإيرانية التي تتخذ اللباس الطائفي في العراق وألبسة أخرى في غيره، تتفق بالنتيجة والمحصّلة مع الأهداف التوسعية للكيان الصهيوني، لأن كلا الطرفين ـ اتفقا أو لم يتفقا ـ يقومان بإشغال المنطقة بخلافات جانبية وتفصيلية، مشيرًا إلى أن الجميع يعلم أنَّ سياسة الكيان الصهيوني المعروفة، هي إشغال المنطقة بخلافاتها من أجل الحفاظ على أمنه، وهذا ما يحصل الآن.


أمّا عن رؤية هيئة علماء المسلمين للحل في العراق، قال الشيخ الضاري؛ إن الحل الأمني ليس علاجًا حاسمًا في العراق، لأنَّ العلاج فيه وفي غيره في مثل هذه المشاكل، له مستويان: المستوى الأول هو المستوى الأمني، إذ لا يُمكن أن تحلّ قضية بهذا التعقيد إلّا إذا كانت هناك قوة كبيرة تفرض إرادتها على الأرض وتحسم الأمور لصالحها، وهذا غير حاصل الآن، أمّا المستوى الثاني فهو السياسي الذي يجب معالجته من جذور المشكلة، فبقاء جذور هذه العملية، يعني ألّا أمل في أي جهود تُبذل.


واستطرد الأمين العام قائلاً؛ نحن في الهيئة نرى بأنَّ هناك طائفية سياسية في العراق لها جذور طائفية حقيقية عند الأحزاب والقوى الطائفية الحاكمة، التي عملت مع قوات الاحتلال على تعميق البعد الطائفي في المجتمع، للإيحاء بأنَّ هناك طائفية مجتمعية في العراق، والمشكلة الخطيرة هي في استخدام البعد المذهبي للوصول لأهداف سياسية، مؤكدًا أن ما تقوله الهيئة دائمًا هو أنَّ الطائفية في العراق هي طائفية سياسية، وأنَّ المشكلة هي مشكلة سياسية في الدرجة الأساس.


أمّا فيما يتعلق بمشروع (العراق الجامع)؛ فقد أوضح الدكتور الضاري بأن هذه المبادرة عراقية أولاً وآخراً، وهي ليست مذهبية ولا طائفية ولا عرقية ولا ترقيعية، كما انها غير موجهة للنظام السياسي الحالي في العراق، كما فهم بعضهم أو حاول أن يفهمها بعض آخر، وذلك لأن هذا النظام لا يُرجى إصلاحه، وإنما هي موجهة للقوى العراقية الحية، المناهضة للواقع السياسي الحالي وعمليته السياسية.


وبشأن الآليات المتبعة لتطبيق المبادرة؛ قال الأمين العام؛ إننا اقترحنا في المبادرة أربع آليات للعمل الوطني، وهي التشاور مع القوى المناهضة للعملية السياسية، وعقد لقاءات وندوات وحوارات بين نخب المجتمع لتبادل الآراء ووجهات النظر، والدعوة إلى تكتل واجتماع بعض القوى في عناوين وأطر أكبر، وعقد مؤتمر وطني عام تجتمع فيه كل هذه القوى تحت عنوان واحد، وذلك لتسهيل التعامل مع كل الأطراف وقطع حجج المتحججين بأنَّ هذه القوى مشتتة، ومن ثم إعلان ميثاق وطني توضح فيه هذه القوى رؤيتها للحل.


وتعقيبًا على ذلك؛ نفى الدكتور الضاري وجود نية لأي حوار مع النظام القائم في العراق، لأنه نظام سياسي لا يُرجى إصلاحه، فهو ما زال يمارس السياسات القديمة نفسها، ويسعى مستميتًا لجلب بعض الأسماء الجديدة لترقيع العملية السياسية، للخلاص من الأزمة الحالية الكبيرة التي يمر بها بسبب حملة الاحتجاجات الشعبية الكبيرة التي تواجهه.


وفي إطار موضوع المبادرة؛ أكّد الأمين العام لهيئة علماء المسلمين؛ أن مشروعها هو قاعدة تأسيس لمرحلة مقبلة، وذلك بالتعاون مع القوى الأخرى المناهضة للنظام السياسي القائم، مشيرًا إلى أن هذا مما جاء في نصّ المبادرة نفسها، مضيفًا بالقول؛ نحن لسنا أوصياء كي نقيم مشروعًا لوحدنا ولكننا ندعو القوى الأخرى، من منطلق الإحساس بالمسؤولية، إلى الاجتماع من أجل بناء قاعدة أساسية لمشروع عتيد، نفتح بواسطته باب أمل للعراقيين، وسنعمل على إنضاج هذا المشروع وإيصاله إلى بر الأمان، ونستقبل كل العراقيين بغض النظر عن الدين والعرق والمذهب والفكر، في إطار ثوابت المشروع الوطني ومحددات المحافظة على مصالح العراق والعراقيين الحقيقية وليست المتوهمة.


كما نبّه الدكتور الضاري إلى أنَّ الذين حضروا المؤتمر الصحافي لإعلان إطلاق المبادرة كانوا من مختلف الأعراق والأطياف والتوجهات السياسية، من عرب وأكراد وتركمان، سنّة وشيعة، وإسلاميين وعلمانيين، كما حضرت التيارات القومية العربية والحزب الشيوعي، الذي كان ممثلاً بجناحه الوطني الذي لم يدخل العملية السياسية والتيارات القومية العربية، فضلاً عن مجالس العشائر من الجنوب وغيره، ونخب مجتمعية من التكنوقراط والشباب والنساء والإعلاميين، وحضر كذلك ممثلون لعدد من فصائل المقاومة، وضباط سابقون في الجيش، وممثلون عن الفعاليات الوطنية العراقية في أوروبا، وبعض الأصدقاء من الناشطين الغربيين في منظمات وجمعيات مناهضة الاحتلال ودعم العراق، إلى جانب منظمة "محكمة بروكسل" البلجيكية وإحدى المنظمات الإسبانية.


وجوابًا على سؤال الصحيفة عن الخطوة الثانية التي ستعقب إعلان مبادرة العراق الجامع، أكّد الدكتور مثنى الضاري أنها تتمثل بالتشاور وفقًا للخطوة الثانية في المبادرة، لافتًا إلى أن هذه المرحلة قد بدأت بالفعل في داخل العراق وخارجه، قبل أن يفصح عن فائدة المشروع الوطني بالنسبة للمواطن العراقي؛ باعتبار أن هذا المشروع جاء في مرحلة فشل العملية السياسية الواضح، ومطالبة الجماهير بالتغيير، وقد أعلنت القوى المناهضة للاحتلال عن جمع نفسها في إطار جامع لاستغلال هذه الفرصة التي قد تنبّه المجتمع الدولي إلى فشل العملية السياسية، وحدوث متغيّرات في المنطقة وفي الإقليم تتيح أن يلتفت إليها قبل فوات الأوان.


وفي سياق مبادرة مشروع (العراق الجامع) أيضًا؛ شدد الأمين العام لهيئة علماء المسلمين؛ أن الأخيرة لم تطرح نفسها يومًا بأنها نمثل الشارع السني، وخطاها منذ اليوم الأول يندرج تحت عنوان "هيئة علماء المسلمين"، وهي هيئة شرعية تتكلم بخطاب عراقي جامع لكل العراقيين، وإن كانت سنّية، فإن هذا واقعنا كما للآخرين واقعهم الذي لا يُمكن الانسلاخ عنه.


وأضاف الدكتور الضاري قائلاً؛ نحن لا نرى أنَّ هناك تعارضًا بين ما هو سنّي وما هو وطني، لأنَّ الأصل في أن يتكلم السنّي، عربيًا كان أم كرديًا أم تركمانيًا بخطاب وطني، وكذلك ينبغي أن يفعل الشيعي والمسيحي والصابئي وغيرهم، لأن العبرة هي في التطبيق، ونحن في    الهيئة نت    كلم بلسان عراقي صرف، وهذا لا يعني ـ كما يتوهّم البعض ـ تجاهل مطالب السنّة.


وفي ختام الحوار؛ تحدّث الأمين العام للهيئة عمّا يُسمّى بـ"الإصلاحات" التي أعلنتها الحكومة؛ مبينًا أنها مجرد خطوة اضطرارية لا اختيارية، لإنقاذ العملية السياسية الحالية وتفادي أزمة كبيرة، وصدّ الموجة العاتية التي ستقتلع أسس هذا النظام السياسي، مؤكدًا أن آلية النظام السياسي وعمليته السياسية وإجراءاتها وانتخاباتها مصممة خصيصًا لإبقاء من فيها الآن في سدة الحكم وتبادل الأدوار في ما بينهم.


 


وللاطلاع على نص المقابلة، يرجى زيارة الموضوع أدناه:


 الأمين العام للهيئة لصحيفة (العربي الجديد) .. هناك اربع آليات لإنقاذ العراق


 


   الهيئة نت    


ج


أضف تعليق