هيئة علماء المسلمين في العراق

البصائر.. وموعد مع ذكريات الصمود والثبات / جهاد بشير
البصائر.. وموعد مع ذكريات الصمود والثبات / جهاد بشير البصائر.. وموعد مع ذكريات الصمود والثبات / جهاد بشير

البصائر.. وموعد مع ذكريات الصمود والثبات / جهاد بشير

اثنتا عشرة سنة خلت؛ ولم تُعرف في العراق رصانة فكرة كالتي تبنّتها جريدة البصائر.


 تلك الصحيفة التي امتازت برؤية نافذة أعيت كل أنواع التضييق التي جوبهت بها، وأذهلت جميع أصناف العوائق والـمطبّات التي أُريد لها أن تكون سببا بإسقاطها وبالتالي إسقاط كلمتها ومشروعها الذي يستنير بمشكاة المقاومة ويستدل ببوصلة الجهاد، ويقتبس من ورثة الأنبياء من أهل العلم الشرعي في هيئة علماء المسلمين.


أبصرت البصائر النور في الثاني من شهر آب/أغسطس سنة 2003م ولم يكن قد مضى على احتلال العراق سوى بضعة أسابيع، لتكون بذلك صاحبة رقم قياسي شبيه بنظيره لدى مشروع المقاومة الذي فاجأ الجميع بإنجازه وسرعة انطلاقته، ما يعطي المشهد براعة استهلال تعكس التكامل والصلة الوثيقة بينهما، وهو ما تم تأكيده لاحقًا حينما فاضت أنوار بصائر الهيئة فأنارت طريق العراقيين وأبصرتهم بالكثير والوفير مما كان الاحتلال ومن معه يبذلون جهودًا مضنية لإخفائه عنهم.


صحيفة البصائر التي يتوافق عدد صفحاتها مع عمرها في هذه الذكرى؛ كانت كفيلة بتلبية حاجة شعب مقهور يحتاج أن يعرف ويطّلع على ما يُحاك ضد دينه وبلده وتاريخه وهويته وثرواته، ليشد أزره فيجدد ثقته بفرسان المقاومة الذين نذروا أرواحهم في سبيل الله وانتصارا لقضية آمنوا بها وفق منهج الله وفي ظلال دينه، فكانت أخبار  الجهاد في العراق وفلسطين تحتل مساحة كبيرة بين أعمدتها وفي ثنايا صفحاتها، بل كانت المقاومة بشكل عام هي قطب الرحى الذي تدور عليه البصائر والمعين الذين تنهل منه المقالات والتقارير أفكارها وقضاياها.


كان حال روّاد البصائر ـ وهم يترقبون يوم الأربعاء من كل أسبوع ـ كمن بلغ به الاشتياق مبلغًا للقيا حبيب أو مجالسة أنيس، كما كان الحال بعد صلاة الجمعة له ما يُميّزه، فما يبرح المصلون المساجد إلا وكل واحد منهم ظفر بنسخته من الجريدة أو حاول جاهدًا تحقيق ذلك، وكُنّا نراقب طوابيرهم وهي تمتد وأياديهم حين تتهافت على موزّعها فمن كتب الله له الحصول عليها يغادر المكان بوجه مشرق وعلى محيّاه ابتسامة تنتجها تعابير تشبه ما يعتري مَن خاض غمار معركة وخرج منها منتصرا؛ من نشوة فرح وشعور بالاستحواذ على المغنم.


لم تكن البصائر وحدها في الساحة، لكنها كانت الوحيدة التي تحظى بهذه المساحة الواسعة من الإقبال، ولم تكن كذلك إلا لتوافر ثلاثة عوامل فيها وتضافرها معا، تمثلت أولا؛ بتسليط الأضواء على مشروع الهيئة الذي حاول الكثير  ممن رضح لمشاريع الاحتلال أن يبعد الأنظار عنه لما فيه من حلول منطقية وبرامج تنتشل العراق من واقعه المرير الذي وجد نفسه بين لجج بحره الهائج لتقوده إلى بر الأمان وشاطئ الاطمئنان، وفي مقدمتها مشروع العراق الجامع الذي يهدف إلى تكوين دولة ذات نموذج للسلم الأهلي والتعايش السلمي، بعيدًا عن إملاءات الاحتلال وتعففًا عن استخدام أداوته المتسخة والمنتهية الصلاحية.


 أما العامل الآخر الذي أسهم في نضج فكرة البصائر، فهو مشروع المقاومة وأدبيات الممانعة الحقيقية، فإن السواد الأعظم من مقالات الصحيفة وتقاريرها ورصدها وإحصاءاتها كانت تصب في هذا الإطار، فضلا عن كونه حديث الشارع واهتمام المواطن العراقي لاسيما وأن المقاومة بلغت ذروتها على صعيد العمليات أو التثقيف والأدبيات في منتصف العقد الماضي.


 وكان هذا العامل متجانسا إلى حد كبير جدا مع نظيره الثالث الذي كان ينطلق من قضايا تربوية وأفكار متلاقحة سعت البصائر إلى إيصالها بالضمن أحيانًا وبالتصريح أحيان أخرى، ومن يتابع إرشيف الجريدة اليوم ويطلع على خمسة أعداد متسلسلة ـ على سبيل المثال ـ يجد ذلك جليا وواضحا كأنه قمر في ليلة من الليالي البيض.


إن المنظومة الفكرية لجريدة البصائر كانت فريدة من نوعها، فقلما تجد صحيفة تستثمر واقعا؛ لتربي جيلا وتقوي عزيمة لتشد أزرا، وتشرح مشروعا يفضي إلى خلاص وتحرير في آن واحد، رغم أنه واقع مرير يطغى اللون الرمادي على مشهده، وتتضاءل أضواء الأمل فيه إلى حد التلاشي لدى كثير من الناس، وحيث يؤسف كثيرا أنك ترى صُحفا بِكَم كبير تصدر في قلب محنة العراق ولا تؤدي رسالة إصلاح أو تروج لقضية  متزنة، بل كل اهتمامها منصب بين أخبار حزبية تروج للعملية السياسية وتحاول تجميل صورتها البشعة، وتقارير هلامية لا تجد لها مكانا حقيقيا على أرض الواقع، إلى جانب مساحات ليست بالضئيلة غايتها نشر الفساد وقطع أواصر الربط بين المجتمع ودينه وأخلاقه.


ومن هنا كانت البصائر تخوض حربا على جبهات عدة، قد تبدو من المنظور المادي معارك غير متكافئة، لكنها وعلى الرغم من تواضع سلاحها قياسا إلى أسلحة خصومها؛ حققت انتصارات وكسبت مواقف في كثير من المواجهات.


 لقد آمنت البصائر بأن قوتها في فكرتها، وأن في أقلامها أسلحة نافذة تصيب الخصم وتؤذي العدو، وأن قضيتها درع متين شديد البأس طالما وقاها سهام الغدر  ورماحه المسمومة، فحازت الانتصارات تلو الأخرى، وكانت هذه الأخيرة بحد ذاتها سلاحا شديد البأس أصاب الاحتلال وأعمق فيه الجراح.


لم تكن الرسالة الإصلاحية للبصائر تروق لمشروع الاحتلال الذي جاء بحرب صليبية واضحة المعالم يروم فيها ما لا يخفى على لبيب أو ذي بصيرة، كما كان هذا حاله مع هيئة علماء المسلمين وجهادها الدؤوب وثباتها وصمودها على منهج المقاومة، ومناهضتها لمشاريع الاحتلال وفي مقدمتها العملية السياسية وما نتج عنها من ممارسات أودت باقتصاد العراق وخيراته، وأزهقت أرواح الملايين من أبنائه وزجت بمئات الآلاف منه في السجون والمعتقلات وجعلتهم أسارى التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الإبادة وغير ذلك من الممارسات التعسفية.


 فكان لا بد أن يُسخّر هذا الاحتلال حربه على نوافذ المقاومة ووسائل ترويج مشروعها والدعوة إليه والدفاع عنه.


بدأت الحرب على البصائر في وقت مبكر ودامت لأكثر من خمس سنوات بشكل متواصل، وتنوعت وسائلها ما بين مداهمة لمقرها واعتقال كوادرها، وتحطيم أجهزتها ومصادرة أموالها، وما بين التضييق على الهيئة وملاحقة شيوخها واعتقال واغتيال عدد منهم، وما بين تهديد المطابع وسيارات النقل، بل وصل التهديد في بعض الأحيان للمواطنين أنفسهم في حال اقتنائهم لهذه الصحيفة.


 وفي أثناء هذه الحرب لم تعرف البصائر المستحيل، فاستمرت وواصلت واستطاعت أن تتجاوز العقبات العظمى التي أسهمت بتوقف صدورها بعض الوقت، فعادت مشرقة مبهجة ترفع رايتها وتتغنى بألحان الثبات والصمود.


ولسنا نبالغ أبدًا حين نقول؛ إن معجزات وعنايات إلهية كانت تصاحب البصائر في تلك السنوات، حتى أدت رسالتها ونجحت في بلوغ أهدافها، وطالما سمعتُ من القائمين عليها قصصا ترتدي حلّة الروعة ويؤطرها الإبهار، تتحدث عن مغامرات ومواقف لن يقوى على تجاوزها إلا شجاع همام ذو قلب مؤمن وعقل حكيم، ولعل ما جاء في كاتب (البصائر قصة جريدة وتاريخ تجربة) للأستاذ حارث الأزدي وفقه الله يحوي كثيرا من تلك القصص.


وإذ تحل ذكرى البصائر بعد عقد من الزمان تزيد عليه سنتان، فإن من حق هذا المنبر الفذ علينا، أن يكون حاضر الذكر بيننا، مستحق للشكر والثناء، فمناقبه جزيلة، ومواقفه جليلة، وليس له من نظير في مضمار اختصاصه ما يجعلنا نقارنه.


فسلام على البصائر يوم ظهرت، وسلام عليها يوم جاهدت فثبتت وصمدت، وسلام عليها حين تبصر النور مُجددا، لتضيء قلوبنا وتنير عقولنا وتكمل مسيرة التحرير والانتصار لتسهم في ارتقاء العراق إلى القمم.


خاص بموقع    الهيئة نت     والبصائر


أضف تعليق