لم يعد بالإمكان تغطية مظاهر الفساد المستشري في العراق بالرغم من عمليات التجميل التي كلفت مبالغ طائلة تم دفعها من قوت الشعب المسكين، بدءا بالرشاوى التي اعطيت لشركات الدعاية والاعلان بهدف تلميع صور المسؤلين في العملية السياسية، مرورا بشراء الذمم والاصوات قبل واثناء الانتخابات، وصولا الى تهديد المؤسسات الصحفية وملاحقة وتصفية كل من يقع على وثيقة تظهر قضايا الفساد التي تعج بها مؤسسات (العراق الجديد) كما اصطلح على تسميته بعد الاحتلال السافر.
ولم تستطع امريكا التي قادت الاحتلال الغاشم ان تعطي صورة مغايرة لما يجري في العراق من تدهور وفساد مفضوح، بالرغم من سيطرتها شبه التامة على المؤسسات والمنظومات العالمية والاممية، اذ ان منظمة الشفافية الدولیة وضعت العراق في المركز (170) دوليا، والمركز (16) عربيا في مؤشر الفساد لعام 2014.
ويبدو ان الثورات السابقة التي شهدها العراق (14 تموز عام 1958) و (17-30 تموز عام 1968) ارتبطت بموجات الحر التي كانت تجتاح الشوارع والازقة البغدادية وبقية المحافظات، فكان الصيف اللاهب يفجر غضب الشارع العراقي، واذا نظرنا اليوم الى مؤشرات الحرارة التي تجاوزت الـ (50) درجة مئوية، مع انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من (18) ساعة في اليوم، كلها فجرت هذا الشارع وأدت به للنزول الى ساحات التظاهر، واهمها ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد التي تشهد منذ 25 شباط عام 2011 مظاهرات تندد بآفة الفساد المستشرية في الوزارات والمؤسسات والدوائر الحكومية منذ ابتلاء العراق الجريح بالاحتلال الغاشم وحكوماته المتعاقبة، وجرائم الاختطاف والقتل على الهوية، والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان التي ترتكبها الاجهزة الحكومية وميليشياتها الطائفية، واستمرار الاعتقالات العشوائية التي طالت مئات الالاف من العراقيين الابرياء الذين ما زالوا يرزحون في السجون الحكومية سيئة الصيت، واليوم عادت هذه التظاهرات الشعبية الحاشدة من جديد التي ينادي المشاركون فيها بمحاسبة وطرد المفسدين، ويرفعون شعارات تندد بالذين يستخدمون الدين كغطاء لسرقة ثروات البلد وتمكين المجرمين من مقدراته، لكن الحكومة كعادتها لا تملك الا استخدام الحديد والنار لمواجهة الناطقين بالحق.
وازاء ذلك هناك سؤالا يطرح نفسه وهو: كيف سيكون رد فعل (حسين الشهرستاني) الذي وعد قبل سنتين بوصول العراق الى الاكتفاء الذاتي من التيار الكهربائي، وتصدير الفائض الى الخارج؟، وما هو جواب وزير الكهرباء الحالي (قاسم الفهداوي) الذي ورث تركة ثقيلة يحاول عدد من المسؤولين في حكومة (حيدر العبادي) تحميله مسؤولية فشل حكومات الاحتلال المتعاقبة في توفير الكهرباء للشعب العراقي.
وفي هذا السياق أكد (فائق الشيخ علي) عضو مجلس النواب الحالي عن التيار المدني الديمقراطي ان (نوري المالكي) نائب رئيس الجمهورية المقال يتحمل مسؤولية تبديد (27) مليار دولار كانت مخصصة لتحسين الطاقة الكهرباء اثناء توليه رئاسة حكومتين متعاقبتين .. موضحا ان (الفهداوي) لم يكن الا آخر واجهة في كواليس الفساد فذ هذه الوزارة.
وبعد ان فاحت رائحة الفساد في معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية واصبحت تزكم الانوف، اصدرت ما تسمى هيئة النزاهة في شهر تموز الماضي بيانا اكدت فيه ان عدد المتهمين المحالين الى القضاء بتهم الفساد المالي والاداري خلال الاشهر الخمسة الاولى من العام الحالي 2015، بلغ (1668) متهما، بينهم (15) وزيرا ومن هم بدرجته، و(122) متهماً من اصحاب الدرجات الخاصة والمدراء العامين ومن هم بدرجتهم، فضلا عن قرارات صدرت ضد مرشح الى مجلس النواب الحالي واربعة مرشحين الى مجالس المحافظات.
ونتيجة لتسارع الاحداث ومواصلة الضغط الشعبي المتصاعد من خلال التظاهرات الاحتجاجية، اضطرت هيئة النزاهة يوم الجمعة الماضي الى تعميم لوائح باسماء المتهمين بقضايا الفساد على المطارات والمنافذ الحدودية لمنعهم من الهروب خارج العراق، الا ان (نوري المالكي) وهو المجرم الاول والمطلوب للمحاكمة، قد تمكن من الفرار الى ايران، فيما تنوعت وجهات بقية المسؤولين وفقا لاستثمارتهم وجنسياتهم الاخرى، ليبقى الفساد ـ الذي يعد الانجاز الوحيد للاحتلال البغيض ـ ينخر في جسم العراق الجريح الذي ما زال شعبه المظلوم يكابد شظف العيش رغم امتلاكه ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم.
وكالات + الهيئة نت
س
