من غير مقدمات، أو الدخول في مناقشات مملة، سنطرق الحديد وهو حار، فمن يراهن على حيدر العبادي بتحقيق اصلاحات ذات قيمة، أو تعيد للناس أبسط متطلبات حياتهم الضرورية، كالماء والكهرباء، فهو في ظلال مبين.
ليس العبادي وحده العاجز عن فعل ذلك، وإنما أيضا جميع عتاولة المنطقة الخضراء، السابقون منهم واللاحقون، كونهم جميعا أدوات في يد الأجنبي، وعلى وجه التحديد أمريكا وملالي طهران. بمعنى آخر أكثر وضوحا، فإن حكومة العبادي، والحكومات السابقة قد حصرت مهامها في تدمير العراق وأهله، وليس في بنائه وتقدمه، وقد أثبتت سنوات الاحتلال العجاف هذه الحقيقة الدامغة.
ومع ذلك، فان هذه الاصلاحات، بالإضافة إلى كونها شكلية، فهي ليست سوى محاولة بائسة لإقناع الناس المنتفضة بالعودة إلى بيوتهم، وليس كما صوّرها البعض بأنها البوابة التي تؤدي إلى الجنة التي "تفيض لبنا وعسلا". فإقالة نواب لرئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء، أو عمل "ريجيم" للحكومة، أو تقليل حمايات، أو تخفيض رواتب، لن توفر، حسب احصائية الحكومة، سوى مئات الملايين من الدولارات، وهذه لا تعادل نفقات قادة الأحزاب الحاكمة لمدة شهر واحد.
ومعلوم أن الحكومات السابقة قد تجاوزت وارداتها خلال السنين الماضية أكثر من ترليون دولار، ومع ذلك لم تكلف نفسها ببناء محطة كهرباء فاعلة، أو توفر ماء صالح للشرب، أو حتى بناء مدرسة أو شارع.
لو توقفت مهزلة اصلاحات العبادي عند هذا الحد لهان الأمر، ومنينا النفس بانتظار اصلاحات أخرى، لكن المصيبة تكمن بأن العبادي لم يلجأ إلى هذه الاصلاحات كمقدمة لإنهاء معاناة الشعب العراقي، وإنما لجأ إليها بسبب عجزه عن استخدام القوة العسكرية لإنهاء الانتفاضة.
ومرد هذا العجز يعود إلى فقدان العبادي أي مبرر، أو حتى ذريعة واهية لاستخدام القوة، كالتي امتلكها المالكي ضد الانتفاضات التي قامت بعهده، بصرف النظر عن عدم مشروعيتها.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن العبادي لا يستطيع اتهام الانتفاضة بأنها تمثل اجندات خارجية، لأن الانتفاضة قامت على اكتاف الناس في المدن الجنوبية، وهم أهله ومن مذهبه بلغة الاحتلال الدارجة، وهو لا يستطيع وصف الانتفاضة بالوهابية او التكفيرية أو الداعشية، كونها نالت تأييد المرجعية الدينية، بصرف النظر إذا كانت مجبرة أو مختارة، وشعارات الانتفاضة جسدت الوحدة الوطنية تحت راية العلم العراقي.
وبالتالي لا يمكنه وصفها بأحفاد معاوية أو ابنه يزيد.، والانتفاضة ليس لديها مخيمات في الصحراء حتى تتهم بأنها مقرات لتنظيم القاعدة ومخابيء للسلاح.
أما إذا تجرأ العبادي وتجاوز كل هذه المبررات واعتبرها غير ضرورية لقمع الانتفاضة، فإنه سيصطدم بجدار الانتفاضة المحصن، فهي رغم فترتها الزمنية القصيرة، قد شكلت ظاهرة نضالية متميزة لدى الجماهير، وفجّرت كل الامكانات الثورية والإبداعية لديهم، وأظهرت وحدة الشعب العراقي بأجمل صورها، بعد أن دنسها المرتزقة وأصحاب النفوس الضعيفة، كما أثبتت ولاء الفرد العراقي للوطن وليس للطائفة أو العرق أو الدين أو الحزب.
ليس هذا فحسب، وإنما أصبح لدى الناس الاستعداد للدفاع عن حقوقهم المشروعة مهما كانت التضحيات، باختصار شديد جدا جدا جدا، لو كان بإمكان العبادي استخدام القوة العسكرية ضد الانتفاضة في جمعتها الأولى لفعلها دون تردد ليفوز برضى مراجعه المحلية والأجنبية.
هل يعني ذلك استبعاد حكومة العبادي لخيار القوة العسكرية نهائيا، والسير باتجاه تلبية مطالب الانتفاضة؟ أم أنه لن يستسلم وسيعمل على خلق المبررات والظروف الملائمة، التي تمكنه من استخدام القوة العسكرية في الوقت المناسب؟. بعبارة أخرى، هل من مصلحة حكومة العبادي تحقيق مطالب الانتفاضة؟ أم استخدام القوة ضدها؟.
لكي لا نزعج مرتزقة وأحباب "القائد المنتظر" حيدر العبادي، والذين كانوا بالأمس القريب مرتزقة وأحباب "مختار العصر" نوري المالكي، سنعتبر حكومة العبادي مستقلة ومنتخبة ولا سلطان لأحد عليها، وهذا يفرض عليها الدفاع عن شرعية وجودها، شأنها شأن كل الحكومات في عالمنا العربي التي تعتبر نفسها كذلك.
والدفاع عن النفس يقتضي بالضرورة صدّ كل خطر محدق بهان ومطالب الانتفاضة المعلنة لحد الآن، في حال القبول بها، ستشكل خطرا جسيما عليها، أليس كذلك؟، وإلا ماذا يعني مطلب محاسبة كل مفسد، وأعضاء الحكومة والبرلمان كلهم مفسدين؟.
كيف تقبل الحكومة بتطهير القضاء، وهو غطائهم والمتستر عليهم؟ وكيف توافق الحكومة بدولة مدنية علمانية تحقق العدالة الاجتماعية وأعضاءها تقاسموا المناصب على أُسس طائفية وعرقية؟ وكيف ترتضي بفصل الدين عن الدولة، والأحزاب الحاكمة كلها تتبرقع بعباءة الدين؟ أليست هذه المطالب كافية لأن تؤدي بالضرورة إلى إسقاط الحكومة وبرلمانها وعمليتها السياسية برمتها؟.
إذا كان هذا الاستنتاج صحيحا، فإن خيار استخدام القوة هو الذي سيجري عليه العمل من قبل الحكومة لإنقاذ نفسها من السقوط، بل إن العمل قد بدأ فعلا وبقوة، هنا بيت القصيد ومربط الفرس من هذا الاستطراد كله، فمكائن وآلات انتاج المبررات المطلوبة، تدور على مدار الساعة.
فمن جهة وظّفت الحكومة إعلامها باتجاه تضخيم الاصلاحات والنفخ فيها وتلوينها وتزويقها وتجميل قناعها، ليجري الوصول إلى النتيجة التالية، اذهبوا إلى بيوتكم ودعوا الرجل، أو الدكتور، أو الحمل الوديع، حيدر العبادي يعمل بهدوء، حيث الاصلاحات المطلوبة تحتاج إلى وقت طويل لتلبيتها، وبعكسه تكون الانتفاضة قد خرجت عن مسارها وباتت تستحق العقاب.
من جهة ثانية، بدأ الحديث عن المندسين والمغرضين وأعداء العملية السياسية، وتجسيد مخاطرهم على الانتفاضة البريئة، وسرد الروايات عن نجاحهم في اختراق صفوف المنتفضين وحرف توجهاتهم السلمية ودفعهم إلى تصعيد مطالبهم وتشجيعهم على خلق الفوضى، الأمر الذي يعطي الحق للحكومة في الدفاع عن نفسها باستخدام القوة العسكرية ضد المندسين والمخربين !!!.
من جهة ثالثة، بدأ العزف على ذات الاسطوانة المشروخة المتمثلة بالعدو الخارجي، أو مقولة الذئب خلف الباب، الأمر الذي يتطلب وقف الانتفاضة والاكتفاء بما تحقق تحسبا من صدامات تفسح المجال أمام داعش للدخول إلى بغداد وكربلاء والنجف، بالضبط نفس الذريعة التي استخدمها الحكام العرب لإسكات شعوبهم، ولكن بمصطلحات أخرى، من قبيل لا صوت يعلوا على صوت المعركة.
بالمقابل وعلى الجهة الأخرى، أخذ اتباع الحكومة ومنظروها، وأقلامها المأجورة، والذين يعيشون على فتات موائدها، بممارسة واجباتهم المعهودة، ولكن باتجاه آخر يكمل ترهات الحكومة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، طالب هؤلاء المنتفضين باستخدام العقل والحكمة والتحلي بالصبر والقبول بسياسة الخطوة خطوة التي ينتهجها العبادي.
البعض الآخر راح يدخل الناس في متاهات لإشاعة اليأس في صفوف المنتفضين، فمنهم من يقول المشكلة ليست بالاحتلال أو الحكومة، وإنما المشكلة في الشعب، يا للعجب، وآخر يدعي المشكلة في الدستور، اكتشاف مذهل، وإذا لم يتغير كذا وكذا فلا فائدة ترتجى، والثالث ينسبها للقضاء، والرابع إلى مجلس النواب وهكذا، في حين أن كل هذه المفردات هي أركان أي نظام، وما لم يتغير النظام لن يتغير شيء. يا سادة يا لئام.
مهلا يا جماعة " ما هو البديل"، قلنا ونقول وقد أتثبتت التجارب صحة قولنا، والذي لخصناه مرات عديدة، البديل هو الانتفاضة ثم الانتفاضة ثم الانتفاضة، ولا شيء آخر غير الانتفاضة، فلقد جرّب العراقيون العملية السياسية، وجرّبوا الانتخابات، وجرّبوا الانتظار، وجرّبوا التوسل والاستجداء وتحملوا وجاعوا ولم يأت الفرج، فعلى العكس من ذلك، فكلما ذهب رئيس أو نائب أو قاضي أتى الأسوأ منه، وكلما ترجوا خيرا بالانتخابات القادمة جاءت نتائجها أسوأ بكثير من سابقاتها، وكلما ذهب حرامي مختص بسرقة الألوف من الدولارات، جاء الخلف ليختص بسرقة الملايين، وخلف الخلف اختص بالمليارات، والقائمة بهذا الخصوص طويلة ومؤلمة.
الانتفاضة حق مشروع للشعوب ضد الظلم والفساد، سواء كانت سلمية أو مسلحة، وهي ليست ابتكارا عراقيا، إنها عمل انساني حظي باحترام الدول المتحضرة وأقرتها القوانين الوضعية والسماوية، والانتفاضة لا تعني إطلاقا دعوة للاقتتال بين أبناء الشعب، أو بين طوائفه وتياراته المختلفة، وإنما هي دعوة لنيل المطالب المشروعة للناس، وأي اعتراض على هذا الحق هي اعتراضات باطلة، أو في أحسن الأحوال كلمة حق يراد بها باطل، فدماء العراقيين ستظل تسيل بوسائل متعددة في حال استمرار العبادي بالحكم أو من يخلفه.
والشعب العراقي ليس الوحيد بين شعوب العالم الذي ينال حقوقه بالقوة، خاصة إذا كانت القوة وتكاليفها تعادل عودة الوطن إلى أهله وإدارته من قبل أبنائه المخلصين وتوظيف ثرواته لصالح أجياله المتتابعة، ألم يخبرنا الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: " إني لأعجب من انسان يجوع ولا يسلّ سيفه".
على هذا الأساس فإنه لا خيار أمامنا سوى دعم الانتفاضة وإسنادها ومطالبة كل العراقيين وفي جميع المحافظات العراقية أن تهب للمشاركة فيها، وخاصة المحافظات الغربية التي آن الأوان ليزحف أهاليها إلى بغداد وتلتقي كل الجموع هناك، ولكي لا تضيع هذه الفرصة التاريخية لإنقاذ العراق وأهله.
على المنتفضين رفض المساومات الرخيصة، أو المماطلة والتسويف، أو الوقوع في فخ الانتظار، لأن ذلك يمنح الحكومة التي بيدها عناصر القوة وقتا كافيا لترتيب أوراقها والوقوف على رجلها وشن هجومها على الانتفاضة واستخدامها للسلاح بكل أنواعه، بمعنى آخر أكثر وضوحا، فإن الانتفاضة إذا لم تحسم هذه المماطلة والتسويف، فإنها ستواجه نفس المصير المؤسف الذي واجهته الانتفاضات السابقة لا سمح الله، أو تنتهي في أحسن الأحوال إلى القبول بإصلاحات تافهة لا تقدم ولا تؤخر.
ولكي نكون أكثر تحديدا فإن الانتفاضة مطالبة بالذهاب إلى عقر دار الحكومة والبرلمان واجبارهما على اختيار أحد أمرين، فإما القبول بجميع مطالب الانتفاضة ومحاسبة كل المفسدين والحرامية دون استثناء، أو الاستقالة ووضع أنفسهم تحت إمرة حكومة وطنية تقوم بتشكيلها قيادة الانتفاضة التي بإمكانها وضع برنامج فعلي لإقامة الدولة المدنية المنشودة.
التاريخ ليس كريما في منح الشعوب فرصها التاريخية
