هيئة علماء المسلمين في العراق

مسلمو أستراليا .. والحفاظ على الهُوِيّة
مسلمو أستراليا .. والحفاظ على الهُوِيّة مسلمو أستراليا .. والحفاظ على الهُوِيّة

مسلمو أستراليا .. والحفاظ على الهُوِيّة

أكد الدكتور إبراهيم أبو محمد رئيس مركز الثقافة الإسلامية باستراليا ومدير إذاعة القرآن الكريم بسيدني أن هذه الإذاعة قد لعبت دوراً مؤثراً في حياة الجالية المسلمة باستراليا لدرجة أنها أحدثت تغييرات كلية في عشرات آلاف من أبناء الجالية نتيجة لاستماعهم للقرآن الكريم، مشيراً إلى أن الإذاعة تُوجّه لجميع فئات الجالية المسلمة في استراليا، مراعية التنوع بين أبناء الجالية ووجود نساء وأطفال وشيوخ، وأوضح د.

أبو محمد في حوار مع شبكة (الإسلام اليوم) أن هذه الإذاعة تبث (24) ساعة يومياً لجميع أنحاء استراليا، ويستمع إليها مسلمو جنوب شرق آسيا عن طريق الستالايت وفيها يستمعون للقرآن الكريم والسيرة النبوية والأخلاق النبوية بأسلوب مبسط وشائق يراعي الخصوصيات الثقافية للمستمعين، ونفى أبو محمد وجود أي قيود أو تعقيدات تؤثر على عمل إذاعة القرآن الكريم أو تدّخل الحكومة الاسترالية في عملها؛ فأي مادة محترمة لعالم محترم تجد طريقها للبث بصورة مباشرة حيث يعكس هذا الأمر مناخ الحرية التي تتمتع به استراليا، ولا تزال تتمتع به على الرغم من كل القيود التي فُرضت على المسلمين بعد أحداث الحادي عشر سبتمبر 2001، وتابع مدير إذاعة القرآن الكريم بسيدني التأكيد على أن قانون الإرهاب الجديد الذي أقرته حكومة (هوارد) يعد قانوناً جائراً ضد الجالية المسلمة؛ إذ وسّع من دائرة الاشتباه وفرض قيوداً على مؤسسات ومراكز ومدارس الجالية المسلمة، إلاّ أننا نستطيع تخفيف تداعيات هذا القانون بالتوافق مع المستجدات الجديدة، والاندماج الإيجابي في المجتمع بشكل لا يجعلنا مستهدفين أو موضع شبهات .. النص الكامل للحوار مع مدير إذاعة القرآن الكريم في سيدني في السطور التالية:

* هل لفضيلتكم أن تلقي لنا الضوء على إذاعة القرآن الكريم في سيدني وصيغة عملها؟
لقد تم تدشين هذه الإذاعة وتمويل عملية إنشائها من تبرعات أبناء الجالية المسلمة في استراليا وبصورة أكثر تحديداً من (5) أشخاص من أبناء الجالية، بمعنى أنه لم يُقدّم أي دعم عربي وإسلامي لتمويل إنشاء هذه الإذاعة التي تحولت إلى أهم منبر دعوي إسلامي، ووسيلة لزيادة وعي أبناء الجالية بدينهم الحنيف وتقديم معلومات بأسلوب شائق عن الثقافة الإسلامية في شتى مناحي الحياة، وتبث الإذاعة برامجها باللغتين العربية والإنجليزية، ونتمنى من الله أن يأتي اليوم الذي يصل فيه إرسال هذه الإذاعة لكل الآذان بمختلف لغات العالم، وتبث الإذاعة برامجها على مدار الـ (24) ساعة يومياً وتهدف البرامج التي نقدمها إلى تقديم صورة مبسطة للإسلام والقرآن الكريم الذي حوى بفضل الله تعالى أصول وقواعد العلوم النافعة؛ وعليه فإن إذاعة القرآن الكريم تقدم القرآن بأصوات كبار القراء في العالم الإسلامي وقصص الأنبياء باللغتين العربية والإنجليزية؛ بالإضافة إلى أصول العقيدة الإسلامية فضلاً عن تقديم عدد من البرامج والدعوية والفكرية والفقهية.

*  كيف تم جلب هذه المادة وما هي الفئات التي تخاطبها هذه الإذاعة؟
ما من شك أن هذه المادة متوافرة عبر وسائل عديدة، فهناك أشرطة وسيديهات لكبار قراء القرآن الكريم في عديد من دول العالم، ونستغل هذا الأمر في تجميع المادة ونبثها، وقد راعينا في هذا البث أن تكون موجهة للجميع خصوصاً النشء والسيدات والشيوخ المسنين والفئة الأخيرة تحظى باهتمام كبير من قبل الإذاعة؛ إذ راعينا وجود برامج ومواد تمتص آلامهم، وتساعد على إبقاء ارتباطهم بالله تعالى، وتبث الإذاعة برامجها منذ بدأت على مدار (24) ساعة، وتقسم الإذاعة نشاطها على (3) دورات برامجية كل دورة (3) أشهر، ونسعى لاستغلال كل دقيقة لتحقيق أهدافنا الدعوية حيث نقدم العقيدة والسيرة النبوية بأكثر من رؤية ونركز على الأخلاق الإسلامية.

رقابة ذاتية

*  في ظل تعرض المسلمين لمشاكل عديدة بعد أحداث سبتمبر .. هل انعكست هذه المشاكل على وضع إذاعة القرآن الكريم في استراليا؟
في بلد يتمتع الفرد فيه بحرية مطلقة؛ فلا مجال لضغوط أو قيود أو ما يُطلق عليه قائمة الممنوعات أو القائمة السوداء، كما نقول نحن في بلداننا العربية؛ فكل مادة علمية محترمة مسجلة لعالم محترم تأخذ طريقها إلى البث؛ غير أن هذا لا ينفي وجود ضوابط؛ فبالطبع هناك مواد لا تصلح للبيئة الاسترالية بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها أو شخصية المتحدث فيها، كما أن هناك شيئاً أحب أن أوضحه هو أنه لا علاقة للحكومة الاسترالية بهذه الإذاعة؛ فقد بلغت الجالية المسلمة سن الرشد، ونحن قادرون على ضبط أدائنا بشكل لا يجعلنا نخضع لرقابة أحد.

*  هل حققت هذه الإذاعة نجاحات ؟ وهل هناك نية لإنشاء قناة فضائية تعبر عن مسلمي استراليا؟
نعم .. لقد حققت الإذاعة نجاحات وهذا أمر بديهي؛ فالإنسان المسلم عندما يستمع للقرآن فلا شك أنه يعمل في النفس؛ لأنه كتاب الفطرة حتى لو كان الاستماع إليه بدون تفسير، وأقول لك مطمئنا: إن الإذاعة غيرت حياة أناس بنسبة (180) درجة، لدرجة أن الغالبية العظمى من مسلمي استراليا أصبحوا مدمنين لهذه الإذاعة مثل إدمانهم لاستنشاق الهواء؛ فهذه الإذاعة تغطي مدينة سيدني وجميع الولايات الاسترالية عن طريق الستالايت، ثم تمتد إلى جنوب شرق آسيا وأغلب بقاع العالم عبر موقعها على شبكة الإنترنت؛ أما الحديث عن قناة فضائية في هذا التوقيت فهذا لا يتجاوز مرحلة الأمنيات، وإذا خرجت الأمنيات عن طاقة الإنسان وقدرته فالنتيجة ستكون ضياع الممكن في طلب المستحيل؛ فنحن لم نتلق أي دعم ونعاني أزمة مالية شديدة لدرجة أننا ندفع أقل مستوى من الأجور؛ فمثلا ساعة الإعلامي في استراليا تقدر بـ (119) دولاراً، في حين ندفع نحن للإعلاميين العاملين معنا (10) دولارات في الساعة، وهم سعداء بهذا المبلغ الضئيل لإدراكهم أنهم يعملون في مؤسسة كالمسجد تماماً، ونحن من هذا المنبر الإسلامي المهم نناشد أثرياء المسلمين لتقديم دعم لهذه الإذاعة باعتبار هذا نوعاًمن الجهاد الإعلامي الذي يستحق البذل والجهاد في سبيل الله للحفاظ على الهوية الدينية لمسلمي استراليا.

أوضاع المسلمين في استراليا

*  ومن هذا المحور ننتقل إلى أوضاع المسلمين في استراليا الذين تعرضوا لضغوط شديدة في الأعوام الأخيرة..

لقد زاد العداء للجالية المسلمة في استراليا في السنوات الأخيرة، ولك أن تطلع على تصريحات رئيس الوزراء الاسترالي (جون هاورد9 ووزير خارجيته (إلكسندر دونر) لنكشف تزايد هذا العداء، وقد تصاعد هذا العداء بعد انضمام هذه القيادة إلى المحور الثلاثي المعادي للعروبة والإسلام "واشنطن ـ لندن ـ سيدني"، ولكن هذا العداء ليس عاماً أو متكاملاً؛ فهناك تعاطف شعبي من أغلبية الشعب الاسترالي مع هموم الجالية المسلمة على الرغم من الحملات الإعلامية الشديدة التي تبثها آلة الدعاية الصهيونية التي لم تنجح على الرغم جهودها في تشويه صورة المسلمين، ولك أن تتخيل كيف أُصيب الشعب الاسترالي في مصداقية قياداتهم السياسية التي دخلت الحرب ضد العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل والإرهاب فلم نجد أسلحة دمار شامل ولا إرهاب، وتحدثت عن الديمقراطية فإذا هي الإذلال والقهر والاحتلال.

*  لكن هذه الشعوب التي لا تثق في قياداتها هي التي دعمت استمرار بلير وبوش وهوارد في السلطة..

ببساطة لأن قضيتك وهمومك لا تعنيهم، و على الرغم من هذا فهم يتظاهرون أمام البيت الأبيض و(داونينج ستريت) في لندن ومقر رئيس الوزراء في سيدني ثم إن هناك موضوعاً آخر تجب إثارته وهو: لماذا نكلف الآخرين أن يهبوا للدفاع عنا إذا لم نقم نحن بهذا الأمر؛ فعالمنا الإسلامي رفع يديه تماماً بالتسليم والطاعة، فلماذا يدافع عنا الأوروبيون والأمريكان.

تعددية ثقافية ودينية

*  حذرت عديد من التقارير من ذوبان الجالية العربية والمسلمة في المجتمع الاسترالي بعد مطالبة الساسة الاستراليين بضرورة اقتناع أعضائها بالقيم الاسترالية..

هذه مبالغات، ولي أن أذكر لك أن 70 % من القيم الاسترالية تتفق مع تعاليم الإسلام، وإذا كان هناك هامش من القيم يخالف هذه التعاليم فلن يستطيع أحد أن يدفعك لتبني مواقف تخالف ثوابتك الدينية، أما عن الحديث عن الذوبان في المجتمع الاسترالي ففرية مخالفة للواقع؛ فالتعددية الثقافية والدينية هي ميزات مجانية لهذا المجتمع؛ بل أهم ما تميزها هي الحرية والتعددية وشعورك وأنت تقيم بها أنك حر وصادق حتى يثبت العكس، ثم إن التغييرات السياسية التي طرأت على المجتمع الاسترالي حدثت في معظم بقاع العالم ومنها البلاد العربية.

*  لم تتطرق في حديثك عن قانون الإرهاب الذي تبناه البرلمان في الفترة الأخيرة وخطورته على الجالية المسلمة..

لا شك أنه قانون جائر، ولكنه على الرغم من ذلك لن يطول رجلاً مسالماً، ونحن مطالبون بهذا الاندماج الإيجابي والتوافق مع القانون الاسترالي؛ فهذا القانون يحميك قبل أن يحمي غيرك. في هذه الحالة فعليك احترام القانون قبل أن تطالب الآخرين باحترامك.

*  تحدث الكثيرون عن العديد من النجاحات التي حققتها الجالية المسلمة في استراليا .. كيف تنظر إلى مستقبل هذه الجالية ؟

هناك مستقبل مطمئن لهذه الجالية، والمستقبل سيحمل مفاجآت لا أملك لا أنا ولا أنت التنبؤ بها، ولكني أعتقد أن مستقبلاً باهراً بانتظارنا مصداقا لقوله تعالى:(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)، وليس بالضرورة أن يكون هذا الظهور عسكرياً، وأن يتولى مسلم الحكم في استراليا، ولكنه ظهور ثقافي وأخلاقي وحضاري متميز، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

تعقيدات

*  لم تتحدث عن مشاكل وتحديات تواجه المسلمين في استراليا..

نعم . هناك تحديات كبيرة تواجه الجالية المسلمة والعربية في استرالية، وهي قضية تربية الأولاد وفقاً للهوية والعقيدة الإسلامية وأصولك الفكرية والثقافية، وتشكل تربية الأبناء همّاً كبيراً هناك؛ فالأطفال في المجتمع الاسترالي يحظون بحصانة ؛ فأنت لا تستطيع أن ترفع صوتك في ابنك الصغير، أو أن تتحدث معه مدرسته بأسلوب خشن؛ فليس أمامه إلا الضغط على رقم (53) حتى تصلك قوات الشرطة. المشكلة التي تواجه الأب المسلم أنه يعطي ابنه قيماً في البيت، غير أن هذه القيم تُواجه بتحديات كبيرة في الشارع والمدرسة؛ والإعلام يظهر الأب كمن يسبح ضد التيار، ونحن نسعى حالياً لكيلا نضع أنفسنا في هذا المربع لتربية أطفالنا بأسلوبنا دون أن يجر هذا الأمر متاعب جمة علينا.

معالجة عشوائية

* أزمة الرسوم المسيئة أثارت لغطاً كبيراً داخل العالم الإسلامي .. كيف نظرت إلى أسلوب التعاطي مع الأزمة؟
الدرس الأول لهذه الأزمة هو افتقاد المسلمين لجهة قادرة على إدارة الأزمات؛ فرد الفعل على الرسوم المسيئة على الرغم من أنه كان عشوائياً إلاّ أنه عكس غيرة شديدة على رسول الإنسانية محمد -صلى الله عليه وسلم- فهذه العشوائية كرست عجز قياداتنا السياسية وقدرتها على حشد إسلامي منظم، وأكدت أن الرسول الذي استطاع توحيد هذه الأمة في السابق هو الوحيد القادر على توحيدها حالياً، ولعل رد الفعل الجميل هذا لم يحدث لرجل في تاريخ البشرية حياً كان أو ميتاً.. فما بالك بأعظم الرجال، وقد عكست هذه الأزمة فضلاً عن ذلك مدى توغل العنصرية التي تحمله مجموعات معينة للإسلام، وكيف أغرى الضعف العربي والإسلامي سفهاء الغرب للإساءة إلى نبينا العظيم، ناهيك عن أن استمرار حالة الضعف والمهانة التي نحياها ستغري سفهاء الغرب للاستمرار في الحملة الضارية ضدنا؛ فنحن لن يحترمنا أحد إلا إذا أجبرناه على احترامنا .

عبد الرحمن أبو عوف 
الاسلام اليوم

أضف تعليق