هيئة علماء المسلمين في العراق

الأمل اللامع في مشروع العراق الجامع / جهاد بشير
الأمل اللامع في مشروع العراق الجامع / جهاد بشير الأمل اللامع في مشروع العراق الجامع / جهاد بشير

الأمل اللامع في مشروع العراق الجامع / جهاد بشير

أمواج الظلم والاضطهاد التي عصفت بالعراقيين لثلاث عشرة سنة حملت بين أحداثها عوارض خطر تهدد الأمّة على مستوى كيانها وعقيدتها وما تقتضيه هذه العقيدة من سلوك وآثار، وطال العبث تاريخها وتراثها وإرثها الفريد، بل وأمسى مستقبلها حبيس مخططات دُرِست بعناية غايتها التشويه والانحدار والتيه.


وقد كان العراق وما يزال نقطة الانطلاق المُثلى وفق المنظور الغربي المتمثل بمشاريع قوى الاحتلال الذي أعدّها في سبيل تحويل العوارض المذكورة آنفًا وغيرها مما يأتي ضمن منهجية غارة الغرب على العالم الإسلامي؛ إلى حقائق ووقائع ملموسة، فأخذ الاحتلال يرسم الخارطة مصغرة داخل العراق، تعمل ببطء نعم، لكنها قابلة للاتساع والانتشار السريع بمجرد اكتمال نصابها فيه لتشمل المنطقة كلها ثم تتعدى القطرية والإقليم حتى تطال الأمة أجمع.


وليست بخافية على أحد مجريات الأحداث التي ازدحم بها المشهد العراقي طوال العقد الماضي، والمقام هنا لا يسمح بإعادة الخوض في تفاصيلها، لأنها أصبحت من البداهة بمكان ما يجعلها من معالم المرحلة التي لا يعجز عن الإفصاح عن إدراكها إلا عدو يعمل على تفاقمها، أو منافق يصطنع الغفلة عنها.


 وفي وقت مبكّر جدًا من ولادة الأزمة، برز في العراق صوت قوي الوقع صادق القول ينطلق من ثوابت شرعية بتفرعاتها الأخرى من الوطنية والإنسانية والأخلاقية وغيرها؛ فكشف عن حقيقة ما يجري في ظل الاحتلال وخاصة ماهيّة العملية السياسية، واستشرف مستقبلها مستشهدًا بالنصوص تارة وبأحداث التاريخ تارة أخرى وبالواقع الشاهد الذي لا يغطى بغربال في الثالثة، كان هذا الصوت هو هيئة علماء المسلمين التي تبنّت مشروعًا للخلاص، بقيت ثابتة عليه على الرغم من كل المتغيرات التي عصفت بالساحة، وصمدت بوجه كل أنواع الهجمات التي جوبهت بها، فرسمت به خطوط الحل والخلاص في أكثر من مناسبة، حتى بذلت في سبيل ذلك كثيرًا مما هو غالٍ من الأرواح والطاقات، وأفنى جهابذة علمائها أعمارهم وصحّتهم في سبيل قضية آمنوا بها وهم في هذا الجهاد المتواصل، ولعل الشيخ طيّب الذكر الدكتور حارث الضاري -رحمه الله- في طليعة هذه النخبة، والتاريخ والضمير لا يجابهان عناءً لدى أولي الألباب في إثبات ذلك والشهادة عليه.


وعلى الرغم من أن كثيرًا من المشتغلين في السياسة من أفراد أو أحزاب أو برامج ممن ناصبوا العداء للهيئة بسبب تقاطع مشروعها المخلص مع مصالحهم الهامشية التي وعدهم بها الاحتلال أو ألقى له بشيء من فتاتها؛ باتوا يدركون جيدًا أن الهيئة لم تحد عن الحق مطلقًا في طروحاتها، ولاسيما بعدما ركلتهم العملية السياسية بعيدًا بسبب نفاد صلاحياتهم فأخذوا ينادون بما كانت تعلنه الهيئة قبل عقد من الزمان، فضلاً عن ثلة من المحللين المنصفين الذين اهتموا بالشأن العراقي من داخل البلاد أو خارجها وحكموا على مشرع هيئة العلماء بالصواب؛ إلا أن أحدًا لم يجرؤ على الاعتراف مؤخرًا وبشكل صريح بأن خلاص العراق الذي ينعكس بالضرورة على خلاص الأمة يمر عبر هذا المشروع.


 فرأت الهيئة فيما يبدو -وهي التي زخر تاريخها ومناقب علمائها بالتواضع ورفض الشهرة والتباهي- أن تعيد الكرّة بشكل جديد وثوب آخر، فأطلقت مبادرتها الأخيرة (مشروع العراق الجامع) لإيقاد جذوة في طريق الخلاص.


جاء مشروع (العراق الجامع) باعتباره الحل المناسب لإنقاذ العراق والمنطقة، في وقت مهم للغاية، بعدما تأكد لدى الجميع أن رؤية الهيئة الفذة للأحداث تختلف بالكلية عمّا يراه غيرها، إلى  جانب أحقية موقفها - تاريخيًا - الذي ثبتت عليه منذ احتلال البلاد في 2003م وحتى الآن في أن يُسمع وأن يُعمل به، لاسيما وأن هيئة العلماء كانت في تلك المدة تكافح بجميع طاقاتها في طرح مشروعها مغتنمة أية فرصة لا تتقاطع وثوابتها، على الرغم من التضييق الإعلامي الشديد المصاحب لموجة الهجوم الواسع  عليها والرامي إلى إسقاطها.


إن مبادرة مشروع العراق الجامع؛ جديرة بأن تُدرس بعناية ودقّة ووعي لكل مصطلح يرد فيها، ذلك أنها تتضمن خلاصة رؤية هيئة علماء المسلمين للأحداث من جهة، وتعطي فرص انتشال البلاد مما فيها زخمًا له تأثر واضح على المنطقة من جهة ثانية، وبالتالي فإن تجاهل هذه المبادرة من قبل الأطراف المعنية بها يعد بمثابة انتحار يودي بالأمة كلها قبل أن ينتهي من إزهاق العراق .


استعرضت المبادرة واقع العراق المر، وسلطت الأضواء على مراحل الثورات الثلاث التي أطلقها العراقيون تجاه العملية السياسية، مذكرة الجميع بالمشروع المقاوم الذي يعد الرقم الأصعب في القضية العراقية، وذلك لغاية تريدها، تتلخص في أن أي طرح للحل بعيدًا عن إرادة الجماهير سيكون فئويًا ومحدودًا إن لم يكن سلبيًا، ومن هنا يمكن القول إن الخطوة الأولى من المبادرة كانت تتمثل في رسم معالم الأرضية التي ينبغي أن تتم فيها.


ثم تناولت الواقع العراقي الجاري اليوم في ظل حرب ضروس ليس للشعب العراقي فيها أية مصلحة، بل العكس؛ فهو المتضرر الوحيد منها، ثم ربطت ذلك بطبيعة النظام السياسي القائم في العراق والذي يتحرك بمنظومة إيرانية أمريكية لا تمثل العراقيين بأي شكل من الأشكال، مؤكدة أن اجتثاث العملية السياسية التي تعد السبب الأساس في نشوب الحرب آنفة الذكر من شأنه أن يعطي فرصة حقيقية لبناء جديد كياناته محفوظة ووحدته وسيادته مصونة، فضلاً عن القضاء على بؤر الصراع التي تفاقمت في أرضه.. إن مدخل المبادرة بهذه الصيغة بحد ذاته، يُعد مشروعًا كبيرًا له آثار إصلاحية لخطوات واسعة المدى في طريق الخلاص ومسار البناء المنشود.


إن القارئ الحصيف لفحوى المبادرة ودواعيها؛ يدرك أنها تبلورت حول نقطة أساسية شخّصت فيها العلة الرئيسة للمشكلة العراقية، ألا وهي العملية السياسية وما يتعلق بها من دستور وحكومات ومشاريع ما انفكت معاولها تضرب بعنف فيما تبقى من أنقاض بناء العراق، إذ لم تكتفِ بتهديمه بل أحالت هذه الأنقاض ترابًا، وجعلت من بلاد الرافدين ذات الخيرات المشهود لها أرضًا يبابًا.


وحين تدرك العلة، يُفهم نوع العلاج الذي وصف لإزالتها، ومن هنا، أكّد مشروع العراق الجامع أنه لا يجد في أي طرف من أطراف هذه العملية شيئًا يؤهله ليكون جزءًا من الحل، وفي هذا السياق تقول المبادرة ما نصّه: "إن تجربة مداها أكثر من ثلاث عشرة سنة فشلت فيها وجوه العملية السياسية المختلفة: مبدأ وأشخاصا وتطبيقات، في إدارة شؤون العراق، وجلب الاستقرار له، والمحافظة على عناصر القوة فيه، حتى استحق عن جدارة وصفًا أطلقته بحقه منظمات دولية متخصصة، وهو: (الدولة الفاشلة)؛ لا يمكن بعد هذه التجربة المرة إقناع العالم أن هذه الوجوه نفسها ستنجح هذه المرة، إذا قدم لها المزيد من الدعم الدولي؛ فتجربة المجرب عقيمة، وأي حل ترقيعي يبقي قواعد اللعبة السياسية القائمة الآن كما هي، ويبقي السياسيين على خطاياهم وأخطائهم لن يكون ناجعاً بالمرة؛ وسيقود العراق والمنطقة إلى مزيد من الهاوية، وهذا ما يستدعي البحث عن مخرج سليم يضع الأمور في سياقها الطبيعي، والحقوق في أنصبتها، ويقطع دابر الفساد والدمار".


ولعل النص المقتبس من مبادرة الهيئة كفيل بتلخيص مطالبها، لكنه لا يغني عن الغوص في أعماقها، لأنها ليست مهمة فحسب، بل تتضمن قضايا كبرى ليست بيسيرة، وركزت على أن المهمة غير سهلة بالمرة بل تتطلب جهودًا متواصلة وآليات عمل رصينة الأمر الذي يوحي بأنها موجهة إلى المعنيين بمزاولة تفاصيلها بثوب جاد وهادف ميزته التجرد والحرص على الحق، لا كما يتصوره نفر من الذين أخضعوا عقولهم للهوى فأصبحوا حيارى بين ضياع القضية وتيه الأفكار.


وبعدما أفصحت هيئة علماء المسلمين عن داوعي مبادرتها؛ أخذت تفصّل في فحواها ومضمونها الذي يتألف من أربعة محاور رئيسة، وتسعى فيها إلى تحقيق أربعة أهداف أساسية، وذلك في إطار محددات رسمتها مستوحاة من ثوابتها الرصينة ورؤيتها المستندة إلى الواقع الذي يقاسيه العراق وترتد آثاره إلى عموم المنطقة، معربة عن أن "الهدف الأسمى للعراقيين جميعًا لا ينحصر في الضرب على أيدي المفسدين فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء مشروع عراقي حقيقي، يضع رؤية مستقبلية شاملة؛ تضمن بناء إرادة حرة للشعب العراقي، وتنقله من واقعه الحالي إلى واقع العمل السياسي الحر والمستقل..".


ولأن هيئة علماء المسلمين اتخذت من الصدق منهجا في طروحاتها سواء أثناء خطابها للشعب العراقي، أو في حال تقديم صيغة لإحدى بنود مشروعها على مدى العقد الماضي؛ فإنها لم تتجاوز منهجيتها وهي تطرح مبادرتها، لتكون بذلك شفّافة وواضحة أمام الجميع، بحيث لا يبقى عذر لمتحامل يبث حسده وغيظ قلبه، أو فاشل ليس له من حياته سوى الطرح الفوضوي والنقد غير المنهجي؛ لتؤكد مجددا بأن مهمة تطبيق المبادرة ليست سهلة، مذكرة بأن واقع العراق الحالي يعاني من احتلال إيراني غير معلن ناجم عن تدخل سافر وضار بمصالح البلد، ومسببا إرباكا للمنطقة، وإثارة لمخاوف دولها في الوقت نفسه، ووفقا لذلك حذرت مبادرة العراق الجامع من أي عملية لإيجاد صيغة تفاهم بين العراقيين، وتأسيس دولة عراقية مستقرة، فإن ثمة من سيضع دون إتمامها العقبات.


وبعد أن أوفت هيئة علماء المسلمين بعهدها لأهلها في العراق وإخوتها من أبناء الأمة جميعا، انطلاقا من المسؤولية الشرعية التي حملتها على عاتقها، تبقى للتاريخ كلمة من اللازم قولها؛ إن لم تحظَ هذه المبادرة باستجابة وتطبيق - بعد فشل كل الطروحات التي جيء بها بعناية دولية تسير بمحاذاة مشروع الاحتلال في العراق - فإن مستقر الهاوية سيكون المكان الأكثر ملائمة للأمة كلها، ليس لأنها تستحق ذلك، بل لأن نكوص أبنائها هو من قادها إلى هناك.


 


أضف تعليق