هيئة علماء المسلمين في العراق

مدلول الحكمة في القرآن الكريم / د عمر مكي
مدلول الحكمة في القرآن الكريم / د عمر مكي مدلول الحكمة في القرآن الكريم / د عمر مكي

مدلول الحكمة في القرآن الكريم / د عمر مكي

ثناء الله -جل وعلا- في كتابه المجيد على من رزق الحكمة يستدعي أن يقف الإنسان فضلا عن المسلم على معناها ومدلولها, فالذي يرزق هذا العطاء ينال الخير الكثير, كما قال تعالى : ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ), ولا ريب أن هذا الخير الكثير والجزيل يظهر شرف هذه الفضيلة وعظمتها أيما إظهار, فعظم العطية دليل على فضل الخصلة  المعطى عليها.


الحكمة في اللغة:


وقبل الدخول في رياض آيات الكتاب العزيز المعجز يحسن بنا أن نبين مفهوم الحكمة في اللغة؛ لأن بيان التنزيل لا ينبغي أن يفهم أبدا  بمعزل عن لغة العرب, والحكمة في اللغة تأتي لمدلول واحد ليس غير، ألا وهو دلاله المنع وأول ذلك الحكم, ويراد به المنع عن الظلم, وسميت حكمة الدابة, وهي اللجام من حديد توضع في فمها؛ لمنعها من جموحها وعصيان أمر راكبها.


علاقة المعنى اللغوي بالاستعمال:


وعلاقة المعنى اللغوي بالمعنى الشائع  هو أن الحكمة تمنع صاحبها من الجهل والظلم، وكذلك تمنعه من الانسلاخ والانفلات من الفطرة السوية, ويظهر تعدد صورالحكمة  في ميادين شتى؛ ولذا عدت الحكمة من أمّات الفضائل.


موارد الحكمة في القرآن الكريم:


وردت الحكمة في القران الكريم في عشرين موضعا, ومنها قوله تعالى في دعاء إبراهيم -عليه السلام – الله تعالى بأن يرسل رسولا لأمتنا هذه معلما إياهم الكتاب والحكمة, فقال: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ), وقد أجاب الله تعالى هذه الدعوة المباركة الميمونة مع امتداد القرون الكثيرة فها نحن هؤلاء نعيش أفياءها, ونجني ثمارها بحمد الله الحكيم الذي أنزل هذا الكتاب الهادي لكل طريق قويم ( إن هذا القرآن يهدي للتي أقوم ), وفي قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ), والجدير بالتنبيه إليه أن لفظ الحكمة ورد في أكثر الآيات مقترنا بذكر الكتاب؛ لأن الحكمة لا تفارق هذا الكتاب مطلقا في أي تشريع, وعظة, وقصة, وعلم, وفضيلة ,وقد بين الله تعالى في مستهل سورة هود -عليه السلام- فقال تعالى: (الر . كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير )، فالإتقان والإحكام في كل موارد القرآن  بحيث لا يتخلله اختلال في لفظ أو معنى، وقد بين الله تعالى، وذلك في استهلال سورة يونس -عليه السلام- بقوله تعالى: ( الر. تلك آيات الكتاب الحكيم ), فوصف الكتاب العزيز بقوله: حكيما لما تضمنه من ينابيع الحكمة والفضائل والمواعظ الرائقة والأخبار الصادقة والشرائع السامية والآداب العالية, فبعد مجيء أنواع التكاليف والتشريعات يقول الله تعالى: (ذلك ما أوحى إليك ربك من الحكمة ), وتنوعت عبارات العلماء والمفسرين في بيان الحكمة, فابن عباس -رضي الله عنهما- يرى أنها المعرفة بالقرآن وتفسيره وعلومه, ومجاهد يراها في العلم بالقرآن والفقه والنخعي يراها بالفهم, وغيرهم يراها في العقل, وهذا في حقيقة الأمر يرجع إلى اختلاف  التنوع لا اختلاف التضاد.


علاقة الحكمة بالنبوة:


نص ابن كثير -رحمه الله تعالى- على أن الحكمة لا تختص بالنبوة, بل هي أعم منها إذ أعلى مراتب الحكمة النبوة, وذروة سنامها الرسالة, وهي بهذا تكون كالصلاح فأعلى مراتب الصالحين الأنبياء والمرسلون, ثم من بعدهم وهكذا، وقد وردت الحكمة في القرآن الكريم دالة على النبوة في وصف إكرام الله تعالى لنبيه داود -عليه السلام- بقوله: (فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء) ,وكذلك  وصف بها غير الأنبياء كما  في إكرامه تعالى  للقمان –عليه السلام – بقوله: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) وجمهور العلماء والمفسرين يرون أن لقمان -عليه السلام- كان رجلا صالحا ولم يكن نبيا (1)


وذهب عكرمة والسدي إلى أنه كان نبيا وفسروا الحكمة في هذه الآية بالنبوة (2) والراجح الأول, قال ابن قتيبة: لم يكن نبيا في قول أكثر الناس, وقال مجاهد: الحكمة التي أوتيها ههنا: الفقه والعقل والإصابة في القول من غير النبوة (3) ونبه القرآن الكريم إلى جملة من هذه الحكم التي وصفها به.


وصف القرآن الكريم بالحكيم:


وصف الله تعالى كتابه المعجز بالحكيم في خمسة مواضع:


وهي قوله تعالى: (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم), وقوله: ( الم . تلك آيات الكتاب الحكيم ), وقوله في سورة لقمان: ( الم . تلك آيات الكتاب الحكيم ), وقوله ( يس. والقرآن الحكيم ), وقوله ( إنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ), ووصف القرآن الكريم بأنه حكيم على وزن فعيل, وهي صفة مشبهة دالة على الثبوت في موصوفها وهو وزن يقال مدلوله في العربية لما كان له كالطبيعة فيه ويكون لمن يثبت فيه الوصف خلقة أو بمنزلتها (4)، ومن هنا كانت إفادة الدوام والثبوت في الحكمة لا تتغير أبدا بتغير الزمان, فالحمد لله تعالى الذي شرف أمة الإسلام بورثة هذا الكتاب الحكيم ونسأله جل وعلا بأن نكون ممن يحظون يوم القيامة بشفاعته والرقي به.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 (1) ينظر: البسيط للواحدي: 18/ 99، وتفسير القران العظيم لابن كثير: 5/ 380، والدر المنثور: 6/ 511 ، وجامع البيان: 21 / 67


 (2) ينظر: البسيط للواحدي: 18 /99 ، وجامع البيان: 21/67


 (3) ينظر: البسيط: للواحدي: 18/ 99-100.


 (4) ينظر: شرح الشافية: 1/ 143، وشرح الكافية: 2/ 205.


خاص بموقع    الهيئة نت    


أضف تعليق