لعل أولى خطوات الفهم الصحيح في إدراك ما يُلقى إليك من أفكار أو مشاريع تكمن في التعرف إلى المرسِل ومن ثم فهم محتوى الرسالة ثم البحث عن جمهورها المستهدف (المرسَل إليه) وآلية تنفيذها وهل هي قابلة للنماء والبناء عليها؟.
أم أنها نقش على ماء أو استهلاك إعلامي يُراد به الإلهاء، ولا شك أن من يصدِّر مبادرته أو مشروعه برفض العملية السياسية الجارية في العراق التي أسس لها المحتل ورعاها ما بعد 2003م، لا يرمي من ورائها غايات خادعة ولا مشاريع وهمية لأنه ببساطة شديدة وضع نفسه أمام مشروع يريد سحقه فهو بهذا الطرح يتصدى له متدرعا بتجميع العراقيين على مشروع جامع؛ إنه يبادر إلى طرح الحل بتجرد من المصالح إلا المصلحة العراقية لتعود على كل العراقيين بالخير والصلاح ومحاربة الفساد وكشف الفاسدين.
ولعلي أستقي من توطئة مبادرة الهيئة ودواعيها التي وردت في نصها فهما فأقول: لو استقبل العراقيون من أمورهم ما استدبروه لما وجدوا أحكم ولا أصدق ولا أثبت من الثوابت التي أطلقتها هيئة علماء المسلمين منذ بداية انطلاقتها وحتى اليوم، فهي التي نادت بإخراج المحتل وكان يومها من يقول عن هذا الطلب إنه محض خيال لا نحلم بالوصول اليه ويطرحون كاذبين هرطقات التعامل والتعاون فيما كان آخرون يسمون الاحتلال بالحضاري وانه سيضع العراق في مصاف اليابان.
ألا وقد تحقق ما نادت به الهيئة بفضل الله ثم بضربات المقاومة العراقية التي أنهكت قوات الاحتلال فراحت مراكز قراره تبحث في ثنايا قوانينها عن الأسلوب الأمثل للخروج من ساحة القتل العراقية، ثم بدأ بعدها المدّعون بتغيير التسميات من قوات التحالف إلى قوات الاحتلال.
وتميزت الهيئة عن غيرها بجرأة الحكم على الأشياء وتسميتها بما هي عليه فكان بيانها السياسي المتميز عن مجلس الحكم ووصفته بما يستحق وكيف لا وهو المجلس التحاصصي الأول المعين من بول بريمر الحاكم الأمريكي المدني المنتدب لممارسة الحكم على مجموعة الأحزاب والشخصيات والجماعات التي ارتضت أن تكون أدوات في مشروع الاحتلال.
ولموقف الهيئة إزاء الدستور وكشفها عن مواطن ألغامه مفصل آخر يجب التوقف عنده فقد كانت أول من وضع النقاط على الحروف وطبعت في ذلك وثيقة أطلقت عليها مآخذ هيئة علماء المسلمين على الدستور وقد كان وقتها السوق السياسي والإعلامي يسير باتجاه مواصلة الخداع لإقراره وأنه سيكون فاتحة الخير على العراقيين وإذا به يأتي على وفق ما رأت الهيئة من نتائجه.
ألا وقد تبين للقاصي والداني ما فعله الدستور وما أسس له من مشكلات حتى بات مقروه يصيحون منه الغوث فضلا عن كاتبيه أنفسهم الذين باتوا يدعون لتغييره بعد أن أحكموا غلق التعديل بموانع يستحيل معها تحقيق أي تعديل.
المواقف كثيرة وهي بحق تستحق الوقوف عندها وتبيانها، لكننا اليوم أمام مفصل لانطلاقة جديدة بمرتكزات معروفة للعراقيين في وقت وصل فيه العراقيون جميعا إلى قناعة تامة وبوعي كامل أن العملية السياسية التي أنتجها الاحتلال الأمريكي وسيطر عليها الاحتلال الايراني ما هي إلا دوامة تحاول محركاتها المتمثلة بالأحزاب والميليشيات والتجمعات إدامة الصراع وصولا إلى ابتلاع العراق وإنهائه.
حين طالعت بنود المبادرة بعنوانها الكبير الأثير وجدت إجادة المُجيد في استخدام الألفاظ وتأثيث معانيها بأسلوب يجعلها في متناول القارئ العميق والمواطن الباحث عن حل في خضم أمواج متلاطمة من أجندات تتقاذفه بعيدا عن بر الأمان.
نعم لن يصل العراقيون إن تفكروا في المبادرة منفردين أو مجموعات إلى غير هذا الحل الذي جعل العراق هو الحل الجامع، فضلا عن تحديد وتحييد السبب في دمار العراق والعراقيين وهو أن هذا المشروع سيكون حصرا للعراقيين ممن لم ينخرطوا في عملية سياسية أنشأها المحتل أو من توابعها.
إن المبادرة حددت الجو العام الذي يملي على كل عراقي التفكر بحاله وحال العراق بعد أن وصل المدّعون أنفسهم ممن دخلوا مشروع الاحتلال بصفحته السياسية إلى انسداد الأفق السياسي وظهرت للعيان جبال مفاسدهم ودب الصراع فيما بينهم بعد أن أوصلوا العراق إلى الانهيار التام والإفلاس حتى اجتاحت التظاهرات المطالبة بالخدمات أولا وصعّدت مطالبها لتصل إلى إلغاء الدستور وإنهاء عمل مجلس النواب والهتافات الصريحة بالإطاحة بالطائفيين وكشف الفاسدين والمطالبة بمحاسبتهم.
من المؤكد أن المبادرة ليست انعكاسا سريعا لما حدث في الشارع العراقي اليوم فهي قد أعلن عنها قبل أكثر من شهرين وجرت خلال هذه المدة لقاءات وحوارات حتى تبلورت هذه المبادرة في شكلها الذي أعلنت فيه، والشارع انتفض قبيل إعلان المبادرة وهذا يؤكد أن القائمين على المبادرة على دراية تامة بما يجري على الشعب من مخططات وأن الشعب قد ضاق بمن تصدى للحكم وأورثه القتل والتهجير والإفلاس وانهيار الدولة.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وحدة الشعب العراقي نُخبه وعامته وأن العراق همّ العراقيين جميعا بكل أطيافهم وشرائحهم، وهذ الفهم المشترك يبعث رسالة إلى العالم الساكت على جرائم هذه العملية السياسية بتلك العصابات التي استحوذت على مقاليد الأمور أن سكوته إمعان في قتل العراقيين وأن الدفع بمواصلة دعم هذه العملية وإسنادها بعد كل هذه الجرائم لن يزيد الشعب العراقي إلا إصرارا في مواصلة ثورته على من سلبه حق الحياة بعد نهب ثرواته.
فالإصرار على حصر الصراع بين قوتين تتصارعان على أرض العراق والدفع بالعراقيين على خوض حروب عبثية بالوكالة لن يكتب له النجاح فهل بعد هذه السنوات العجاف التي دفع فاتورة القتل فيها أبناء العراق يُراد منهم المضي في الطريق المجرب الذي بانت فخاخه لكل المراقبين مع سلبهم ابسط مقومات الحياة.
إن مبادرة العراق الجامع كفيلة في منع وكف ووأد الصراع بين أبناء البلد الواحد بما تتيحه من برامج تضمن للجميع الاشتراك في بناء بلده وليس بأسلوب تحاصصي ظاهره الدفاع عن الطائفة والمذهب والمكون وباطنه بناء إقطاعيات حزبية وفئوية تعبّ من أموال العراق فيما لا يصيب المواطن البسيط غير مزيد من المآسي والآلام.
لو استعرضنا المحددات التي رسمتها مبادرة الهيئة بدءا من التمسك باستقلال العراق التام ووحدة أراضيه والمحافظة على هويته، و الالتزام بالنهج التعددي وحرية الرأي وفق آليات تحترم القيم والأعراف والتقاليد العراقية ولا تتعارض معها، ومن ثم استبعاد آليات الانتقام السياسي وفسح المجال للعدالة مع نشر الوعي بأن مأساة العراق ليست مأساة طيف أو عرق أو منطقة أو محافظة أو مكان بعينه والتذكير بأن الهوية العراقية وليدة الاعتزاز بالموقف والمهمة والتكليف، وليست منة من أحد أو نتيجة لتأثر بواقع حال أو ردة فعل ومن ثم تتويج هذه المحددات بفخر العراقيين باستلهام روح المقاومة، والانتفاضات والاعتصامات والثورات الشعبية؛ كل ذلك سيشكل تحديدا واضحا لمسار طريق العراقيين نحو التغيير والخلاص، تلك المحددات التي لم يكن لمنصف التوقف عندها إلا ويعدها دستورا هو محل توافق لدى جميع العراقيين.
ولعل توافق توقيت انطلاق مبادرة العراق الجامع مع تصاعد الغضب الشعبي العراقي يشكل نقطة انطلاق لطالما اشتاقها العراقيون بعد أن سئموا من المخططات والمشاريع الفئوية والتحاصصية التي تعد بشيء وتطبق خلافه فمن خلال محدداته التي لو كتب الله تعالى للقوى العراقية المعنية بهذه المبادرة أن تلتئم في إطارها الجمعي التنسيقي الذي قد يصل في بعض فقراته حد الانصهار في بوتقة عراقية من المؤكد سينبثق عنها خطاب جامع يجري على لسان حتى المواطن البسيط، فتكون ثقافة عامة ورأيا جامعا لكل العراقيين، بعد زوال المخاوف التي تراود بعض أطياف وتنوعات المجتمع العراقي من الآثار التي قد تنتج عن التغيير، فيقتنع الجميع بوجود البديل الذي كانت تشيطنه الإدارة الأمريكية وتولت كبرها فيه الحكومات المتعاقبة لهذا الاحتلال.
قدحت الهيئة بمبادرتها هذه الشرارة التي كان ينتظرها الكثيرون لاسيما أن هذه الرسالة تحمل في مقدمتها ووسطها وخاتمتها تطمينات من المرسِل وهو هنا ممثل بالهيئة والمرسَل إليه وهم جميع القوى الوطنية المناهضة لمشروع الاحتلال فرسمت بذلك طريقا لا يحيد عنه كل غيور على وطنه، وكل شريف يؤلمه ما يصيب أبناء بلده.
ولن تقف هذه الرسالة المرسلة من الهيئة عند حدود من أُرسِلت إليهم، وهم هنا القوى المناهضة للعملية السياسية، بل ستتعداهم إلى مساحة واسعة بوسع العراق إلى كل أبنائه بعد أن تتبلور هذه الأفكار وتنصهر لتخرج خطابا عراقيا يشمل العراقيين جميعا.
خاص بموقع الهيئة نت
