حين يكتب الغياب حضورا على صفحات سفر يفتخر العراقيون الأصلاء بأنهم كتبته، يستغرق سفر المقاومة فصولا عديدة في كتابة مدونته عن قوة الكلمة.
فما هي القوة ومن هي الكلمة؟ وهل كل قوة قادرة على انتاج التغيير المنشود؟ وهل لكل كلمة القوة والقدرة على اجتياح ميادين الفعل الإنساني ؟ تلك أسئلة تنطرح في مقدمة الحديث عن صحيفة عراقية بدأت أولى خطواتها في الثاني من آب عام 2003م.
في العام الذي اجتاحت قوة الاحتلال الأمريكية العراق بذريعة وجود أسلحة الدمار الشامل ومن ثم نشر الحرية والديمقراطية ومن بعدها التبشير بجعل العراق نموذجا يحتذى به في المنطقة.
كل تلك القوة وهذا الإرهاب الدولي وتلك المبشرات المدعاة بنشر الديمقراطية بنكهتها التحاصصية، ولا حتى تلك الوعود بأن العراق سيكون نموذجا بين الدول من حيث الرفاهية والسعادة والحقوق، كل هذه الطروحات نقضتها صحيفة البصائر العراقية باستشراف مستقبل العراق من خلال معطيات الواقع يومها فصدحت بكلمة الحق بقوة وأعطت للقوة كلمتها واستحقاقها.
حين تذكر صحيفة البصائر تذكر معها كلمة المقاومة أو مقاومة الكلمة، وهذا التركيب اللفظي المؤلف من الكلمة والمقاومة ولأن المتضايفين كالشيء الواحد كما يقول أهل اللغة فلا يجوز أن يفصل بينهما فاصل فصارت البصائر عنوانا لقوة الكلمة المقاومة بحق فقد صدعت بالحق وسمت الأشياء بمسمياتها يوم كان كثير مشغولين في تحسين السيء وتجميل القبيح.
قالت عن جيوش أمريكا قوة احتلال بينما كان كثير يتلوى داخل توصيفاته للأخبار بأنها قوة تحالف أو احتلال حضاري سيأخذ بزمام العراق إلى مصاف الدول المتقدمة.
صحيفة البصائر وقوة الكلمة لها عبرة مستفادة من قصة موسى عليه السلام مع فرعون وسحرته فإذا جعلنا مكان الفرعون أمريكا يكون مكان سحرته قبل إيمانهم كل أتباع العملية السياسية وكل من انخرط في مشروع الاحتلال.
ولكن الفارق الكبير في القصة أن فرعون أكثر ديمقراطية من أمريكا وأن سحرته لما رأوا الحق سجدوا مؤمنين بما جاء به موسى بينما كل من انزلق في أتون العملية السياسية لا يرجى برؤه منها، لكن القاسم المشترك بين القصتين هو قوة الكلمة، ففي قصة موسى قال فرعون لموسى بعدما عرض عليه الآيات (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى، قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى، فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن وأنت مكانا سوى) (طه: 56 – 58).
فرعون على طغيانه حاول جهلا مواجهة الحق أمام الناس في مكان عام يشهده الناس ولكن أمريكا وعملاءها لم تستطع مواجهة الحجة بالحجة والمنطق بما يستلزمه اعتمدت على لعبة انقلابية المفاهيم فعمدت إلى اطلاق لفظ تحرير على واقع احتلال وانتدبت عملاء لها جمعتهم من المنافي لاعتمادهم أدلاء في تمرير مشروعهم في العراق فكان للبصائر كلمتها في كشف تلك المخططات؛ وبالعودة لقصة موسى أجاب الفرعون بقوله (قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) (طه: 59).
هنا حدد موسى موعد اللقاء واشترط حضور الناس وتولى فرعون ليجمع كيده وهو معه القوة والسلطان والسحرة وكل أسباب القوة الدنيوية في مواجهة موسى، لكن كل ذلك لم يصمد أمام كلمة ألقاها موسى عليه السلام في جمع سحرة فرعون يوم التقاهم وجها لوجه حيث توجه اليهم بكلمة فرقت جمعهم (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى) (طه: 61).
فكانت النتيجة (فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى) (طه: 62).
هنا تتجلى قوة الكلمة الصادرة من أصحاب الحق إنها بتوصيف بسيط تزعزع قوة الطغيان مهما كانت قوته لاسيما أنها تصدر من صاحب الحق ولذلك لا يكفي أن تكون صاحب حق من دون كلمة ولا تكون الكلمة ذا أثر بالغ في خصمك ما لم تكن صاحب حق فالعلاقة جدلية ومتلازمة بين القائل والمقول.
من هنا لست مبالغا إذا قلت إن البصائر منذ انطلاقتها الأولى قبل اثني عشر عاما كانت بحق تمثل قوة الكلمة وصوت الشعب العراقي ووضعت الحقائق نصب أعينها وواجهت المشاريع بتبصير الناس بما يحاك لهم، ودليل ذلك مواجهة المحتل لها وما تناقل محبوها وقراؤها من قصص المنع من قوات الاحتلال إذ وقف رتل من قوات الاحتلال في مدينة الموصل قبل سنوات وترجل منها جندي أمريكي يرافقه أحد الملثمين من أدلاء المحتل الأذلاء ليشير له على صحيفة البصائر بين مجموعة من الصحف الصادرة وقتها فقال للناس وقد تجمعوا حوله لا تقرأوا هذه الصحيفة.
هذا الموقف له دلالة التأثير في عمق العدو وأنها استطاعت أن تسحب البساط من تحت خصومها بتجريدهم مما يدعون زورا وبهتانا فلربما ينطق بكلمة حق من ليس يؤمن بها وكذلك كان لها الفضل بتبصير أصحاب الحق بما يجب أن يقال وما يجب ان يكون فهما مشتركا بينهم.
لصحيفة البصائر حضور عربي فقد كان يكفي أن تهدي أخاك العربي نسخة منها ليحتفي بها ويجيل نظره متأملا بموضوعاتها بداية من صفحتها الأولى التي تتزين بكلمتها الافتتاحية ومنتقى الأخبار التي لها تأثير على الواقع المعاش.
فعناوينها تأسر كل متطلع لمعرفة أخبار العراق وليس تقل عن ذلك الصفحة الثانية حيث أخبار النشاطات وملخص تحت عنوان شاهد عيان يجمل فعاليات المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي ولربما إن استطعت الرجوع إلى أرشيفها ستجد سفرا كبيرا مفصلا بالزمان والمكان وحجم الخسائر التي يتكبدها الاحتلال، وفي صفحتيها الثالثة والرابعة حيث التقارير الرصينة عن مشاريع الاحتلال وخسائره في ميادين القتال وكذلك مشروعاته السياسية وما يدور في دهاليز صنع القرار من خلال التقارير المترجمة بقراءة فاحصة وإظهار النقاط التي يجب التركيز عليها كركائز في فهم السياسية.
ولم تقتصر هاتان الصفحتان على التقارير في الشأن العراقي إذ أفردت إدارة تحرير الصحيفة فقرتين إحداهما من العالم الإسلامي والثانية من أرض الإسراء فمع اختصاص البصائر في الشأن العراقي إلا أنها لم تنس العمق الإسلامي وقضيتنا الكبرى قضية المسجد الأقصى وتحرير فلسطين.
في منتصف البصائر حيث الصفحتان السادسة والسابعة وخصصتا للمقابلات والحوارات الصحفية المتنوعة في الشأن السياسي والإسلامي والعربي بشكل عام واستطاعت ان تحصد كما كبيرا منها تشكل في مجموعها فهما مشتركا ورؤية جامعة لدى الشخصيات التي وقف بالضد من مشروع الاحتلال.
وحين تصل الصفحة الثامنة تجد واحة غناء من الدراسات الإسلامية تنتقل بك ما بين الدراسات القرآنية والأحكام الفقهية ومقالات الفكر في إطاره الإسلامي، ولأن الاهتمام بالمرأة من منطلق أنها عرض يجب أن يصان تجد الصفحة التاسعة تجمع بين الأحكام الفقهية الخاصة بالمرأة وتربية الأطفال ومقتطفات من كتب السير والقصص المخصصة في العناية بالأسرة والأم والطفل بشكل خاص.
وكان الأدب والشعر الإسلامي الملتزم حصة في البصائر حيث تجدها في الصفحة العاشرة، ولم تترك البصائر قراءها من دون منتدى يجمعهم لاستقبال آرائهم وماركاتهم فكانت الصفحة الحادية عشرة مخصصة لذلك، أما مسك الختام فكانت الصفحة الأخيرة حيث التحقيقات المصورة عن الانتهاكات والفساد المالي والإداري وغيرها من موضوعات الصفحة الأخير لتشكل في موضوعاتها شاهدا على ما جاء في صفحات البصائر من أولها حتى نهايتها كوحدة متكاملة تحمل رسالة واضحة المعالم محددة الأهداف.
قوة كلمة البصائر متأتية من المؤسسة التي تنتسب إليها بثباتها على الحق وثوابتها التي باتت واضحة جلية لكل منصف في صحة التصور وصدق الاستشراف فرؤية هيئة علماء المسلمين في الأحداث والمواقف تجلت في طروحات صحيفة البصائر طيلة عهدها وكيف لا تكون كذلك وهي الناطقة باسم قسم الثقافة والإعلام فيها.
تلك هي البصائر الحاضرة الغائبة كما تبدو في أذهان محبيها فكل عام وكل من عمل في البصائر بخير ولكل بصمته وأثره فقد تشارك الجميع في العمل كفريق عمل واحد وأسرة واحدة يجمعها الفهم المشترك.
وأسأل الله للقائمين عليها بأن يفتح عليهم لنجد أعدادا جديدة للبصائر كصحيفة الكترونية ولا ضير أن يكون لها ملحق مطبوع بعنوانها الأثير لدى متابعيها.
خاص ب الهيئة نت والبصائر
