هيئة علماء المسلمين في العراق

الهروب الكبير لرئيس البرلمان العراقي / د. مثنى عبدالله
الهروب الكبير لرئيس البرلمان العراقي / د. مثنى عبدالله الهروب الكبير لرئيس البرلمان العراقي / د. مثنى عبدالله

الهروب الكبير لرئيس البرلمان العراقي / د. مثنى عبدالله

اللهم لا شماتة ونحن نرى رموز العملية السياسية السابقين واللاحقين يتهاوون في مستنقع سحيق علنا، بفعل أيديهم وليس بفعل غيرهم.


فالمرء ينتابه الفرح حينما لا يبذل جهدا في إسقاط خصمه، بل الخصم هو من يسقط نفسه، فيأتي مضرجا بالعار ومتسربلا بالفضيحة ومكللا بأطواق الخيانة، ومتحولا إلى قزم صغير يحبو على مسرح السياسة اللاأخلاقية، بعد أن كان يضن نفسه رمزا لطائفة ولكتلة سياسية.


نعم لقد ظن رئيس البرلمان العراقي أنه أكبر من العراق، وأشرف جاها ومنزلة وعلما من كل العراقيين، فأعطى لنفسه الحق بتقسيم العراق أرضا وسماء ومياها وثروات.


 وليده أن تحمل السكين كي تمزق خريطتنا الجغرافية والاجتماعية والتاريخية، لقد أخذته العزة بالنفس والمنصب والعيش الرغيد في المنطقة الخضراء، والسجادة الحمراء التي كان يمشي عليها في زياراته إلى دول الجوار وما بعد الجوار، فكان أن أعلن عبر إحدى المحطات الفضائية العراقية، بـ "أن أغلب الاطراف السياسية العراقية، موافقة على تقسيم البلاد بالتراضي من دون إراقة الدماء، في حال أخفقت عملية تحقيق المصالحة الوطنية".


 ولو ذهبنا إلى تحليل ما قاله الرجل فإننا نعرف بأن هذه المؤامرة موجودة على طاولة البحث وفي أذهان الجميع منذ وقت ليس بقصير، وإلا فما كان الرجل قادرا على البوح بها بهذا الشكل العلني، وهذا الموقف يقودنا إلى الجذور التاريخية للطبقة السياسية الحاكمة، التي أقرت التقسيم الطائفي والعرقي للبلاد والمجتمع، حتى قبل وصولها إلى السلطة، حيث شهدت مؤتمراتها في لندن وجنيف وصلاح الدين اتفاقهم الكامل على المحاصصة الطائفية والإثنية، التي كانت الفيروس الأول الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه الآن.


 أي أنها كانت العتبة الأولى لإدخال العراق إلى مشاريع الفدرلة والأقلمة والتقسيم، وعندما يقول بتقسيم البلاد من دون إراقة الدماء، إنما يريد القفز على الحقائق التي مازالت ماثلة للعيان في أكثر من مكان في العالم، أو يحاول أن يُزيّن طريق الشيطان.


 بل يبدو أنه لا يقرأ التاريخ جيدا، فلينظر إلى ما حصل في السودان بعد التقسيم من مذابح، ومشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، وليقرأ جذور المشاكل في البوسنة وكوسوفو وأرمينيا وأذربيجان، التي مازالت قائمة في هذه البلدان بعد أكثر من عشرين عاما من مشاريع التقسيم، بل أنه أثبت في تصريحه هذا بأنه لا ينظر أبعد من قدميه، لأنه لم ير طبيعة المشاكل بين إقليم الأكراد والمركز في البلد الذي هو فيه، وهذه هي أمية الوعي السياسي التي يتمتع بها الرجل.


 إن شفاء الغليل بالتقسيم والحدود الجديدة والاستقلال ليس الحل الحقيقي، لأن شفاء الغليل قد يتم في المسائل الشخصية وعلى مستوى الأفراد وليس الأوطان.. إنه يتناسى أن مجرد انفصال الأكراد سيشعل حريقا كبيرا من المشاكل حول كركوك وغيرها، ويظهر إلى العلن العداء التركي الكردي، والإيراني الكردي، والعربي الكردي، وكل هذه الأطراف سوف تسكب زيتها على شعب العراق.


 فكيف إذا ما استقل الجنوب والغرب والشرق والوسط، والشيعة والسنة والمسيحيون والتركمان واليزيديون، وكل باتت له دولة وعلم وحدود ومصالح اقتصادية وسياسية وأمنية؟.


 أما عندما يربط التقسيم بإخفاق عملية المصالحة الوطنية، فهي حقا مفارقة كبرى، لأن لا أحد يعرف حتى اللحظة مصالحة من مع من؟ لأن الشعب العراقي على مر العصور والازمان هو هو لم يتغير.


 كان أحدنا يحمل أثاث بيته وعائلته ويحط رحاله أينما يريد على خريطة الوطن، كان ابن الموصل ملزما بالعمل في الناصرية، وكان ابن ميسان ملزما بالعمل في أربيل والموصل والانبار، هكذا كان نظام الخدمة المدنية والعسكرية في الدولة العراقية منذ التأسيس، وبقي مستمرا حتى عام 2003م، إذن هل يحتاج شعب كهذا إلى مصالحة؟ يقينا لا لأنه متصالح مع نفسه منذ قرون، إذن فإن رئيس البرلمان يتحدث عن نفسه وعن شركائه من الطبقة السياسية وليس عنا نحن كشعب، وعليه أن يسأل نفسه، هل أن العراق، شعبا ووجودا معنويا، يجب أن يقولب وفق مصالح رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، الذين كل يضمر لصاحبه الشر؟.


 هل يجب أن نضع أنفسنا كشعب وكيان جغرافي في قالب يصنعه الساسة لتحقيق مصالحهم؟ هذا ما لا يجب أن يحصل في كل الأحوال والأزمان.


يقول وزير الاعلام في عهد هتلر "لو كررت الكذبة مجموعة من المرات ستصبح حقيقة"، ويبدو أن رئيس البرلمان العراقي يسير على خطى هذه النصيحة، لذلك يؤكد في المقابلة التلفازية نفسها "إن أصوات الدعوة إلى التقسيم وبناء الاقاليم بدأت تتعالى، فلهذا الاقتراح حضور كبير شعبيا وبين الأوساط السياسية"، ولا أعلم كيف توصل الرجل إلى وجود قبول شعبي لهذه الكارثة.


 يقينا هو يعرف الأوساط السياسية التي هي على شاكلته من أميي الوعي السياسي، لكن مُحال أن يكون قريبا من شعبه ويعرف تطلعاته وطموحاته وأمانيه.


 نعم هو أحد القادة الكارثيين من الجيل الثاني للعملية السياسية، والابن البار لقائمة التوافق والايادي البيضاء السنية، التي شرعنت الدستور والمعاهدة الأمنية الأمريكية العراقية.. إنه من رحّب قبل الجميع بالولاية الثالثة لنوري المالكي، وكان أحد المتحالفين معه لتشكيل ثنائي متناغم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، يمرر من خلاله المالكي كل مخططاته الطائفية ومشاريعه الوهمية وصولاته العسكرية التراجعية الفاشلة.


وعندما فشل الاتفاق وسقطت الولاية الثالثة، حافظ رئيس البرلمان سليم الجبوري على عهده مع الحزب الحاكم، فاللقمة السائغة تفتح الشهية إلى أخرى أفضل، وآلاف الدولارات تزيد من سعة الجيوب فتصيح الجيوب هل من مزيد، وحاشا لله أن نتهم أحدا، لكن من يكون راتبه بآلاف الدولارات وشعبه يُذبحون ويهجّرون ولا يجدون لقمة خبز كريمة وقنينة ماء نظيف، وهو في موقع المسؤولية القانونية، فما هو وصفه؟ من لا يرتجف شارباه لكرامة أهله المهانة فهو خائن، ومن يهرب من المسؤولية إلى التعلق بحلول تزيد من ذبح الابرياء وتمزيق الأوطان فهو موتور.


اسألوا رئيس البرلمان سليم الجبوري عن عدد حماياته وسياراته المدرعة ومستشاريه وحاشيته ومخصصات سفره ونثريات الولائم والهدايا والمعونات، لا تسألوا عن مقدار راتبه لأنه أعلى من راتب أي رئيس برلمان في العالم، علما بأن أولئك يقدمون خدمات إلى شعبهم إلا رئيس البرلمان العراقي.


اسألوه إن كان حقا ممثلا للشعب العراقي لماذا لا نراه متجولا في الأحياء الفقيرة في بغداد والناصرية والديوانية والبصرة وكركوك؟ لماذا لا نراه متجولا مطلعا على أحوال الرعية الذين هُجّروا من بيوتهم وباتوا يعيشون في الخيام في معسكرات تقيمها الأمم المتحدة، التي تتسول لهم الخبز والماء والدواء من الدول المانحة؟.


 في زمن الديكتاتورية كان العراق أكبر متبرع للدول العربية والأفريقية والآسيوية الفقيرة، وفي الديمقراطية بات العراق يتسوّل التبرعات والديون من الدول وصناديق الامم المتحدة.


لا تستغربوا تصريحات رئيس البرلمان، إنها رسم الاشتراك في العملية السياسية، يجب أن يدفعها كل من يقبل الانضمام إلى جوقة المقامرين، الذين باعوا العراق قبل أن يصلوا إلى أعتابه.


 عجبا كيف يبقى العراقيون رهينة هؤلاء؟، ومتى يبدأون بادراك ما يحتاجونه، أي ليس مالا يحتاجونه ليتخلصوا منه، بل ما يحتاجونه ليحصلوا عليه، هو إرادة التغيير.


 


أضف تعليق