مبادرة وليست مشروعا هي السمة التي ميزت مبادرة هيئة علماء المسلمين في العراق، والتي نقرأ من خلالها ما بين السطور والذي لا يقل أهمية عما على السطور من معان أرادت الهيئة أن توصلها إلى المهتمين بالشأن العراقي من العراقيين والعرب وغيرهم.
المبادرة جاءت إيفاء لنية معقودة من سنوات ووعد سابق أطلقته الهيئة بعد أن تلقت طلبات عديدة وسمعت أمنيات وآمال في إطلاق مشروع وطني جامع للعراقيين.
لقد أرادت الهيئة بعقد مؤتمرها الصحفي الذي أطلقت من خلاله هذه المبادرة أن توصل رسائل عدة بعضها كان صريحا، وبعضها يحتاج إلى تحليل لفهم الرسالة، وبعضها يحتاج إلى نية سليمة وثقة بالهيئة وماضيها حتى يفهم السامع الرسالة وفحواها.
وبالإمكان أن نستنتج من إطلاق المبادرة الأمور التالية:
1- إن إطلاق المبادرة بمؤتمر صحفي تحضره القوى والشخصيات السياسية المعارضة للاحتلال وإفرازاته؛ أمر مقصود أرادت الهيئة من خلاله أن تقول إننا جميعا نتحمل مسئولية تحرير العراق وإعادة بناءه وهويته، وإن المقصود من الإعلان هو تحديد نقطة البداية وساعة الانطلاق لعمل مشترك للوصول إلى المشروع الجامع لإنقاذ العراق.
2- إن دعوة الهيئة الجميع للاجتماع والتشاور أعطى إشارة اطمئنان مهمة للأقليات العرقية والدينية أنهم متساوون مع باقي إخوانهم في الوطن، وإن مشاركتهم في هذه اللقاءات وتساويهم مع باقي مكونات الشعب العراقي كفيل بتهدئة مخاوفهم وطمأنتهم أنّ لهم مكانا في وطنهم الذي أراد الاحتلال ومن بعده أيتامه أن يحرموهم منه .
3- إن المحدد الأهم والجامع لهذه المبادرة أو أي عمل يتوافق عليه العراقيون هو رفض العملية السياسية الحالية بشكلها ومضمونها، والتي أوصلت العراق إلى ما هو عليه ، فقد بدأ الانهيار بالاحتلال الأمريكي ثم تلاه العبث والتدمير والفساد بالعملية السياسية والتي استلمت زمام الأمور من الاحتلال الأمريكي لتسلمه إلى الاحتلال الإيراني البغيض لتكون تابعة ذليلة له لا تخرج عن طوعه وأمره، وتسبح بحمده آناء الليل وأطراف النهار، فكان لا بد من الرفض ولا بد من طرح البديل فكانت المبادرة.
4- إن الأهداف التي تسعى لها مبادرة الهيئة أهداف سامية ونبيلة وهي في نفس الوقت كبيرة وصعبة، ولهذا وجب التنبيه إلى إنها تحتاج إلى عمل شاق وإخلاص للنوايا وتجرد من مطالب الذات إلى مصلحة الوطن ، فهذا الوطن الجريح يحتاج إلى تضحيات بالغالي والنفيس للمحافظة عليه وبنائه بالشكل الذي يكون صالحا ليعيش فيه أبناؤه بأمن وسلام ورفاهية.
5- إن المبادرة تقول: للعرب إنكم ورغم تخليكم عن العراق وابتعادكم عن الخوض في شأنه فنحن لن نتخلى عنكم، وندعوكم باسم الدين والعروبة أن تكونوا معنا حماية لأنفسكم ولجزء عزيز من أمة العرب، فلا يتصور أحد أنّ الأمة العربية بغير العراق أمة مكتملة ، فاذا كان العرب يمثلون حروف اللغة العربية فالعراق النقاط التي توضع على الحروف والتي بغيرها لا نجيد القراءة والكتابة.
وبعد ..
إنها إذن طاولة مستديرة تلك التي دعت إليها الهيئة إخوانها للجلوس عليها وبحث شأن الوطن، والاتفاق على مشروع يخلصه من محنته الشديدة، وهي تؤكد أيضا أنها رقم واحد مكمل لعدة أرقام تمثل القوى المناهضة لأعداء العراق، وإذا كانت قد بادرت في إطلاق البداية فهي تأمل من الجميع أن يسيروا إلى النهاية في إكمال المشروع الجامع وهي معهم في نفس خط السير لا تتقدم عليهم وبإذن الله لن تتأخر عنهم.
