هيئة علماء المسلمين في العراق

استمرار معاناة المعتقلين في العراق بين الانتهاكات الحكومية لحقوق الإنسان وجرائم الإعدام الطائفية
استمرار معاناة المعتقلين في العراق بين الانتهاكات الحكومية لحقوق الإنسان وجرائم الإعدام الطائفية استمرار معاناة المعتقلين في العراق بين الانتهاكات الحكومية لحقوق الإنسان وجرائم الإعدام الطائفية

استمرار معاناة المعتقلين في العراق بين الانتهاكات الحكومية لحقوق الإنسان وجرائم الإعدام الطائفية

تُعد الممارسات التي تشهدها مراكز الاعتقال في العراق ـ بنوعيها المعلن والسري ـ واحدة من أفظع الجرائم التي تصنف في إطار انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية التي تتقاطع بوضوح مع ثوابت القانون الدولي ومقررات الإعلان العالمي للحقوق.


وعلى الرغم من أن الجرائم التي ترتكبها الأجهزة الحكومية والميليشيات الطائفية تجاه المعتقلين مستمرة منذ ثلاث عشر سنة؛ إلا أن وتيرتها تصاعدت مؤخرًا بشكل لافت، ما بين الانتهاكات الصارخة التي تتم بشكل سري وتطال أشخاصًا أبرياء مضى على وجودهم في المعتقلات سنوات طويلة دون أن توجه لهم تهم محددة، أو تلك التي تنفذ بغطاء أو إطار قانوني يتمثل بإصدار أحكام الإعدام بالجملة تجاه معتقلين جرى توقيفهم على أساس طائفي.


وفي هذا السياق؛ يؤكد (مركز جنيف الدولي للعدالة) بأن قرارات الكثير من المحاكمات التي جرت في العراق خلال السنوات الماضية للمتهمين بقضايا ما يُسمّى "الإرهاب" أو القضايا الجنائية الأخرى؛ تُبنى على اعترافات تُنتزع تحت شتى ضروب التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، فضلاً عن كون القضايا في الأساس تجري طبقًا لشكاوى كيدية أو بسبب تهم يلّفقها المخبر السرّي؛ والذي غالبًا ما يكون مرتبطًا بأجهزة الشرطة والأمن الحكوميين، أو على صلة بالميليشيات الطائفية.


وتعقيبًا على ذلك؛ أعاد (مركز جنيف) إلى الأذهان ما تم إلزام حكومات العملية السياسية به وتنصلت عنه؛ ومن ذلك؛ ما جرى في شهر تشرين الثاني من سنة  2014 عند عرض حكومة العراق الحالية  لتقريرها الدوري عن حالة حقوق الإنسان في البلاد؛ طالبت معظم دول العالم المتحضّرة من هذه الحكومة إيقاف تطبيق عقوبة الإعدام طالما أن النظام القضائي عاجزٌ عن تحقيق محاكمات تمتثل لمعايير المحاكمات العادلة، ويؤكد المركز أن هذ الدول ناشدت حكومة بغداد بأن تُصدر ـ على أقل تقدير ـ قرارًا يوقف فيه تنفيذ الأحكام الإعدام الصادرة عبر تلك المحاكمات الجائرة، لكنها لم تفعل ذلك.


ومضى المركز في تقرير نشره مؤخرًا إلى إيراد شهادة ثانية تتعلق بهذا الموضوع، مبينًا أنه في شهر شباط/فبراير الماضي أصدرت مفوضيّة الأمم المتحدّة لحقوق الإنسان ومكتب الأمم المتحدة في العراق (يونامي) تقريرًا يؤكد أن معظم أحكام الإعدام تُتّخذ بعد محاكمات غير عادلة، وتُبنى على اعترافات تنتزع تحت التعذيب.


وفي شأن ذي صلة؛ شجب (مركز جنيف الدولي للعدالة) قرار رئيس النظام السياسي الحالي في العراق (فؤاد معصوم) القاضي بمصادقة الأخير على أحكام إعدام في الأسبوعين الماضيين؛ والتي شملت عشرات المعتقلين، مؤكدًا أن هذه المصادقة تعني من الناحية القانونية أن رئيس الجهورية الحالي يكون قد شارك في جرائم قتلٍ عمد وإعدامات صورية بالجملة، مبينًا أن ذلك يعد جريمة دولية وأن تذرّع (معصوم) بمنصب رئيس الجمهورية لن يعفيه من المسؤولية الجنائية الدولية عنها؛ إذ لا حصانة لمن يرتكب هذه الجرائم.


وإيضاحًا لعناصر هذه الجريمة التي تؤكد مجرياتها أن تتم عن سبق إصرار؛ يشير المركز إلى أن أعداد المحكومين في الإعدام قد يزيد على (700) شخص، وأن كثيرًا منهم قد يُشمل بالعفو المرتقب ضمن المناقشات الجارية ضمن الكتل السياسية وهي تتداول ما يعرف بـ"قانون العفو العام: وبالتالي فان مصادقة (معصوم) ستسبب بإزهاق أرواح لا يشملها الإعدام لو طبّق القانون بعدالة في العراق، حسبما ورد في مضمون التقرير.


وليس بعيدًا عن هذا الموضوع؛ فإن الامم المتحدة طالما أكدت وجود مراكز اعتقال سرية في العراق تجري فيها الانتهاكات، وقد دعت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب العراق ومقرها جنيف؛ إلى إغلاق هذه المراكز التي يتعرض نزلاؤها إلى تعذيب شديد، مؤكدة أن من بين من يشملهم التعذيب فتية ما زالوا قاصرين.


ونقلت وكالات الأنباء عن هذه اللجنة المكونة من ثمانية عشر خبيرًا مستقلاً راجعوا سِجلّ العراق في مكافحة التعذيب والمعاملة السيئة الشهر الماضي، أنها طالبت من أسمتهم "المسؤولين العراقيين" بأن يذكروا بالاسم شخصًا واحدًا جرى سجنه أو معاقبته بسبب قيامه بالتعذيب في نظام عدالة ضل طريقه، معبرة عن مخاوفها الشديدة من المعلومات التي تشير إلى نمط يتم فيه اعتقال مشتبه بهم أو من تصفهم الحكومة بـ"المتشددين" بينهم قُصّر دون أمر اعتقال ويحتجزون في منشآت تديرها وزارتا الدفاع والداخلية، حسبما ورد في لائحة النتائج التي نشرتها اللجنة.


كما قالت اللجنة في ثنايا تقريرها إن المعتقلين يُحتجزون بمعزل عن العالم الخارجي في مراكز اعتقال سرية لفترات طويلة يتعرضون خلالها لتعذيب مبرح من أجل انتزاع اعترافات؛ موضحة بأن المنشأة في مطار المثنى العسكري القديم في غرب بغداد الذي كشف عنه النقاب في عام 2011 مازالت مفتوحة ومستمرة في العمل سرًا تحت سيطرة اللواءين الرابع والخمسين والسادس والخمسين بالجيش الحكومي.


ومن صور الانتهاكات التي رصدتها اللجنة في السجون السرية الحكومية؛ بيّن التقرير إن السجّانين من أفراد القوّات الحكومية أو الميليشيات؛ قاموا باغتصاب نساء سجينات وارتكبوا أعمال عنف جنسية، مبينة بالقول؛ حيثما كانت مشكلة التعذيب حادة؛ فإنها تقع في أماكن احتجاز تديرها وزارة الداخلية ووزارة الدفاع الحاليتان.


وليس بعيدًا عن هذا الموضوع؛ فقوثقت صحيفة (الوطن) السعودية؛ شهادات لمعتقلين سابقين أمضوا عدة سنوات في السجون الحكومية تعرّضوا فيها لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بناء على دوافع طائفية.


ونقلت الصحيفة عن عدد من السجناء الذين تم الإفراج عنهم مؤخرًا؛ قولهم؛ إنهم كانوا يتعرضون للضرب بالسياط وأسلاك الكهرباء وعصي خاصة، من خلف كاميرات المراقبة التي زودت بها بعض المعتقلات، موضحين أن السجّانين الحكوميين يعمدون إلى إخراج السجين المراد تعذيبه إلى خارج مدار التقاط الكاميرا، ثم إعادته مرة أخرى للسجن.


وتأكيدًا على صحة هذه الروايات نقلت الصحفية شهادة لمعتقل سعودي الجنسية أفرج عنه بعدما تنقل بين خمسة سجون هي: سجن المخابرات، والناصرية، والتاجي، والمثنى، والرصافة، مبينًا أقسى هذه المعتقلات هما سجنا الناصرية والتاجي حيث تزداد عمليات التعذيب بسبب مزاجية السجانين، موضحًا أنه كان يعمل سائق شاحنة تنقل البضائع، وقد دخل إلى العراق بشكل رسمي عن طريق معبر حدودي بين العراق والكويت، لكن إحدى نقاط التفتيش اعتقلته بسبب طائفي، مشيرًا إلى أن الآلاف من المعتقلين العراقيين وغيرهم يتعرضون للتعذيب بأساليب بشعة، ترافقها تهديدات بإحضار عائلاتهم، فضلاً عن إجبارهم على التوقيع على أوراق بيضاء تكتب فيها اعترافات لقضايا لم يرتكبوها.


وعلى الرغم من تواتر الشهادات التي تؤكد فظاعة الانتهاكات في السجون الحكومية، وتراكم الوثائق التي تدين الحكومة الحالية وأجهزتها القعمية، فضلاً عن تقارير المنظمات الدولية ذات العلاقة؛ إلا أن ساكنًا لم يتحرك إزاء هذه الجرائم رغم أنها مصنفة بشكل قانوني بما لا يقبل الشك ضمن جرائم يعاقب عليها القانون الدولي، نظرًا لتعلقها بالتطهير العرقي والطائفي والإبادة، كما يتواصل التجاهل المتعمد من قبل الدول "العظمى" التي تدعي رعايتها لحقوق الإنسان وتتبجح بنشر "الديمقراطية" في العراق؛ عن طريق استمرار اعترافها بالعملية السياسية والدفاع عنها وبذل الجهود على كافة المستويات لإنقاذها من الانهيار كلما اقتربت فرصة ذلك؛ ما يجعل من الجريمة التي تطال المعتقلين تأخذ أبعادًا أخرى وتترتب عليها اعتبارات جديدة.


 وكالات +    الهيئة نت    


ج


أضف تعليق