يرى الخبيران الاستراتيجيان دانيالا بن يامين وستيفنز سيمون فى كتابهما الجديد التيار الجديد..خسارة الحرب ضد الإرهاب ، أن الولايات المتحدة بعد سنوات من وقوع الحدث الكبير فى 11 سبتمبر-ايلول 2001،
وبعد خوض حربين، لا تمتلك حتى الآن استراتيجية ناجعة لمواجهة أخطر أعدائها، وأن الطريقة التى اتبعتها الإدارة الأمريكية فى حربها ضد الإرهاب، أسفرت عن تحول مزيد من المسلمين إلى التعاطف مع الإسلام الراديكالي، وزيادة أعداد المنخرطين فى الحركات الجهادية .
وأصبحت السمة العامة التى يشترك فيها أغلب مسلمى العالم هى كراهية الولايات المتحدة وحلفائها.
ولذا، يبدأ المؤلفان مقدمة كتابهما بـ إننا نخسر .. تلميحاً بالقلق لعملية إرهابية كبيرة سوف تضرب الولايات المتحدة، نتيجة أخطاء عدة ارتكبتها فى تعاطيها مع أحداث الحادى عشر من سبتمبر-أيلول، وخياراتها السياسية والعسكرية منذ ذلك التاريخ.
ويرى بن يامين وسيمون أن الإدارة الأمريكية لا تبذل جهداً فى محاولة التوصل إلى رؤية شاملة لظاهرة الإسلام الراديكالي، وبدلاً من ذلك فإنها تستخدم مؤشرين لقياس التقدم الذى يحدث فى الحرب على الإرهاب، أولهما عدد الأيام التى مرت منذ الحادى عشر من سبتمبر-أيلول دون أن تتعرض الولايات المتحدة لهجمات إرهابية، والثانى عدد أعضاء تنظيم القاعدة الذين قتلوا أو تم إلقاء القبض عليهم. ويشير المؤلفان إلى أن تنظيم القاعدة قد تعرض بالفعل لضربات أثرت فى قوته، غير أن التركيز على فكرة العدد من قبل الإدارة الأمريكية يعطى انطباعا بالتركيز على الكم دون الكيف .
ويلفت المؤلفان النظر إلى أن الأخطاء التى ارتكبت قبل الحادى عشر من سبتمبر-أيلول، وتسببت فى حدوثها، يعاد ارتكابها فى الوقت الحالى .
وما تزال الإدارة الأمريكية تعتبر أن العمليات الإرهابية التى تنفذ خارج الولايات المتحدة لا تؤثر فى الأمن القومى الأمريكي، وما تزال تعتبر الدول المصدر الوحيد لتهديد الأمن القومى الأمريكي.
ويصف المؤلفان ذلك بأنه يمهد الطريق للهجمة القادمة ، و أننا "الأمريكيين" نقوم بإضرام النار ، فبغزو العراق تحولت الدولة التى عانت طويلاً إلى مركز للعمليات الجهادية والمقاومة التى تقودها الجماعات الإسلامية المسلحة هناك. لقد أطحنا "الأمريكيون" بأحد أعتى الأنظمة الدكتاتورية العلمانية فى العالم العربي، وهو نظام لم يتمكن الجهاد الإسلامى من اختراقه، وخلفنا وراءه ساحة مفتوحة للجهاد الإسلامى ليرتع فيها المتشددون من داخل العراق وخارجه.
لقد وجدت جماعات الإسلام المسلح فى العراق البديل المناسب لأفغانستان، وأصبح هذا البلد المنكوب معقلاً لها، ومقراً لمعسكرات تدريبها .
يحلل بن يامين وسيمون التفجيرات التى تعرضت لها مدريد فى مارس-آذار 2004، وما أسفرت عنه من إطاحة رئيس الوزراء الأسبانى خوسيه أزنار فى الانتخابات العامة بعد أن حاول تضليل شعبه.
ويشير المؤلفان إلى أن هذه العملية تمثل نموذجاً لتطور الأعمال الإرهابية، فهى أولاً تستخدم أسلوباً يختلف عن أسلوب الهجمات الانتحارية الذى تتبناه القاعدة ، إذ فجرت الأهداف عن بعد. كذلك كانت المدة اللازمة للتنفيذ والتخطيط قصيرة نسبياً، فلم تستغرق سوى ستة أشهر، فى حين أن تنظيم القاعدة نفسه احتاج إلى ست سنوات لينفذ عمليته الأولى فى شرق إفريقيا، وإلى سنتين ونصف السنة لينفذ هجمات سبتمبر-أيلول.
ويرى المؤلفان أن هناك حقائق مؤكدة فيما يتعلق بالتفجيرات، منها أن خلية مدريد ضمت رجالاً حولوا مشاعر الغضب التى اعترتهم إلى فعل، وتحولوا من مهاجرين عاديين فى إسبانيا إلى إرهابيين على درجة عالية من الفاعلية فى وقت قصير.
ويشرح ذلك طبيعة التهديدات القادمة، التى ستكون أشد خطورة وأكثر صعوبة فى مواجهتها.
يعتبر الكتاب أن ابن لادن قد خطا بفكرة الجهاد الإسلامى خطوة مهمة، حينما دعا إلى استهداف الولايات المتحدة وحلفائها، بعد أن كانت الأنظمة العربية الكافرة هى هدف الجماعات الجهادية فى مختلف الدول العربية والإسلامية.
وكانت أحداث سبتمبر-أيلول نقلة نوعية فى هذا الصدد، غير أن ابن لادن أخطأ التقدير، ولم يتوقع أن تقدم الولايات المتحدة على غزو أفغانستان بناء على الدروس المستفادة من التجربة السوفييتية، ولم يتوقع أن يكون الرد الأمريكى على هذا المستوى من الكفاءة والقوة.
ولكن على الرغم من الأرقام التى تعلنها الإدارة الأمريكية للتدليل على نجاحها فى احتواء خطر القاعدة ، وإعلان الرئيس بوش أن 75 بالمئة من قياداتها قتلوا أو اعتقلوا، فإنه لا يوجد دليل يذكر على صدق هذه الأرقام التى وصفت بأنها أرقام البيت الأبيض .
وعموماً فإن ابن لادن وأيمن الظواهرى طليقان حتى الآن، ولا يمكن لأى جهاز استخباراتى إدعاء امتلاكه معرفة كاملة بالتراتبية التنظيمية فى القاعدة قبل غزو أفغانستان 2001، وبعده.
إن الخلايا الإرهابية المعتمدة على ذاتها ، مثل خلية مدريد، أو الخلية التى نفذت تفجير سيناء فى أكتوبر-تشرين الأول 2004، قد نجحت فى تنفيذ عملها بدقة.
وإذا لم تكن هذه الخلايا قد تلقت مساعدات من الخارج، كما هو ظاهر حتى الآن، فإنها يمكن أن تتطور وتنسق عملها مع شبكات الإرهاب العالمية، مما سيزيد من خطرها.
والملاحظة التى يرصدها بن يامين وسيمون على هذه الخلايا أنها تنشأ فى دول توجد بها شبكات جهادية راسخة القدم وذات تاريخ طويل من العمل والنشاط، لكن هذه الخلايا تفضل العمل باستقلال حتى الآن.
ويضرب المؤلفان مثالاً على ذلك بباكستان، فقد أشارت التقارير الاستخباراتية إلى وجود أكثر من 12 جماعة وخلية تعمل باستقلال، على الرغم من وجود جماعات جهادية كبيرة مثل عسكر طيبة و حركة المجاهدين ، وهى جماعات كبيرة العدد وتمتلك مصادر واسعة للتمويل ومعسكرات للتدريب.
وهذه الخلايا التى نتشأ بالاعتماد على ذاتها تمثل تحدياً أكبر وأخطر للأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بسبب صغر حجمها وصعوبة تعقبها.
يورد المؤلفان خلاصة استطلاع للرأى أجراه مركز بيو البحثى العام 2003 حول الهوية الإسلامية، يشير إلى مدى تغلغل الإحساس بالانتماء إلى الإسلام فى الدول العربية والإسلامية التى أجرى فيها الاستطلاع.
وتظهر نتائج الاستطلاع، من جهة أخري، أن 80 بالمئة من مسلمى بريطانيا يعتبرون أنفسهم مسلمين أولاً وأخيراً .
وهذه الصحوة الدينية، كما يرى المؤلفان، جزء من صحوة دينية تشمل الديانات فى كل أنحاء العالم، ولا يستثنى منها إلا المجتمعات الغربية. وقد عمقت هذه الحقيقة من تأثير الشعور العدائى الذى تولد لدى المسلمين بتأثير ممارسات الولايات المتحدة فى حربها على الإرهاب ، وغزوها دولتين إسلاميتين واحتلالهما فى غضون عامين.
وأتاح ذلك قاعدة بشرية كبيرة مؤهلة للتجنيد وجدت فيها الجماعات الجهادية ضالتها.
وقدم التطور التكنولوجى خدمة كبيرة جداً للحركات الجهادية الإسلامية حول العالم؛ فقد تكفلت شبكة الإنترنت بتوفير الوسيلة الفعالة والآمنة والسهلة للربط بين الشبكات الجهادية.
ولم يكن لابن لادن أن يبث بياناته وأشرطته التحريضية إلى العالم كله من دون استخدام ذلك التطور التكنولوجي.
كذلك فقد سهل استخدام البريد الإلكترونى التواصل بين عناصر الجماعات الجهادية حول العالم، وتوصيل الخطط والأوامر والمهام من القيادة المركزية إلى قواعدها، وتوفير تقنيات تصنيع الأسلحة والمتفجرات والمهارات القتالية المختلفة.
وأصبح الإنترنت أيضا وسيلة لاجتذاب الأنصار والمتعاطفين والأعضاء العاملين من الشبان المتحمسين، وذلك عبر عدد من المواقع الإلكترونية التى أنشأتها الجماعات الجهادية.
وقد صممت هذه المواقع بصورة شديدة الجاذبية، حتى للأطفال الذين خصصت لهم رسوم كرتونية تحمل مضامين موجهة، مفادها أن غير المسلمين أغبياء وأشرار وقذرون. وتصور هذه الرسوم أطفالاً صغاراً يحملون السلاح لمواجهة هؤلاء الأعداء الكفرة.
وعلى الرغم من عدم وجود دراسات تفصيلية عن هذه المواقع فإن نظرة سريعة إلى موضوعاتها تكشف عن أن أفلام قطع الرقاب هى أكثر المواد انتشاراً على هذه المواقع، وأنها الأكثر من حيث عدد مرات التحميل التى تصل إلى ملايين المرات.
يعتبر المؤلفان أن هناك عمقاً استراتيجياً للإسلام الراديكالى وتنظيم القاعدة ، يتمثل فى الجماعات المحلية التى لم تنقل نشاطها خارج حدودها بعد.
ويهتم المؤلفان بالإسلاميين فى أوروبا، ويصفان الوضع من هذه الزاوية بأنه شديد الحرج ، إذ تضم أوروبا عدداً كبيراً من المسلمين، وفضلاً عن ذلك كانت القاعدة التى انطلق منها التجهيز والتخطيط لهجمات سبتمبر-أيلول. وجاءت تفجيرات مدريد لتزيد الإحساس بأن أوروبا هى الهدف التالى للولايات المتحدة.
وفى الحقيقة فإن المسلمين فى أوروبا يبدون تمسكاً كبيراً بهويتهم الإسلامية التى تفوق لديهم انتماءاتهم إلى البلدان التى يعيشون فيها ويحملون جنسياتها.
ويشعر كثير من مسلمى أوروبا بعدم الرضا عن وضعهم الاجتماعي، ويشيرون إلى تعرضهم لدرجات مختلفة من إساءة المعاملة ومشاعر العداء نتيجة اعتقاداتهم الدينية، وأن هذا الوضع ازداد سوءا منذ سبتمبر-أيلول 2001.
والمشكلة الأخطر أن هذا العداء لم يتخذ طابعاً شعبيا فحسب، بل انتقل إلى ممارسات بعض الحكومات، وظهرت تعليقات عدائية على لسان مسؤولين كبار، مثل سيلفيو برلسكونى رئيس الوزراء الإيطالي.
كذلك فقد نما تيار اليمين الأوروبى بصورة لافتة للنظر فى السنوات الأخيرة.
ويتوقع المؤلفان أن يتزايد التوتر بين الجاليات المسلمة والدول الأوروبية بفعل اشتداد حدة الأزمة الديموجرافية وتقلص عدد المسيحيين الأوروبيين مقابل ازدياد أعداد المسلمين بفعل الهجرات المستمرة وازدياد مستويات الخصوبة بين المسلمين الأوروبيين، التى تبلغ ثلاثة أضعاف نظيراتها عند مواطنيهم الأوروبيين. ومثل هذا التوتر سيكون بيئة مناسبة لانضمام كثير من العناصر إلى الجماعات والخلايا الراغبة فى تنفيذ أعمال إرهابية كبيرة، وسيكون هناك رصيد كبير لدعاوى العنف والخلايا التى تنتظر لحظة مناسبة للهجوم.
وعلى الناحية الأخرى من الأطلسى فإن مسلمى الولايات المتحدة أكثر اندماجاً فى المجتمع الأمريكي، وانخراطا فى النشاط السياسى والاجتماعي، وأكثر رفضاً وكراهية لأسلوب الجماعات الإرهابية. وعلى الرغم من ذلك فإن الأجيال الشابة من مسلمى الولايات المتحدة أكثر تديناً مقارنة بآبائهم.
ووصف أحد الشبان المسلمين ذلك بقوله: أنا أكثر تديناً من والدي، فقد أتيح لى فرصة أن أختار فيما يتعلق بعقيدتى وإيماني. وقد اكتشفت الإسلام عندما انضممت إلى المعسكر الذى أقامه المسجد .
وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه نحو التدين اتخذ مسار التعريف بالإسلام وتوضيح وجهة النظر الإسلامية، وتقريب وجهات النظر بين الأمريكيين والإسلام، فإن هناك قدراً من الخطورة يكمن فى هذا التوجه، إذ يمكن فى ظروف خاصة أن يتحول الالتزام الدينى إلى تبن لأفكار متشددة ومتطرفة.
وهناك إشارات أولية إلى ذلك. وكلما زاد تهميش المسلمين الأمريكيين، فإن احتمالات توجههم إلى التشدد تصبح أكبر. وقد لاحظ كثير من المعنيين أن جهود دمج المسلمين التى كانت تسير بنجاح فى المجتمع الأمريكي، قد تلقت ضربة قاسية مع أحداث سبتمبر-أيلول.
بصورة عامة يؤكد المؤلفان أن الخطر كبير، وأن مقولة إن الولايات المتحدة تكسب الحرب على الإرهاب لا نصيب لها من الصحة، فقد تطورت قدرات الإرهابيين، ووسائلهم، وقدرتهم على استقطاب الأتباع والمؤيدين، بسبب سياسة الولايات المتحدة الخاطئة منذ أطلقت حربها على الإرهاب.
ويُرجع المؤلفان السبب فى ذلك إلى عجز الرئيس بوش ومسؤولى الإدارة الأمريكية عن فهم طبيعة وتوجهات التهديد الذى يمثله الإسلام الراديكالي، وإلى أخطائهم فى تحديد الأسلوب الملائم لمواجهته. ومن ثم فإن الولايات المتحدة التى سعت إلى الانتقام من الإرهاب وتدمير قدراته، أصبحت، بدلاً من ذلك، فى انتظار الهجمة القادمة .
وكالات
\"إننا نخسر\"الحرب ضد الإرهاب تخرج عن مسارها الصحيح- عمران بيضة
