الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
إن ثقافة أمتنا الإسلامية قائمة على ثوابت محكمة وعلى أصول ربانية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها فعلى هدي كتاب الله - تعالى -وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، قامت أعرق ثقافة في الوجود وحين نتمسك بهذه الأصول وتلك الثوابت لن نضل ولن نخزى.
إن القرآن العظيم نور للبشرية جمعاء ودستور أنزله رب الأرض والسماء إنه الأصل الذي يرجع إليه والنبع الذي تتفجر منه عيون الإيمان واليقين ومنهج حياة لمن أراد الفلاح والسعادة وسأتحدث في هذه الأسطر عن: " منهج القرآن الكريم في مواجهة التحديات الثقافية".
سائلاً المولى التسديد والإعانة، (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[1].
تعريف المنهج في اللغة والاصطلاح:
ورد في قواميس اللغة لكلمة (منهج) أنها تدل على الطريق الواضح المستقيم، قال ابن فارس: " النون والهاء والجيم أصلان متباينان الأول: النهج: الطريق، ونهج لي الأمر: أوضحه وهو مستقيم المنهاج والمنهج: الطريق أيضا.."[2]
وقال في الصحاح: " النهج: الطريق الواضح، وكذا المنهج والمنهاج، وأنهج الطريق أي استبان، وصار نهجا واضحا بينا، ونهجت الطريق إذا أبنته وأوضحته"[3]
تعريف المنهج في الاصطلاح:
" هو مجموعة الركائز والأسس المهمة التي توضح مسلك الفرد أو المجتمع أو الأمة لتحقيق الآثار التي يصبو إليها كل منهم"[4]
معنى التحدي لغةً واصطلاحاً
التحدي لغة:
التحدي لغةً بمعنى المباراة والمبارزة.
جاء في لسان العرب " تحديت فلانا إذا بارَيْتَه في فعل ونازَعْتَه الغلبة"،.... وهي الحديّا"[5]
قال عمرو بن كلثوم في معلقته متحديًا الناس جميعاً بمجد قومه وشرفهم:
حُدَيّا الناسِ كلِّهِمِ جَميعا *** مُقارَعَةً بَنِيهمْ عن بَنيِنا. [6]
التحدي اصطلاحا:
التحدي اصطلاحاً يتصل اتصالاً وثيقاً بالمعنى اللغوي فهو طلب الإتيان بالمثل على سبيل المنازعة والغلبة ويتحدد المثل تبعا لما يتحدى به.
فالتحدي بالقرآن طلب الإتيان بمثله. [7]
قال القاضي ابن الطيب: "وإنما احتيج في باب القرآن إلى التحدي لأن من الناس من لا يعرف كونه معجزا، فإنما يعرف أولا إعجازه بطريق؛ لأن الكلام المعجز لا يتميز من غيره بحروفه وصورته، وإنما يحتاج إلى علم وطريق يتوصل به إلى معرفة كونه معجزا، فإن كان لا يعرف بعضهم إعجازه، فيجب أن يعرف هذا، حتى يمكنه أن يستدل به، ومتى رأى أهل ذلك اللسان قد عجزوا عنه بأجمعهم مع التحدي إليه والتقريع به والتمكين منه صار حينئذ بمنزلة من رأى اليد البيضاء وانقلاب العصى ثعبانا تتلقف ما يأفكون... "[8]
آيات التحدي في القرآن
ويمكن القول بأن هذا التحدي كان أول مواجهة لتحدي ثقافي في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فزعم المشركون أن باستطاعتهم أن يأتوا بمثل القرآن الكريم وزعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختلقه فتحداهم الله أن يأتوا بمثله، وقرَّعهم بالعجز عن الإتيان- مع ما هم عليه من الأنفة والحمية- بما فيه من الآيات التي تبين أنه بلغتهم ومن جنس كلامهم فطالبهم أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو بمثل سورة …وتمر عليهم السنوات وتزداد الآيات وهم على عجزهم دائمون[9].
فتحداهم أولاً أن يأتوا بمثل هذا القرآن وذلك في قوله - عز وجل -: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ )[10]
فلما لم يستطيعوا تحداهم بعشر سور من مثله وذلك في قوله - عز وجل -: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[11]
ثم تنازل لهم إلى أن تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله وذلك في قوله - عز وجل -: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله)[12]
كما كرر هذا التحدي في قوله - عز وجل -: ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [13]
فسلك الله معهم أسلوب التدرج في التحدي فثبت عجزهم عن ذلك بل تحدى الله - عز وجل - الإنس والجن مجتمعين عن أن يأتوا بمثل القرآن، وهذا في قوله - عز وجل -: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا )[14]
وهكذا يقرر القرآن الكريم عجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن مهما بلغوا من العلم والمعرفة إلى يوم القيامة.
"وهذا التحدي لا علاقة له بترتيب الآيات من ناحية الأثر في قوة التحدي لأن القران كله قليله وكثيرة على حد سواء في الإعجاز فليس الآيتان بسورة أسهل من الإتيان بالقرآن كله فالتحدي في القرآن بالكيف لا بالكم وبالنوع لا بالمقدار فلا يهم إذا أن يكون التحدي بسورة جاء قبل التحدي بعشر سور أو قبل التحدي بالقراّن كله.
واستحالة المجيئ بمثل سورة من القران كاستحالة المجزئ بعشر سور واستحالة المجزئ بمثل القرآن كله على حد سواء فكل ذلك متعذر ولذا فلا اثر للاختلاف في ترتيب آيات التحدي ما دام لا يترتب عليه اثر في قوه التحدي، والعجز كان عن الإتيان بجنس القرآن لا المقدار"[15]
يقول الشيخ مناع القطان: "وعجز العرب عن معارضة القرآن مع توفر الدواعي عجز للغة العربية في ريعان شبابها، وعنفوان قوتها والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور ظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقائق العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره، وهذا ما أجمله القرآن، أو أشار إليه فصار القرآن بهذا معجزاً للإنسانية كافة". [16]
يقول "الماوردي" - رحمه الله - في عجز الأمم عن معارضة القرآن "وقد تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم تخرجهم أنفة التحدي وصبروا على نغص العجز مع شدة حميتهم وقوة أنفتهم وقد سفه أحلامهم وسبَّ أصنامهم ولو وجدوا إلى المعارضة سبيلاً وكان في مقدورهم داخلاً وقد جعله حجة لهم في رد رسالته لعارضوه ولما عدلوا عنـه إلى بذل نفوسهـم في قتاله وسفك دمائهم في محاربته. [17]
أهمية العلم الشرعي لمواجهة التحديات:
لقد جاءت النصوص القرآنية الكثيرة التي تؤكد أهمية العلم الشرعي وتبين منزلة أهله وفضلهم وعلو مكانتهم عند الله - تعالى - وعظيم نفعهم للناس وشد الحاجة إليهم ممايدل على هذه الأهمية والمكانة أن مادة (ع ل م) جاءت في القرآن الكريم في (789) موضعاً أما لفظ (العلم) فقد تكرر في القرآن الكريم (105)مواضع[18].
ومن تلك الآيات التي تبين أهمية العلم ما يلي:
قال - تعالى -: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). [19]
وقولة - تعالى -: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)[20]. والمعنى: أنهم لايستوون[21]
وقوله أيضاً: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا )[22]
وقوله - تعالى -: ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى? صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ )[23]
فالمتأمل في هذه الآيات وغيرها يتبين له بجلاء أن العلم يعصم أهله من الزيع والحيرة بعد توفيق الله- وان حملة العلم يحفظون للناس دينهم ويردونهم إلى الحق والهدى، وذلك شأنهم على مر العصور والدهور وهذا دورهم في مواجهة التحديات
فإن الله - عز وجل - أخبرنا عن حال العلماء الصادقين من أهل الكتاب وكيف هداهم علمهم إلى الحق والصواب، كما جاء في قوله - تعالى -: ( لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك [24])
ومثله ما جاء في قوله - عز وجل -: ( قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً.. )[25]الآية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن وحدثت البدع والفجور ووقع الشر فيهم "[26]
قال الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: "فكل أنواع الفتن لا سبيل للتخلص منها والنجاة منها إلا بالتفقه في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعرفة منهج سلف الأمة من الصحابة رضى الله عنهم ومن سلك سبيلهم من أئمة الإسلام ودعاة الهدى"[27]
وفي ظل التداعيات والمتغيرات المعاصرة، ومع كثرة الأحداث والمستجدات، وتوالي الفتن والأزمات، يقع الخلل وتضطرب المفاهيم وتتزعزع الثوابت وتحدث الحيرة لدى عامة الناس، وهذا حال الفتن التي أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وكيف أنها تدع الحلم حيراناً، وقال في شأن تغير القلوب بسببها: (( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)) [28]
ولا يعصم الناس ويحفظ لهم توازنهم ويثبت أفئدتهم بعد توفيق الله- إلا أهل العلم، ويكون ذلك بإرجاع الناس إلى أصول دينهم ومحكمات شريعتهم التي ضمن الله لها الحفظ والبقاء بقوله تعالى(: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )[29]
ولقد وجه القرآن الكريم إلى كشف زيف الأعداء وفضحهم، كما قال - تعالى -: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِين )[30]
والعداوة الحقيقية بينها الشارع الحكيم، فهو القائل - سبحانه -: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ )[31]
فقد ذكر لنا أن الأعداء الحقيقيين ثلاثة أصناف وهم:
1- الشيطان: قال - تعالى -: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)[32]
2- الكفار: قال - تعالى -: ( إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا)[33]
3- المنافقون: قال - تعالى -في شأنهم: ( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ )[34]
هؤلاء هم الأعداء حقيقة، وما عدا ذلك من العداوات الجانبية والخلافات الجزئية، ينبغي أن تأخذ حجمها الطبيعي، وألا تطغى على حياتنا، ولابد من معرفة فقه الخلاف وترتيب العداوات، وتأجيل كثير من الخلافات، حتى نحافظ على الأصول والأسس والثوابت التي بدأت تضعف لدى كثير من الناس، وهذه من مسؤولية العلماء[35].
أبرز التحديات الثقافية ومنهج القرآن في تقويمها:
لا شك أن المرحلة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم مرحلة عصيبة، تقف فيها على مفترق طرق، وتحيط بها المخاطر من كل مكان، ولعلي في هذا المبحث أشير باختصار إلى أبرز التحديات الثقافية والعقبات التي تواجهه الأمة لأن الحديث عنها يطول ولا يمكن لملمة جميع جوانبها في هذه الورقة لكن حسبي أن أشير إلى أهمها والله الموفق.
1- الهجوم على ثوابت الدين ومحكماته والتشكيك في أسسه ومسلماته من قبل أعداء الإسلام من الكفرة والمشركين ومن المنافقين والمغرضين مما لم تشهد الأمة له مثيلاً في سالف عصورها رغم ما مر على المسلمين من عصور الضعف وتكالب الأعداء واحتلال بلادهم إلا أن كيد أعدائها تركّز غالباً في الهجوم العسكري أو إحداث الفتن والقلاقل أو استغلال نقاط الخلاف بين المسلمين لإثارة العداوات وتأجيج الصراع كما فعل المنافقون وبعض من تلبس بالإسلام كعبدالله بن سبأ اليهودي ومن شاكله إلا أن الأمة تجاوزت تلك المحن العظيمة بعد توفيق الله لها- بفضل تمسكها بدينها ورجوعها إلى أصولها وثوابتها المحفوظة بحفظ الله لكتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ثم قيام علمائها من الصحابة وأتباعهم بواجبهم الشرعي في التصدي لذلك الكيد حتى رد الله كيد عدوهم.
لكن ما تواجهه الأمة اليوم من الكيد يستهدف إضعاف عقيدتها وتضييع هويتها وسلخها من مبادئها، لأن أعداء الإسلام فطنوا إلى السر في قوة المسلمين، وهو هذه العقيدة وتلك الثوابت التي لا تقبل المساومة لدى عامة الأمة فضلاً عن علمائها ومفكريها.
- ومن أمثلة هذه الكيد والتحدي ونماذجه المعاصرة:
* دعوى أن نصوص القرآن والسنة إنما جاءت لحل مشكلات مؤقتة وقد انتهت ولا سبيل إلى أعمال هذه النصوص في العصر الحاضر. [36]
* دعوى أن النص القرآني يحق لكل أحد يفسره ويفهمه بما يمليه عليه عقله وهواه، دون أي ضابط في ذلك.
"إن تعظيم الشعوب المسلمة للنصوص الشرعية هو مِن أقوى وسائل الحفاظ على هوية وثقافة هذه المجتمعات، وحين تتمكن اللصوصية الثقافية من كسر هذا السياج والدخول بعدها في عمق النص لممارسة العبث والتأويل للأحكام والمفاهيم الشرعية، فإن هذا مؤشِّرُ خَطَرٍ وبلاء سيحل بمفاهيم الناس وقيمهم من حيث لا يشعرون"[37].
* كذلك من أمثلة الكيد دعوى أنه لا فرق بين الإسلام وغيره من الأديان ولا ينبغي عداوة أهل الأديان الأخرى والدعوة إلى تقارب الأديان ونحوها.
* زعمهم أن تنحية الشريعة الإسلامية، وإحلال النظم الوضعية مكان حكم الله - تعالى -، كلياً أو جزئياً، أمر سائغ ويقبل النظر والاجتهاد.
إلى غير ذلك من الدعوات التفصيلية في المجالات الثقافية وغيرها، كالشبهات التي تطرح حول قضية المرأة أو الأحوال الشخصية أو الشؤون الاقتصادية ونحوها.
- ولقد عالج القرآن الكريم هذه الدعوات بمنهجه القويم بأن حذر أتباع هذا الدين من أولئك الذين يشكّكون ويتشككون ويبغون الفتنة في الدين وصرف الناس عن منهج رب العالمين فقد قال جل شأنه: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ)[38].
فهذه الآية الكريمة تبين بجلاء أن هناك محكمات ومسلمات وقطعيات لا تقبل الجدل ولا الخلاف وهي أصول هذا الدين وقواعده، وقد سماها الله - أم الكتاب-، كما أن هناك أموراً متشابهة وقضايا مسكوت عنها لحكمة يريدها الشارع ورحمة بالأمة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدوداَ فلا تعتدوها وحرّم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) [39].
أن دعاة الزيغ والضلال، يتتبعون هذا المتشابه طلباً للفتنة وإثارة للشبهات وتشكيكاً للناس في دينهم فكان لزماً التسلح بالعلم الشرعي للرد على باطلهم وإتباع المنهج الصحيح في إزالة كل شك وشبهة[40].
ويدخل في هذا الباب قضية الإلحاد الذي بدئنا وللأسف نسمع من بين أبناء جلدتنا من يتبنى ذلك والعياذ بالله[41].
إن من التحديات التي تعصف بعقول الشباب نظرية الشك وها هو القرآن يتعداها بمراحل ويقطع التفكير حولها فيقول: (أفي الله شك) سؤال استنكاري وتذكر نفس الآية الدليل العقلي على افتراض عدم وجوده فتقول: (فاطر السموات والأرض) ثم تنتقل به إلى خطاب إيماني حان: (يدعوكم ليغفر لكم).
(أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)[42]
لقد تحدى القرآن العقل البشري في ذباب، وإنه لسخف في العقل أن يشتغل بالشك في الله وقد تحداه بأقل من ذلك، لماذا لا تصرفوا هذه العقول والطاقات للإجابة على هذا التحدي ثم تنطلق إلى ما هو أوسع في السموات والأرض ثم الذات الإلهية - تعالى -الله عنهم لماذا لا تشتغل العقول بالذباب فإن عرفت حقيقته وخلقت مثله فهي مؤهلة للنظر فيما هو فوق ذلك: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لايَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)[43]
قال شيخ الإسلام "فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب والحمد لله الذي بعث فينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا الذي أنزل الكتاب تفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[44].
وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصا في عقله وسمعه ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)"[45]
2- كذلك من التحديات الثقافية:
الهجمة الشرسة من أعداء الإسلام على مقام نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -
وان كان هذا العنوان داخلا في التحدي السابق إلا أني أفردته لأهميته للواقع والحال فإن الهجوم المتكرِّر على مقام نبينا - صلى الله عليه وسلم - ليدلُّ على حقدٍ دفينٍ يكنُّه الغرب اللئيم تجاه المسلمين بل على خوفٍ عظيمٍ من انتشار الإسلام بين ربوعهم وكانت آخر الإساءات الموجهةِ للكيد والنيل من الإسلام والمسلمين تلك المتمثلة في الفيلم سيء الذكر الذي خرج تحت غطاء حرية التعبير زعموا! وليس هذا بجديد من الحاقدين على الدين ولا بمستغرب من أعداء المرسلين بل قد أخبر الله - سبحانه - في كتابه الكريم عن هذه السنة الماضية مع الرسل من قبلُ، فقال - سبحانه -: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ)[46]
"إن هذا الحقد الذي يغلق منافذ الهدى في القلوب هو الذي قاد المبطلين من قبل إلى الضلال إذ لم يروا في شخص النبي الأعظم إلا أنه محمد بن عبد الله يتيم أبي طالب دون أن يعنوا بالنظر فيما جاء به من دين كريم وقيم سامية وما تمتع به من أخلاق عالية وروحانية فياضة فكانوا ينظرون إليه - صلى الله عليه وسلم - بعين الازدراء والتصغير لشأنه؛ لأنهم كانوا لا يعرفون قدره، قال - تعالى -: ( وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا)[47] شاهدوه بأبصارهم لكنهم حجبوا عن رؤية حقيقته ببصائرهم وأغلقوا قلوبهم وعقولهم عن التفكر في مزاياه وخصائصه ودينه ومبادئه، على حد قول الله - تعالى -: ( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)[48]،
لهذا تعرض - صلى الله عليه وسلم - للإساءة من هذا الصنف في القديم والحديث، وهو تعرّض يسيء إلى فاعله ولا يسيء إلى صاحب الخلق العظيم والمقام الكريم على الإطلاق ولئن كان إقبال الناس قديما على الإيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - سببا لمزيد اشتعال الحقد في قلوب خصومه وأعدائه، فإن تزايد دخول الغربيين في دين الحق هو أيضا سبب لمزيد من الحقد على الإسلام ورسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم -"[49].
وها هو منهج القرآن في التعامل مع كل مستهزئ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي ليؤكد انه مهما بلغتم أيها الأعداء في الإساءة فقد كفى الله نبيه من الانتقام مهم فأي تشريف هذا وأي كرامة!!
يقول الله - عز وجل -: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)[50] " هذه الآية وإن كانت قد نزلت في رهط خمسة من قريش، إلا أن معناها عام في كل زمان ومكان.
قال المفسرون: الكفاية هي تولي الكافي مهام المكفي فمعنى الآية: كفيناك الانتقام منهم وإراحتك من استهزائهم وقد فعل - سبحانه -؛ فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومن سنة الله أن من لم يمكن المؤمنين أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله فإن الله - سبحانه - ينتقم منه لرسوله ويكفيه"[51] والتاريخ مليء بمشاهد كثيرة لعاقبة من سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس المقام لسردها.
* بل عقب - سبحانه - على هذه الآية بذكر وصف هؤلاء المستهزئين: (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[52] وهذا فيه تسلية للنبي - عليه الصلاة والسلام - وتهوين للخطب عليه بأنهم ما اقتصروا على الافتراء عليه بل قد افتروا على الله وهذا أشد وأعظم.
* ثم جاء الوعيد بعد ذلك: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وحُذف مفعول يعلمون تعظيما وتهويلا والمعنى معلوم: أي سوف يعلمون جزاء بهتانهم وبغيهم واستهزائهم.
وتأمل حرف التنفيس (فَسَوْفَ) يدلك على أن الحكمة تقتضي تأخير إنزال الوعيد وإمهالهم قليلا وهذا من نحو قوله - تعالى -: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)[53].
* ثم قال - سبحانه -: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ)[54]؛ فهو - عليه الصلاة والسلام -بحكم الجبلة الإنسانية- يضيق صدره باستهزائهم ومن يفدُّونه بأرواحهم ويحبونه أعظم من محبة الوالد والولد لا شك أنه تضيق صدورهم وتمتلئ غيظا كذلك باستهزائهم.
وتأمل قوله جل في علاه: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ) تجد فيه ما فيه من طمأنته - عليه الصلاة والسلام -، وطمأنة أمته من بعده؛ فالله يعلم ما كان منهم، وله في تقديره حكمة عظيمة.
ولو أنعم المسلمون النظر لرأوا عقيب كل محنة استهزاء وسخرية يمتحنون فيها وتتألم لها أفئدتهم - منحةً كبيرة، وفتحا عظيما، وذُلا للمشركين، (وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ)[55].
* ثم ختم - سبحانه - السياق والسورة بوصية عظيمة له - عليه الصلاة والسلام -وهي لأمته من بعده-: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)[56]: التسبيح والذكر، والسجود والصلاة، ومداومة الطاعة والثبات عليها - فبها دواء الفؤاد وشفاء الصدر، وهي -أيضا- من أسباب الانتقام من أولئك الفجرة، وفي النسائي بسند صحيح عنه - عليه الصلاة والسلام -: (( إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم)) [57] اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد[58].
3- كذلك من التحديات الثقافية: افتتان كثير من المسلمين بعدوّهم فيما يسمى بالحضارة الغربية وضياع الهوية!! مما أدى إلى انسلاخ بعضهم من دينه والتنكر لأحكامه وانبهار البعض الآخر بالتقنية والتكنولوجيا الحديثة التي يمتلكها الغرب فأصبح يتلقّى مع وسائل التقدم- المفاهيم والقيم والتقليد الأعمى حتى وإن كانت تصطدم مع مبادئ الشريعة وأحكامها وهذا التحدي من أخطر التحديات وأفتكها في كيان الأمة إذ ينتج عنه تمييع المفاهيم وتذويب القيم وضياع الهوية خصوصاً وأننا كأفراد نشعر أننا مغلوبون أمام الغرب القوي، كما أوضحه ابن خلدون حين لاحظ أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب.
إن التقليد تبعية والهوية الثقافية للعالم الإسلامي ليست موضوعاً نظرياً وإنما هي خصائص تتجلى في السلوك الواعي للأفراد والمجتمع.
لقد بدأ العالم الإسلامي يطرح تساؤلات عن هويته الثقافية، وهذه التساؤلات لها دلالتان: سلبية وإيجابية؛ فأما السلبية فهي شعور هذه المجتمعات بأن ملامح هويتهم الثقافية لم تعد واضحة في الأذهان، وأما الدلالة الإيجابية فهي محاولة هذه المجتمعات معرفة ملامح وخصائص هويتها الثقافية التي ينبغي أن تكون لتتمسك بها وترسخها لدى أصحابها وتربي الأجيال الناشئة عليها.
إن هذا التحدي خطير؛ لأن الأفراد والمجتمعات إذا لم تكن على وعي تام بهويتها الثقافية فإنها لن تكون على وعي تام بأهدافها وغاياتها، ولن تكون على وعي بالسلوك الأصوب الذي يحقق هذه الأهداف والحق أن المسؤولية في إعادة الوعي بالهوية الثقافية للعالم الإسلامي وترسيخه هي مسؤولية المجتمع بمعظم مؤسساته إن لم نقل كافتها. [59]
إن ما يقوم به للأسف أبناء الأمة أنفسهم نيابة عن عدوهم الخارجي بالانبهار بهذه الحضارة الغربية له أسبابه التي وضحها منهج القرآن الكريم محذراً لنا ومنذراً فمن أبرز أسبابه:
أ- " الهزيمة النفسية والشعور بالضعف والذلة، وبالتالي السعي إلى طلب العزة والمنعة من العدو القوي ولقد رد القرآن على هؤلاء بما جاء في قوله - عز وجل -: ( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [60]).
ب) التردد والتذبذب وضعف اليقين بمنهج هذا الدين وعدم التسليم لحكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والظن بأن ما عند أولئك الكفرة من العقائد والقيم والمفاهيم مقارب لما في ديننا أو يساويه، وعليه فيرى إمكانية الجمع والتوفيق بين المنهجين والسير على الطريقين ولسان حال هؤلاء يصوره القرآن الكريم في قوله - تعالى -: ( فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا )[61]
ج) التخوف من الخصم القوي مما يؤدي إلى المسارعة فيه ومحاولة كسب رضائه وهذا قريب من حال الذين قال الله فيهم: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ )[62]
إن هذا التحدي الثقافي الخطير يحتاج إلى الوعي بنصوص الكتاب والسنة والتمسك بهما فهما الملاذ والمخرج. [63]
4- كذلك من التحديات الثقافية: محاولة تهميش اللغة العربية
"اللغة وعاء الثقافات، فاللغة تشكّل تركيباً سطحياً دالاًّ على معانٍ عميقة، فأيُّ لغة قوم هي عبارة عن مفردات تعكس كمية من المعاني العميقة، فعندما تُستبدل بترجمة وعبارات من لغة أخرى فإنها لا تعكس نفس المعاني العميقة حتى ولو كان المقابل اللفظي واحد والترجمة صحيحة"[64]
ينبغي علينا أن ندرك أهمية اللغة العربية ومكانتها المرموقة خاصة وأنها هي اللغة التي أنزل الله بها كتابه الكريم وهي اللغة التي ندين بها الله - عز وجل - ونتقرب إليه بما شرع لنا بها فاللغة والدين أمران لا غنى لأحدهما عن الآخر ومن هنا رعى العلماء جنابها وضرورة الاعتزاز بها [65]
إن هذا التحدي في محاولة طمس اللغة العربية سواء من خلال اللهجة العاميه والعناية بها على سبيل لغة القرآن أو كذلك من خلال الأفلام والمسلسلات والرسوم المتحركة أوعن طريق الأجهزة التقنية والانبهار باللغة الغربية سواء كانت اللغة الانجليزية أو غيرها لهو تحدي لمحاولة طمس الهوية الإسلامية وللأسف أنك تجد من أبناء الإسلام من يتكلم العربية ويفخر أن يجعل بينها جمل من اللغة الانجليزية!! والحرص من بعض الآباء على تعلم أبنائهم اللغة الأجنبية على حساب اللغة العربية!! والله المستعان.
يقول ابن خلدون: " إن قوة اللغة في أمة ما، تعني استمرارية هذه الأمة بأخذ دورها بين بقية الأمم، لأن غلبة اللغة بغلبة أهلها ومنزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم".
والتحدي لها باعتبارها لغة القرآن ومصدر من مصادر الثقافة الإسلامية، وهذا التحدي يشمل العالم العربي والعالم الإسلامي غير العربي، والاعتزاز باللغة العربية وإتقانها هو أحد الأمور التي ترسخ الهوية الثقافية للعالم الإسلامي فضلاً عن كون اللغة العربية أحد الأدوات الرئيسة في الاجتهاد الفقهي والفكري[66].
ويكفي اللغة العربية فضلا أنها لغة القرآن الكريم، قال الله - تعالى -: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)[67]
قال ابن تيميّة - رحمه الله -: "فإنّ اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميّزون"[68].
وقال ابن قيّم الجوزيّة - رحمه الله -: "وإنّما يعرف فضل القرآن مَنْ عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها، ورسائلها"[69].
وقال ابن تيميّة - رحمه الله -: "وما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات وهو التكلّم بغير العربية إلاّ لحاجة، كما نصّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه. مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام"[70]
5- كذلك من التحديات الثقافية: تفرق المسلمين وكثرة اختلافهم[71] وهو تحدٍ صعب تواجهه الأمة المسلمة في عصرها الحاضر مصداقاً لقول نبيها - صلى الله عليه وسلم -): فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً([72]
ورغم أن الخلاف أمر كوني قدره الله بين الخلق وجعله سنة من سنن هذه الحياة، كما قال - تعالى -: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ )[73]
إلا أن من الخلاف ما هو سائغ ومقبول يؤجر عليه فاعله وهو ما كان في مسائل الاجتهاد التي ليس فيها نص قطعي محكم وهناك خلاف محرم مذموم وهو ما كان في أصل الدين ويؤدي الى افتراق الأمة وتقطع أمرها وهذا الذي جاءت النصوص بالتحذير منه وبيّن القرآن المنهج في ذلك كما قال - تعالى -: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[74] وقال - عز وجل -: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[75]
يقول صاحب أضواء البيان: "نهى الله - جل وعلا - المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع، مبيناً أنه سبب الفشل، وذهاب القوة، ونهى عن الفرقة أيضاً في مواضع أخر كقوله: ( واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) ونحوها من الآيات، وقوله في هذه الآية: ( وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي قوتكم، وقال بعض العلماء: نصركم، كما تقول العرب: الريح لفلان إذا كان غالباً، ومنه قوله:
إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل عاصفة سكون"[76]
هذا ما تيسر لي جمعه والوقوف عليه من التحديات الثقافية وبيان منهج القرآن في التعامل معها والأمل في التغلب عليها كبير ولا ينبغي للأمة الإسلامية أن تيأس: ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)[77]
فما كان من صواب فمن الله ذي النعم، وما سوى ذلك فمن نفسي الواقعة في اللمم وصلى الله على النبي الأكرم وعلى آله وصحبه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[2] سورة هود-88[1]
[2] معجم مقاييس اللغة-بن فارس-كتاب النون.
[3] مختار الصحاح-الرازي-ص: 681
[4] العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ومعالم منهجه الأصولي- مجلة البحوث الإسلامية-ع: 58-ص: 300
[5]- ابن منظور-لسان العرب، مادة حدا- (168).
[6] شرح المعلقات السبع- الزوزني- ص: 177- نقلاً عن: التحدي بالقرآن الكريم-د. محسن الخالدي-ص: 3
[7] - المرجع السابق-ص: 3
[8] إعجاز القرآن-الباقلاني-ص: 190.
[9]: التحدي بالقرآن الكريم-د. محسن الخالدي-ص: 15 (بتصرف)
[10] سورة الطور: آية: 33- 34
[11]سورة هود: 13 - 14
[12] سورة يونس:: 38
[13] سورة البقرة: 23 - 24
[14] سورة الإسراء: 88
[15] دراسات في علوم القران-د. فهد الرومي-ص: 271 (بتصرف).
[16] مباحث في علوم القرآن-مناع القطان- ص 274.
[17] أعلام النبوّة الماوردي-ص 71.
[18] انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن: ص 469 -480
[19] المجادلة - 11
[20] الزمر -9.
[21] انظر تفسير ابن كثير: 4/47.
[22] النساء -83.
[23] سبأ -6.
[24] النساء -162
[25] الإسراء-107.
[26] مجموع الفتاوى (17/310).
[27] نقلا عن: تهيئة النفوس لأحداث المستقبل-محمد المنجد-ص: 9
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وليد صقر المطيري
