هيئة علماء المسلمين في العراق

دولة الميلشيات الإيرانية في العراق / طلعت رميح
دولة الميلشيات الإيرانية في العراق / طلعت رميح دولة الميلشيات الإيرانية في العراق / طلعت رميح

دولة الميلشيات الإيرانية في العراق / طلعت رميح

تعمل إيران الآن لتغيير طبيعة ومحددات ودور العملية السياسية التي نشأت لحكم العراق بعد الاحتلال الأمريكي وجاءت كحالة من حالات تقسيم أدوات الحكم والنفوذ والمصالح بين إيران والولايات المتحدة في العراق.


تطرح إيران الآن بديلا لتلك العملية السياسية أو تغييرا في تشكيلة الحكم وآلياته يتمثل في تشكيل دولة موازية "وحاكمة فعليا" قوامها هو الميلشيات التي تنمو وتتطور وتقوى تحت ظلال الحشد الطائفي الجاري الذى هو أحد أشكال الحرس الثوري الإيراني، ولكن في العراق.


وبذلك لا تغير إيران جيادها في العراق، بل هي تقوم "بتصنيع" وتشكيل أداة حكمها وسيطرتها على العراق، يكون موازيا لميليشياتها وتنظيماتها القديمة من حزب الدعوة والمجلس الإسلامي والتيار الصدري وغيرها، إذ تلك الميلشيات المنضوية تحت الحشد الطائفي، هي النموذج الإيراني للحرس الثوري الذي هو القوة الضاربة للنظام الإيراني.


وما سمعناه من تصريحات انتقادية أطلقها العبادي بشأن الميلشيات ومن قبله الصدر ليست إلا عنوانا قلقا من تلك الميلشيات والأحزاب والمنظمات (القديمة ) التي باتت ترى منافسا لها ترعاه إيران وتمنحه المال والسلاح وتقوده قيادة مباشرة وخارج أطر التنظيمات القديمة.


ووفقا للمشهد المتشكل أمامنا لعوامل القوة والنفوذ داخل السلطات القائمة في العراق، يمكن القول بأن العملية السياسية التي تشكلت بعد الاحتلال، ستصبح هي نمط من أنماط الحكم الذى لا حول له ولا قوة - كما هو حال الرئيس والحكومة الإيرانية - فيما ستلعب ميلشيات الحشد الطائفي دور الحرس الثوري الإيراني الذي هو كيان استراتيجي ليس فقط موازيا لجهاز الدولة في إيران، بل هو الأعلى سطوة وقوة وسيطرة.


تلك الميلشيات التي يجرى تعزيز قوتها بشكل متصاعد في العراق، ستكون هي أساس وجوهر صناعة القرار في داخل نمط الحكم الجديد الذي يتشكل الآن في العراق.


والمعنى أن السلطة القائمة الآن في العراق، بتقسيماتها الطائفية والعرقية وأحزابها السياسية وانتخاباتها الهزلية وشخوصها، لن تكون من الآن فصاعدا إلا واجهة مزيفة، فيما الحاكم على الأرض ووفقا لقرار إيراني مباشر عسكري وسياسي واقتصادي وتنفيذي، هو تلك الميلشيات.


وأن العراق سيشهد حكما رسميا تكون فيه ميلشيات الحشد هي القوة المسيطرة على القرار وعلى الحكم وعلى الارض، فيما العملية السياسية مجرد غطاء يجري من خلاله مختلف أعمال الإلهاء السياسي والإعلامي تجاه المكونات السكانية الأخرى.


وواقع الحال أن الظروف والأجواء والشواهد لهذا الذى يجري باتت وافرة، فالولايات المتحدة لم تعد تعارض مثل هذا التحول الجاري بضراوة الآن، وهي انتقلت من مرحلة غض الطرف عن الممارسات الإيرانية الزائدة عن التوافقات القديمة - حين جرى تشكيل العملية السياسية لمرحلة ما بعد الاحتلال - إلى مرحلة الدعم الكامل لهذا التحول.


 باعتبار مثل تلك السلطة هي البديل الأنجح والأقل كلفة لتحقيق أهداف الاستراتيجية الأمريكية التي عجزت عن ترويض واخضاع أو هزيمة السنة، الذين رفعوا لواء المقاومة، وهو ما ترجم عمليا الآن في تدريب وتقوية تلك الميلشيات الإيرانية، التي هي نمط مختلف تماما الآن عن تجربة الولايات المتحدة حين شكلت الصحوات في أوساط السنة.


 إذ اقتصر دور الصحوات على شق المجتمع السنى واجهاض قدراته في اقتتال داخلي، فيما الحشد الطائفي هو أداة إعادة صياغة للدولة ونظام الحكم في العراق.


 ويمكن القول بأن الولايات المتحدة ستركز جهودها - أساسا - على بناء الجيش الرسمي (وقد دربت حتى الآن (5) ألوية ووحدات خاصة وكتائب الاستطلاع) مستعينة بدور مشارك من اسبانيا والبرتغال واستراليا ونيوزيلندا وإيطاليا.


فيما ستقوم إيران بتركيز جهودها على تشكيل ورعاية وقيادة الحشد الطائفي حتى ايصاله إلى صورة مطابقة للحرس الثوري، وهو ما سيكون أساس ليس لحكم العراق فقط، بل أساسا لدور إيراني مقبل في الإقليم.


وتبدو الأمور في طريقها للتحقق بخطوات متسارعة، فعلى صعيد المجتمع الشيعي، تجري عمليات ضغط إعلامي وسياسي وآيديولوجي (وآخرها الجرائم التي نطق بها المالكي في حديثه الإجرامي الأخير حول القرآن الكريم والصحابة)، كما يجري تحويل نزيف الخسائر التي يواجهها جيش العبادي - المالكي إلى مصدر من مصادر التركيز على ضرورات الحشد الطائفي.


كما الأوضاع في الإقليم باتت هي الأخرى أحد المحفزات لمثل هذا التحول بسبب نتائج الحرب الإيرانية العربية – على الأرض العربية - إذ تثبت التجربة في العراق وسوريا عدم قدرة الجيوش الرسمية على مواجهة العمل المقاوم والمواجه لمحاولة إيران فرض نفوذها في المنطقة العربية، إذ إنهار جيش المالكي وجيش بشار.


ما يجري إيرانيا في العراق، هو عملية مخططة لإعادة تشكيل أنماط الحكم ووضعية جهاز الدولة وتوازنات القوة في داخل منظومة الحكم، على حساب التكوينات القديمة - العملية السياسية بالعراق ونظام بشار بسوريا ..الخ -.


 ومن الآن فصاعدا، تصبح الأشكال القديمة للحكم مجرد واجهات ديكورية لا أكثر ولا أقل، فيما صاحب القرار والقيادة والقوة هو "الحرس الثوري الإيراني - أو دولة الميلشيات الإيرانية - الذي بات يعمم كنموذج متعدد الطبعات.


أضف تعليق