كشف الدكتور (مثنى حارث الضاري) الأمين العام لهيئة علماء المسلمين عن عزم الهيئة تقديم مبادرة سياسية جامعة قريبا؛ تقوم على جمع الأطياف والقوى السياسية العراقية لصياغة ميثاق وطني يضع الخطوط العامة للتغيير في العراق.
وجدد الضاري في حوار موسع اجراه موقع (الإسلام اليوم) تأكيده على أن لا مصالحة مع الطائفيين، وأن كل دعوات المصالحة ما هي إلا ذرٌ للرماد في العيون، وقال إن العراقيين يحتاجون اليوم إلى جهد إغاثي ضخم وعاجل لإنهاء مأساة النزوح.
وحول دعوات بعض القوى السنية في العراق لإنشاء إقليم سني، شدد الضاري على أن هذه الفكرة توطئة للتقسيم وأنها فخ كبير، ووعد لا واقع حقيقي له على الأرض.
وفي ما يأتي نص الحوار:
// الاسلام اليوم : انتُخبتم حديثا كأمين عام لهيئة علماء المسلمين في العراق، فما الجديد الذي تحملونه للشعب العراقي، وما هي مشاريعكم المستقبلية؟
// الدكتور الضاري: بسم الله الرحمن الرحيم، بداية أشكر موقع (إسلام اليوم) على هذه الاستضافة وكل عام وأنتم بخير .. نعم بالفعل تمت الانتخابات داخل هيئة علماء المسلمين قبل فترة وجيزة ضمن الأطر والآليات المعهودة في الهيئة ووفقا لنظامها الداخلي، وأعرافها المتبعة في هذا السياق، وتأتي هذه الانتخابات في ظل مرحلة عصيبة ومفصلية يمر بها العراق.
وعلى الرغم من كل الصعوبات التي تواجه هيئة علماء المسلمين في العراق إلا أنها ما فتئت تقدم الخدمة والعون والمساعدة للعراقيين، وعملت طوال السنين الماضية على التخفيف من آلامهم، ودور الهيئة السياسي والاجتماعي والإنساني والثقافي في العراق لم يتوقف، واسمح لي أن أؤكد عبر موقعكم الكريم (إسلام اليوم) ولمتابعيكم أينما كانوا عن عزم الهيئة إطلاق المبادرة السياسية التي تحدثنا عنها قبل مدة وسنطلقها قريبا، فهي الآن في مراحلها النهائية.
وهذه المبادرة تقوم في الأساس على جمع الأطياف والقوى السياسية العراقية للتشاور والالتقاء والتعاون من أجل وضع الخطوط العامة للتغيير في العراق، والخيارات التي نراها ناجعة ونعتقد أنها ستوصل العراق إلى بر الأمان، وتوجد المشروع البديل لكل من يريد العمل لأجل العراق ومواطنيه، وكل من هو مقتنع بأن من حق هذا الشعب أن يعيش في كل جغرافية العراق بأمن وحرية وكرامة ويحفظ عرضه ونفسه وماله.
أما بالنسبة للمشاريع الأخرى فإن جهوداً حثيثة نبذلها داخل العراق وخارجه، فعلى الصعيد الإنساني والإغاثي نقوم بحملات إغاثية كبيرة للنازحين داخل العراق والمهجرين داخله وخارجه؛ وعلى سبيل المثال قمنا منذ مطلع العام الحالي وحتى نهاية شهر رمضان بنحو (40) حملة إغاثية شملت مناطق كثيرة في البلاد وخارجها، فضلا عن المساعدات العينية والمادية المقطوعة المسلمة لأصحاب الحاجات والمرضى وطلاب العلم والمنح الدراسية.
ولا أذيع سراً إذا قلت: إننا نعاني في سبيل تقديم هذه الخدمات؛ لأننا نعمل على الأرض بشكل سري وتحت لافتات وأسماء غير اسم الهيئة في كثير من الاماكن ولا نعلن من اعمالنا إلا بالقدر الذي يمكن التصريح بمكانه ويمكن توثيقه، وهو عمل قائم على سرعة التنفيذ وعدم اتخاذ مواقع ثابتة، وذلك بسبب الأوضاع الأمنية القائمة واستهداف الهيئة وكوادرها بحجة الإرهاب، وأنا أؤكد لك أن 95% من كوادرنا موجودة على الأرض في العراق وتعمل بشكل متواصل، وهي تعيش بين المواطنين وتنقل لنا آلامهم، والهيئة تقتطع من قدراتها ـ المحدودة أصلاً ـ لإغاثة الملهوفين في العراق.
صحيح أن ظروفنا صعبة جدا والأوضاع الأمنية في العراق مزرية للغاية لكننا نواصل الليل بالنهار من أجل التخفيف من معاناة أهلنا في الداخل والخارج، وهو جهد يتكامل مع جهود أخرى تقوم بها جهات أخرى غيرنا، كما نعمل في الوقت الراهن على إعادة بناء شبكة علاقاتنا في الدول العربية من خلال الزيارات المتاحة والندوات والمؤتمرات والتواصل المستمر، مع ما نعانيه من تضييق دولي وإقليمي علينا، ونحن نعمل أيضا على ملفات شتى ثقافية واجتماعية لكننا لا نستطيع أن نفصح عن كل مشاريعنا وتحركاتنا بسبب الأوضاع الأمنية.
على الصعيد الداخلي للهيئة قمنا بتجديد الدماء داخل عروقها، ورفد أقسامها ومؤسساتها بالكوادر الشابة المتطلعة إلى غد مشرق ومستقبل أفضل للعراق والعراقيين.
//الاسلام اليوم: يأتي إعلانكم عن المبادرة آنفا بالتزامن مع ما يشاع عن اعتزام الأردن استضافة مؤتمر مصالحة بين مكونات الشعب العراقي، ما هو موقفكم من هكذا مؤتمر؟
// الدكتور الضاري: هيئة علماء المسلمين في العراق معنية بإيجاد حل كامل وشامل وهذا شأنها منذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق ولطالما طرحت مبادرات في هذا الشأن وعقدت لقاءات وندوات عديدة في هذا الإطار، ونحن ننظر إلى المصالحة على انها إحدى الآليات التي تحل بها المشاكل الداخلية لأي بلد، وأعود بك إلى شهر شباط عام 2005 حينما أعلن بيان عُرف في حينه ببيان (أم القرى) أصدرته القوى المناهضة للاحتلال، وأكدنا فيه على مبادئ من أهمها: رفض المصالحة الحكومية الموهومة، والتأكيد على أن توحيد الموقف من الاحتلال وعمليته السياسية هو الأصل الصحيح لحل مشاكل العراق، وأن إحلال الوفاق الوطني والتوافق في العراق بدلا من التشاحن والتناحر هو نتيجة طبيعية لذلك، لكن اليوم الأمور تغيرت ويبدو أن المعايير فيما يخص مشاريع المصالحة مقلوبة تماما ومشوهة على كل المستويات.
نعم.. المشكلة الحقيقية اليوم تكمن في أن المصالحة العراقية - تُعرض على أنها الحل لمشاكل العراق - وهذا كما نراه - محاولة للهروب إلى الأمام من أجل الانصراف عن الحلول الحقيقة للأزمة العراقية وإشغالنا بقضايا جانبية لا تمس الجوهر .. جوهر المشكلة ليس في عدم وجود تصالح سياسي في البلاد؛ وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في احتلال مستمر بآلياته وأدواته وشخوصه، وهذا الاحتلال أنتج عملية سياسية مشوهة أفرزت دستورا على أسس طائفية وعرقية بامتياز، ومكن هذا الدستور لواقع مبني على الاقصاء وتهميش مكونات مهمة في الشعب العراقي وتفكيك نسيج المجتمع.
هذه الحالة التي أوجدها الاحتلال بررت للحكومات المتعاقبة التي ظهرت في العراق؛ لجم الشعب العراقي وقواه الحية وقمع كل الأصوات الداعية لنيل الحقوق، مستخدمة من أجل تحقيق ذلك الحديد والنار وبرعاية مباشرة أو غير مباشرة من الاحتلال، حتى بلغت ذروة الرفض الشعبي في انتفاضة ( ٢٥ شباط ٢٠١١) ومن ثم الاعتصامات السلمية والثورة الشعبية طيلة عام (٢٠١٣) ومن ثم الإجهاز عليها بدبابات المالكي المدعوم إيرانيا والمسكوت عنه أمريكياً.
فمشروع المصالحة المطروح الآن مشروع حكومي، وبخطة ووجهة نظر حكومية بحتة ومفصّل على مقاساها، حتى لو ألبست لباس الأمم المتحدة وعقدت المصالحة تحت رعايتها، فهو يأتي في إطار ضرورة الاعتراف بالعملية السياسية وعدم التعرض للدستور بالنقد، بل وعده سامياً وعالياً لا يطال، ووفقا لبرنامج (حكومة الشراكة الوطنية) - كما تسمى - وهو أمر منصوص عليه في ديباجة مشروع أي مصالحة، فضلا عن وثيقة (الاتفاق السياسي) الموقع عليها قبل تشكيل هذه الحكومة من قوى واحزاب العملية السياسية.
إذن ليس هناك مصالحة حقيقة تؤسس لعراق جديد حر وآمن ويتسع لجميع أبنائه، بدليل أنهم يريدون الاعتراف بنتائج الاحتلال وبالعملية السياسية الناشئة عنه، وفقا لشروطها ومحدداتها وآلياتها التي أوصلت العراق إلى ما هو عليه الآن، وهذا ما لا يمكن أن نقبله.
وبالنسبة لمؤتمر عمان الذي تحدثت عنه، نحن سمعنا عنه، لكن لا نعلم عنه شيء حتى الآن، مبادرتنا متقدمة زمنياً حيث أعلنا عنها قبيل شهر رمضان.
// الاسلام اليوم: فيما لوعُقد مؤتمر عمان، هل لهيئة علماء المسلمين أي شروط للمشاركة فيها؟
// الدكتور الضاري: نرى ان الحل للمشكلة العراقية ليس في عقد مؤتمرات هنا أو هناك وتدبيج كلمات مفعمة بالأحلام الوردية، والتقاط مزيد من الصور، فمن الواجب لإنجاح أي مصالحة، إنهاء حالة الحرب المستعرة ضد الشعب العراقي وإيقاف غول التوحش الذي يتخطفهم ليلاً ونهارا، وتحقيق مطالب الشعب جميعا، وعودة ملايين النازحين إلى ديارهم، وإحلال الأمن الكامل في محافظات العراق، ثم بعد ذلك يمكن الحديث عن المصالحة وكيفية العمل من أجل تحقيقها، ولا أظنهم سيفعلون ذلك، والظن هنا بمعنى اليقين، فقد علمتنا التجارب على ذلك ولا يمكن لنا أن نُخدع بمعسول الوعود وسراب الضمانات، وأقول هنا وبكل وضوح: لا نرى جدوى من عقد هكذا مؤتمرات، ولا نرى أنها يمكن أن تكون حلاً ناجعاً وواقعيا لما يجري في العراق، بغض النظر عن نوايا القائمين بها وجهودهم المبذولة.
// الاسلام اليوم: لكن أليست هذه المواقف المسبقة نابعة من نظرة تشاؤمية؟
// الدكتور الضاري: لا أبدا.. لسنا متشائمين، وهي ليست مواقف مسبقة، ويبدو أن كثيراً من إخواننا ينسون تفاصيل مهمة، وكأنهم يقاربون موضوع العراق للمرة الأولى، وأضرب لك هنا مثالا حياً، لقد شاركنا في مؤتمري الوفاق في القاهرة عامي 2005 و 2006، وخرجنا بتوصيات اعتبرناها أرضية مهمة وحدا أدنى للوفاق العراقي، لكن للأسف تبخرت هذه التوصيات ولم تنفذ، لا بل واستبعدت من أي نقاش جرى بعد ذلك عن مشاريع المصالحة، مع أن المؤتمر شاركت فيه أطراف دولية وعربية وإقليمية، وحظي برعاية أممية ودولية وعربية، وعقد في مقر الجامعة العربية!!؛ فلو كانوا جادين بتحقيق المصالحة لتم تنفيذ هذه التوصيات، ولما غيبت من كل مشاريع المصالحة الرائجة هذه الأيام، حيث يتم الاكتفاء في مشاريع المصالحة باعتماد توصيات وثيقة مكة فقط؛ لأنها توصيات ذات طبيعة أخلاقية غير ملزمة صادرة عن مرجعيات دينية، بخلاف توصيات القاهرة ذات الطبيعة السياسية.
والخلاصة: انه لا جدوى من كل مشاريع المصالحة المطروحة الآن، وما هي إلا محاولات تسويقية فارغة من أي مضمون حقيقي؛ لذلك فالمشاركة بشروط العملية السياسية وضمن سياقاتها أو قريبا منها؛ يعد عبثاً سياسياً لا جدوى منه.
// الاسلام اليوم: أطراف حكومية تتهمكم بوضع العصي بالدواليب، وتعطليل أي مشروع للملمة شعث العراقيين، بماذا ترودن عليهم؟
// الدكتور الضاري: هذا شأنهم دائما، الاتهام ونبز الآخرين بما ليس فيهم، والهروب من واقعهم الفاشل؛ نحن لا نضع العصي بالدواليب، فمن يضع العصي بالدواليب هو الذي يصر على المضي قُدما ضمن عملية سياسية مشوهة أفرزها الاحتلال، ويصنف العراقيين على أساس طائفي، ويجذر الشرخ بين مكونات الشعب الواحد، ويحاول جر الآخرين إلى مستنقع فشله، ومن يفعل ذلك هو من يحاول أن يقصي الأطراف الفاعلة على الساحة العراقية، ومن يضع العصي بالدواليب ويعطل المصالحة الحقيقية هي الحكومة التي لا تفكر أصلا بتقديم أية عروض جادة وحقيقة للمصالحة، وتصر على مطالبة من هم خارج العملية السياسية بالالتزام بها، حقا إنه أمر مضحكٌ مبكٍ.
ثم نقطة أخيرة، نحن لا ننتظر مصالحة يؤمن بها هذا الطرف أو ذاك، ولسنا في موضع القبول بذلك، وخيارنا الذي لا حيدة عنه هو الحل الحقيقي الناجز في العراق، والمصالحة هي إحدى آلياته لا هدفه الرئيس، وأود هنا البيان بأن الشعب العراقي كذلك لا ينتظر مصالحة شكلية وإنما ينتظر خلاصا حقيقياً ونهائياً، فالعراقيون اليوم بين: نازح ومهجر ومقصوف بالطائرات التي تحوّل أجسادهم إلى أشلاء، ومظلوم لا ينال حقا من حقوقه ومخنوق تحت شعارات العدل والرفاهية التي يكررها الإعلام الحكومي صباح مساء، ولا يرى منها شيئا، وحال محافظات الجنوب خير شاهد على القسم الأخير من العراقيين، ناهيك عن المطرودين من بلدهم، المطاردون أينما حلوا، هؤلاء جميعاً يريدون حلا حقيقيا لمعضلتهم، ولا يريدون مؤتمرات لذر الرماد في العيون.
وأنا أسأل: هل عاد النازحون من أهالي ديالى إلى ديارهم؟! أم ما زالوا يصطفون طوابير في ظل حر قائظ لا يُسمح لهم بالعودة إلا ضمن شروط مذلة، أما دخول بغداد بالكفيل ومخيمات (بزيبز) المشهورة؛ فتلك قصة مؤلمة بذاتها، أضف إليها: مآسي جرف الصخر وحزام بغداد وتكريت وبيجي والحويجة والأنبار الآن وغيرها الكثير.
ولك أن تتصور أن الداعين لهذه المصالحة وضعوا شروطا لحضور هكذا مؤتمرات، فاشترطوا مثلاً: أن يوافق الحاضرون على العملية السياسية التي أفرزها الاحتلال بالأساس، وكذلك المشاركة بهذه العملية التي جاءت على مقاس قوى عراقية على حساب أخرى معتمدة الأساس الطائفي والبعد العنصري، وأن لا يكون المدعوون للمصالحة مطلوبين للقضاء بتهم دستورية أو جنائية، ومعظم القوى الحية المقاومة للاحتلال مطلوبة للقضاء العراقي بتهم ملفقة وغير حقيقية بالمطلق.
علينا أن نعي أن مشاريع المصالحة التي تعرضها الحكومة العراقية تأتي بسبب ضغوط دولية، ومن أجل تجميل العملية السياسية في البلاد، وليس نابعة من إرادة سياسية ورغبة حقيقية في الشراكة، وبناء عليه فلا توجد أرضية أو آليات حقيقية للمصالحة حتى الآن.
// الاسلام اليوم: من هم اللاعبون الأساسيون في العراق، وكيف تنظرون إلى الدور الإيراني الذي استباح الأراضي العراقية، لا سيما وأن حيدر العبادي زار طهران قبل مدة وجيزة ؟
// الدكتور الضاري: نعم هذا سؤال مهم.. طرفان أساسيان يملكان زمام الأمور أولا: الطرف الأمريكي الذي أوصل البلاد إلى هذه الحالة، وأوجد العملية السياسية بشكلها الحالي ووضع الدستور، أما الطرف الثاني فهو الطرف الإيراني الذي يمارس على الأرض قطف الثمار، وهناك صراع محتدم على الأراضي العراقية بين هذين الطرفين.
إيران تسطير الآن بما لا يدع مجالا للشك على مقاليد الدولة العراقية، من خلال جنودها ومستشاريها، وتردد في الآونة الأخيرة خبر دخول أربعة آلاف جندي ومستشار عسكري إيراني الأراضي العراقية، وهذا المتداول، وهؤلاء الذين دخلوا هم مجموعة غير الموجودة أصلا قبلا ذلك، ويمكن لنا أن نقدر عدهم جميعا بحسب مصادرنا بقرابة (٧٠٠٠) عدا المستشارين والأمنيين.
بالنسبة لنا لا يهم العدد، إلا أن الأهم هو الحديث عن المشروع الإيراني في المنطقة، فإيران فتحت جبهات لا زالت مشتعلة كالجبهة السورية واليمنية فضلا عن وجودها القوي في لبنان وتحرشاتها المعروفة بدول الخليج، وإيران تعُد الأراضي العراقية منطلقا للسيطرة على المنطقة، ورأس جسرها الذي تتحين وضعه منذ عقود طويلة، فضلاً عنً النفط العراقي الذي يعطيها بُعدا استراتيجيا مهماً، ناهيك عن حدود العراق مع إيران التي تصل إلى أكثر من ألف كيلو متر، وتوفر لها قدرة كبيرة على الحركة والدعم اللوجستي، ومع ذلك كله تستفيد إيران من الأجواء العراقية والمطارات العراقية التي تديم زخم معركتها في العراق وسوريا وتوفر لها قاعدة لاستقبال مجموعات حوثية بين حين وآخرن وكل الميزات المتقدمة تتيح لإيران تصديراً أمثل لفوضاها الخلاقة إلى العراق ودول عربية أخرى، فالساحة العراقية مصيرية لإيران كما هي بالنسبة لأمريكا.
والخيار الأسوأ الذي يخشاه كثيرون؛ أن تبتلع إيرانُ العراقَ، فاستراتيجة إيران الحالية هي إبقاء الأوضاع المضطربة في العراق على ما هي عليه واستنزاف مقدرات البلاد وإنسانها، والتأثير على مستقبلها، وأي هدوء في العراق سيعود بالضرر على إيران وأهدافها في المنطقة. ولكن أنا أستبعد هذا الخيار على المديين المتوسط والبعيد، بشرط توفر عوامل عديدة أولها وأهمها تفعيل الإرادة العربية الحقيقية لوقف هذا النفوذ، ولعل تحرك هذه الإرادة في المثال اليمني شاهد على ذلك، يمكن الاستفادة من تجربته بايجابياتها وسلبياتها في المستقبل.
// الاسلام اليوم: أي دور تقوم به ميليشيات الحشد الشعبي شديدة الولاء لطهران ضد أهل السنة، لا سيما وأنها تمثل جزءا من الجيش العراقي؟
// الدكتور الضاري: المحتل الإيراني يستخدم ميليشيات الحشد الشعبي لفوائد جمة، فهي بمثابة طلائع (فيلق قدسه) في المنطقة، فهو يجعلها في المقدمة ويقاتل من خلالها، وهي تقوم مقام الجيش الحكومي الآن، وبدأت فكرة الاعتماد على الميليشيات مع بداية الاحتلال الأمريكي للعراق، فقد أسس الاحتلال الجيش الحكومي في حينها بعد حل الجيش العراقي؛ معتمدا على ميليشيا عدة أحزاب كانت تسمى أحزاب المعارضة قبل الاحتلال، وقد تأسس الجيش بناء على هذه النواة الميليشياوية، وتم استغلال حاجة العراقيين آنذاك والبطالة التي كانوا يرزحون تحتها، فاستمال جيش الاحتلال أعدادا منهم للانضمام إلى ما يسمى (الجيش العراقي). وبنسب متفاوتة من مكونات الشعب العراقي؛ حيث كانت النسبة المتفق عليها في الجيش هي (١٠٪) فقط للمكون السني والأقليات معاً، فيما النسبة المعلنة سياسيا هي (٢٠٪) وكلا النسبتين غير صحيحة وظالمة جدا، وهي السبب في غلبة العنصر الطائفي على الجيش، بخلاف ما يشيعه ويذيعه بعض المتنطعين هنا وهناك.
وهذا الجيش ليس مدرباً ولا عقيدة قتالية لديه، وجاء أفراده بالأساس ليتخلصوا من نير البطالة حسب ما تقدم ذكره، ودليل ذلك ما انكشف مؤخراً وعرف بظاهرة "الجنود الفضائيين" أي الجنود الوهميين، ونعني بذلك وجود قوائم بأسماء عسكريين منتسبين للجيش من مختلف الرتب، لكنهم غير موجودين على أرض الواقع وإنما في سجلات الرواتب فقط.
وكان يقال إن عدد الجيش العراقي حينذاك مليون مجند، وأنا أقول بكل وضوح لم يتعد عدده النصف مليون مجند في أفضل حالاته، والباقي جنود وهميون، مسجلون فقط في القوائم، وقد افتضح هذا الفساد ـ المعروف مسبقا للعراقيين ـ في معركة الموصل وما بعدها، واضطرت الحكومة الى إيجاد مكافئ، فكانت ميليشيات الحشد الشعبي المدعومة دينياً من المراجع هي الخيار الأخير لهم للنجاة من ورطتهم الكبيرة.
الآن تسعى قيادات الحشد الشعبي لإنشاء ما يسمى "بالجيش العقائدي الولائي"، الذي ينطلق من منطلقات إيرانية صرفة وتدريب وتمويل وتسليح إيراني وبلباس إيراني أيضا، فميليشيات الحشد الشعبي إذن مشكلة من مكون واحد وانتماء واحد ومنطلقات واحدة، والهدف هو محاربة ما يسمى بـ(الإرهاب)، فتشن بذلك حربا طائفية بامتياز.
// الاسلام اليوم: أعلنتم غير مرة أنكم متمسكون بالعراق الموحد، غير أن البعض يرى أن التقسيم أصبح الملاذ الأخير لأطياف الشعب العراقي، أنتم لماذا ترفضون التقسيم وفكرة قيام الإقليم السني، وما هي تحفظاتكم على هذه الفكرة؟
// الدكتور الضاري: نعم بالطبع سنبقى متمسكين بالعراق الموحد، وأنا أقول وبكل وضوح إن من يطالب بالإقليم (السني) إنما هي قيادات (سنية) فشلت سياسيا على مدار السنوات الماضية، وتحاول مداراة فشلها بدغدغة مشاعر (السنة) بدعوتها للإقليم، وفي العراق جهتان فقط تنتميان إلى (المكون السني) تطالبان بالإقليم، وقد فشلتا في تقديم أي مشروع سياسي حقيقي، ولديهما طموحات سلطوية وتطمحان لتصدر المشهد (السني) بواسطة الدعوة للإقليم، وبين هاتين القوتين من الخلافات والتنافس والعداء ما صنع الحدادون وليس حداداً واحداً، وهاتان الجهتان تستغلان في مطالبتهما بإنشاء الإقليم، حالة التعاطف مع النازحين، من جهة والمعاناة التي يعيشها (أهل السنة) من جهة أخرى.
والإقليم بعد هذا وباختصار (فخ كبير) يراد لنا أن نقع فيه بعد فخ العملية السياسية، ويزين لنا بالوعود المعسولة والمكذوبة، وتفصيل ذلك في الآتي: الأساس عندنا هو المحافظة على أعراض العراقيين وحياتهم وهويتهم ومقدراتهم من أقصى البلاد إلى أقصاه، وهذه بالنسبة لنا ثوابت نعمل من أجلها وبقدر طاقتنا، وبكل طريقة ممكنة، غير أن المشكلة تكمن عند المطالبين بالإقليم في أنهم يحصرون المحافظة على هوية (أهل السنة) وحاضرهم ومستقبلهم بإنشاء هذا الإقليم، ونحن نخالفهم في ذلك ونقول لهم إن ذلك غير صحيح، ونطالبهم بالضمانات على صدقية طرحهم، فكيف يمكن لهم تحقيق ذلك في ظل دولة فيدرالية لا يملكون فيها أمر السلطات المركزية أو بعض أمرها، ولا يستطيعون التأثير على قرار الحرب والسلم فيها؟!، ومن يضمن لهم تحقيق وحدة (أهل السنة) بعد إنشاء ما يريدون؟! وهل ستسمح مراكز القوى من أحزاب وصحوات وتجار حروب ومتعاونون مع حكومة بغداد المركزية وعاملون لديها ضد مصالح أهلهم ومكونهم؛ أن يبنوا مؤسساتهم على ارض اقليمهم؟، ثم ما هي حدود اقليمهم وهل سيقيمونه على كل ارضهم ام يذهب قسم كبير منها بذريعة (المناطق المتنازع عليها)؟، وكم سيحتاجون لبناء قوتهم للدفاع عن إقليمهم إذا ما جارت عليه الحكومة المركزية؟، وهل أراضي الإقليم الموهوم تحت تصرفهم الآن أم تحت تصرف غيرهم؟، وما هي قدراتهم الاقتصادية ومواردهم في الإقليم التي تتيح لهم اقامته على أسس سليمة؟، وما هي تصوراتهم الاقتصادية لذلك، اذا كانت موجودة أصلا؟، أم هي تمنيات بناء على استخراج ما تحت الأرض؟! ومن سيخرج ما تحت الأرض؟ وكيف ومتى وبأي وسيلة؟ ومن سيشرف عليها؟، ثم من سيسمح لهم بذلك؟، وهذا كله يدل على أن الإقليم المفترض مفتقد للمقومات الاقتصادية التي تعتمد عليها الدول، ومن ثم سيكون إقليما ضعيفا وإمكانيات الصمود فيه منعدمة.
واخيراً.. قلناها مرارا: إن استجداء الإقليم من شريكهم الطائفي في الحكم بحجة الانعتاق منه ومن إيران؛ أمر يتعجب منه ويستغرب، فكيف يمكن لشريكهم المتمسك بالعراق كله ومن ورائه ايران كغنيمة باردة ان يسمح لهم بالتصرف في جزء كبير ومهم من ارض العراق يعادل اكثر من ثلثها؟! اذن هي اوهام او احلام او تمنيات او تدليسات لا واقع لها على الأرض.
نحن نرى أن إنشاء الإقليم السني غير ممكن، وإلا لماذا لم ينشئ دعاة هذا الطرح ما يريدون أثناء الاعتصامات السلمية، مع أننا سكتنا عن الحديث عن هذا الأمر لمدة استجابة لهدف توحيد خطاب الحراك الشعبي وخياراته، والإقليم منصوص عليه في الدستور الذي وافقوا عليه، فلماذا لم يمارسوا حقهم الدستوري حتى اللحظة؟!
مشكلة العراق كبيرة جدا ومتشعبة، فلو أعطي الإقليم (لأهل السنة) فستنتقل حتما المشاكل الموجودة الآن بين السياسيين (السنة) إلى الإقليم، وسينقسم هذا الإقليم إلى كانتونات أصغر (حزبية وصحواتية وعشائرية وعائلية)، وسيكون الحديث في وقتها عن مشكلة الإرهاب في (الإقليم السني) وضرورة محاربته على أرض الإقليم، مثلما هي الحرب اليوم قائمة في محافظات (أهل السنة)، وستنتقل بذلك كل مشاكل العراق إلى الإقليم، وهنا أسأل: من الذي يستطيع أن يخلي الإقليم من كل هذه المشاكل؟!.
أما بالنسبة للبعد الديمغرافي لهذا الإقليم، فهل يمكن استيعاب كل النازحين من (أهل السنة) من شتى أنحاء العراق داخل هذا الإقليم؟ أم سيتركون لقدرهم بحجة عدم القدرة على استيعابهم، ويتركون لمصيرهم المجهول في الأقاليم الأخرى، وهل ضمان أمن سكان الإقليم هو الهدف ام ضمان أمن (السنة) جميعا كما يقولون؟ حينها سيكون التحدي كبيراً، واثبتت التجارب السابقة ان تحديات أصغر من هذا بكثير فشل فيها هؤلاء فما بالك بهذا التحدي الضخم.
إذن فكرة الإقليم تنضوي على مخاطر شتى، لا تنحصر فقط بالمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعارضها قوى وجهات كثيرة متوافقة معنا في طرحنا هذا، من نخب وقوى سياسية وعلماء وغيرهم كثير، فنحن لا نقف وحدنا في خندق المعارضة لإنشاء هذا الإقليم، وإن كنا نعتز بتأريخنا في هذا الصدد منذ عام ٢٠٠٣ وحتى الآن.
إذن، ما دام أن الإقليم السني غير ممكن التطبيق، فما الذي يريده المواطن العراقي (السني)، هو يريد المحافظة على هويته العربية والإسلامية، والمحافظة على حريته وحياته ومقدرات وثروات البلد، وهذه الأمور ستحقق حتما في إطار عراق موحد، تكون فيه الكلمة لأبناء العراق المخلصين وهو في مقدمتهم، وتأريخ بذله وعطائه وبنائه لهذا البلد مما لا يحتاج دليلاً، فهو ليس طارئا عليه ككثير ممن يمسكون بمقاليد الأمور الآن؛ حتى يتركه ويتخلى عنه بسبب معاناته المؤقتة، وإن كانت صعبة ومؤلمة ودفع فيها أثماناً مكلفة، فهذا قدرنا وهذه قيمنا ومثلنا التي نتغنى بها ليلاً ونهارا، ولكن يريد بعضنا أن نتخلى عنها تحت ضغط عدم قدرته على المطاولة والصبر، والرضى بالغنيمة الهينة الباردة ذات الأثر المحدود غير المتعدي للجميع.
والنقطة المهمة التي أريد أن أثيرها هنا معك، هي أنه عندما نعرض فكرة العراق الموحد، تنصرف أذهان بعضهم إلى أننا نؤيد خيار وحدة العراق مع القبول بواقع التسلط الطائفي والعرقي للقوى السياسية الطائفية التي تحكم البلاد الآن، وهذه مغالطة وتلبيس علينا، ولا يقول بها عاقل، فحالنا بخلاف من يريد الإقليم مع البقاء تحت راية عراق (فيدرالي)، تقسيم العراق لن يتم وسيبقى موحدا، إلا إذا كان ذلك ضمن مشروع عالمي لإعادة تقسيم المنطقة برمتها من جديد؛ فعندها سيكون الأمر خارجا عن إرادة الجميع وليس خارجا عن إرادتنا فقط.
// الاسلام اليوم: لكن الشعب العراقي لا يستطيع الانتظار أكثر من ذلك فهو على مقصلة القصف اليومي، وأبناؤه يهجرون قسرا من بيوتهمن وفي ظل هذا المشهد يقول البعض إن القيادات السنية وأنتم جزء منها تسلم رقاب العراقيين للقتل لعدم قدرتها على حمايتهم أو التوافق على مشروع موحد، كيف تردون؟
// الدكتور الضاري: وكيف نحميهم ومن يستطيع حمايتهم؟ هذا من قبيل الإطلاقات الإعلامية المثيرة وليس من قبيل التوصيف الحقيقي للأمور، أنا اقول لك من يستطيع أن يحمي العراقيين والسوريين واليمنيين من القتل اليومي؟ لا يوجد أحد يقدر على ذلك إلا الله تعالى، فالأمور أكبر من الدول والتحالفات والمحاور والأمنيات، فما بالك بقوى محاربة ومطاردة ومضيّق عليها ومتهمة زورا بالإرهاب؟، ثم كيف يقال عنا ذلك؟ ونحن من يدعو إلى حقن دماء العراقيين ونعمل على حمايتهم، نحن لم نقُل للعراقيين اقبلوا بالحل السياسي والاحتلال، لم نقل اقبلوا بالعملية السياسية ولو على رقابكم، نحن لم ندعُ إلى الرضوخ والانصياع للدعوات الطائفية وتسليم مقدرات البلاد للفاسدين، لم نقل ذلك أبدا؛ فكيف نسلم رقاب العراقيين للقتلة!؟.
هناك تدليس كبير يجري على العراقيين، مفاده أن من يرفض خيار الإقليم أو يرفض العملية السياسية، فهو الذي يجر البلاد للخراب و(أهل السنة) إلى القتل، وكثير من (أهل السنة) مشتتون ويعتقدون أنهم بين خيارين: إما الرضا بالأمر الواقع، أو إنشاء الإقليم، ودعاة الإقليم يطرحون هذه الفكرة وفي أذهانهم التقسيم، وإن كانوا يضمرون ذلك، وهناك فرق كبير بين المطالبة بإنشاء الإقليم الذي يتمنونه الذي هو مقدمة للتقسيم، وبين إنشاء إقليم يدعون له ضمن الدستور الذي يحُد من صلاحيات الإقليم لصالح الحكومة المركزية!!. وهذا تناقض منهم لا يتوقف عنده كثيرون.
أما الخيار الثالث الذي نتبناه نحن فهو (الطريق الثالث) الذي يرفض التعامل مع الأمر الواقع الحالي ويرفض الإقليم أو التقسيم، فخيارنا هو وحدة العراق في إطار جديد غير الإطار القائم الآن، ومع ذلك لا نمنع أحدا من دعاة الإقليم من إقامته إن استطاعوا لذلك سبيلا.
// الاسلام اليوم: هيئة علماء المسلمين ممثل أصيل من ممثلي العراق السني، لكنها فشلت- كما يقول البعض - بتقديم مشروع سياسي يجمع عليه العراقيون، لماذا؟
// الدكتور الضاري: لا أدري من هذا (البعض)، وأقول: ما هي معايير الفشل الذي يتحدث عنه هؤلاء؟ وأين هو المشروع البديل غير المشاركة في العملية السياسية المنهارة والمتآكلة من داخلها؟، قلنا: إن النظام السياسي في العراق طائفي وإقصائي وهذا ما حصل، وقلنا إن الميليشيات ستحكم وهذا ما جرى بالفعل، قلنا إن المشاركة السياسية لن تجدي وستصل إلى طريق مسدودة، وقلنا إن القبول بحجم (أهل السنة) المقترح من الاحتلال (١٧الى ٢٠٪) المخالف لحجمهم الحقيقي سيقصيهم ويجعلهم هدفاً للاضطهاد، وهو ما حصل، فماذا تريد بعد أكثر من ذلك، وقدمنا مشاريع للخلاص والتغيير منذ عام ٢٠٠٤، وثبتنا خيار جدولة انسحاب قوات الاحتلال الذي استخف به بعضهم، ثم اعتمدوه لاحقاً وأصبح خيارا مقبولا دولياً.
كل من يقول عنا هذا الكلام يقوله في إطار الخصومة السياسية، فعندما يأتي سياسي ليتحدث عن ماذا قدمنا نرد عليه السؤال بسؤال: ما قدمت أنت وحزبك للعراق؟، ومهاجمة الهيئة في بعض الأحيان ومن فئات قليلة جدا، تأتي بسبب النقمة على سياسيين (سنة) منخرطون في العملية السياسية ساهموا مع رفاقهم من سياسيي التوافق السياسي المرعي أمريكيا والمدعوم إيرانياً في إيصالنا إلى هذه الحالة المزرية، وبعض الناقدين ـ ويحق لهم النقد والتعبير عما في أنفسهم ـ لا يفرقون بين الهيئة وهؤلاء السياسيين ويضعون الجميع في بوتقة واحدة.
// الاسلام اليوم: على الرغم مما تقول إلا أنه لا أحد يستطيع أن ينكر حالة التشظي للمكون السني العراقي وعدم وجود مرجعية له جامعة كما المكون الآخر، والبعض يقول إنكم جزء من حالة التشظي هذه، فما رأيكم؟
// الدكتور الضاري: دعني أوضح لك وللقراء الكرام المعادلة التالية: هناك من لا يرى أن ما جرى عام 2003 احتلال بل يراه تحريرا، ومن ثم فهو يتعامل معه على هذا الأساس، ويتعايش معه ويرضى بإفرازاته، أما نحن فنرى أن هذا احتلال وله ما بعده من مخاطر وآفات، وهذا ما حصل ويحصل، فهذا اختلاف رؤية، وحالة التشظي التي تتحدث عنها واقعة في العراق وهي واقع مؤلم ونتجت بسبب الاختلاف بين نهجين: الأول: يعترف بالاحتلال ويقبل بما افرز، والثاني يقول: لن نقبل أبدا بالاحتلال ولن نتعامل معه، ونحن مع هذا الطرف وسنسعى إلى تغيير الوضع القائم مستفيدين من تغيير وجهات النظر الدولية والإقليمية والظروف المحيطة، وقبل ذلك كله هو تطور المزاج الشعبي وفهمه لأصل المشكلة.
// الاسلام اليوم: كيف تنظرون إلى لجوء عشائر من أهل السنة الى جهات عدة لحمايتها وإعلان ولائها لها؟
// الدكتور الضاري: نحن نتعامل مع الواقع بكل وضوح وصراحة، فعندما يقُتل الناس في الميادين والساحات، وتغتصب أعراضهم، ويهجرون بشكل قسري؛ فإنهم يذهبون إلى خيارات عديدة ولكنها ليست بالضرورة مفضية لما فيه خلاصهم، ولكنني أؤكد لك وللقراء الكرام أنها خيارات مؤقتة، وهي في سياق ردود الأفعال الساخطة على ما يعانونه من الحكومة الميليشياوية التي تبطش بهم صباح مساء.
// الاسلام اليوم: العراق يمر- كما تحدثت - بظروف حالكة فأي مستقبل ومصير ينتظره العراقيون، ولا سيما أهل السنة؟
// الدكتور الضاري: أملنا بالله كبير، لكن إذا بقي العراق بدون اهتمام دولي وانصرف النظام الرسمي العربي عنه بهذه الطريقة المؤلمة؛ فإنه حتما سيذهب إلى المجهول وإلى مزيد من الاقتتالن وأذكّر الجميع بالمثل (أكلت يوم أكل الثور الأبيض)، فالعراق كان الحلقة الأولى للمشروع الأمريكي في المنطقة، والنظام العربي الرسمي مهدد إذا بقيت الأمور على ما هي عليه الآن في العراق، فينبغي التنبه لذلك تنبها حقيقيا وواعيا ومدرعا ومعززا بإرادة فاعلة وحسن تعامل مع من يملكون الحرص الحقيقي والقدرة الموثوقة على التغيير في العراق.
والنظام الرسمي العربي مدعو إلى أن يستمع منا مباشرة وليس بالواسطة، وأن يتعرف على مشاريعنا وبرامجنا التي تقوم على أساس إيجاد الحل في العراق وحفظ أمنه وعدم التدخل في شؤون الغير.
وأقول للعراقيين والأمة الإسلامية جمعاء إن الثقة بالله والتمسك باحكامه والسير على هدي سننه في الكون والأنفس والمجتمعات هي من أهم ركائز العمل، وكذلك التمسك بالثوابت الوطنية بالمفهوم العام لا المفهوم الضيق؛ الثوابت التي تحفظ لكل مجتمع أسس بقائه والتعاون بين أفراده، وبين المجتمعات المختلفة؛ فالتخلي عن هذه الأسس ينذر بالانهيار.
لم نرض بـ (سايكس بيكو) سابقا، فلماذا نقبل اليوم بمشاريع تقسيم أسوأ من ذي قبل تقوم على التقسيم أكثر فأكثر، ومن يضمن أن لا يمتد التقسيم طولا وعرضا في مجتمعاتنا فيحولنا إلى عرب عاربة ومستعربة في القرن الحادي والعشرين؟! حتى نذوب ونتلاشى.
الأوضاع في العراق فوق المأساوية وفوق الكارثية، لكننا لن نقبل بالحلول الترقيعية، وسنبقى نواصل العمل حتى نعذر أنفسنا أمام الله، وأمام الأمة، فنحن نمثل مع غيرنا ضمير سوادٍ أعظم من المسلمين ولسنا طائفة وإن قيل عنا ذلك، ولكن المهم هو ما نراه ونعتقده لا ما يقال عنا أو نوصف به.
