الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله... وبعد:
فهذا جزء مختصر في مسألة الخضاب بالسواد، والكلام على حكمه، وتفصيل مذاهب السلف والأئمة فيه، وتصفح دلائلهم، وتبيين أقاويلهم، وتحقيق الخلاف والمقام في ذلك، مجيباً به سؤال من سأل عن حكمه ومشروعيته، إذ كان بعض المفتين في هذا العصر قد أباحه بإطلاق، وبعضهم على النقيض شدّدَّ فيه ومنع منه بالاتفاق، فجرّدتُ هذا التصنيف اللطيف، في إيضاح ذلك، وتبيين هاتيك المسالك، وبالله التوفيق، ومنه استمدُّ العون على التحقيق.. فأقول:
روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة).
أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وقال ابن مفلح في (الآداب): (إسناده جيد).
وفي رفعه ووقفه خلاف، وهو مراد العلامة ميرك بقوله فيما نقله عنه الملا علي القاري في (شرح المشكاة): (في إسناده مقال) لكن حكمه الرفع؛ لأنه مـما لامجال فيه للرأي.
وقد تنازع الناس في خضاب الشعر بالسواد على أقوال:
الأول: التحريم وهو قول الجمهور، ووجه في مذهب الشافعي وأحمد، واختاره إمام الحرمين والماوردي والنووي، وحكاه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن عبد البر عن عطاء ومجاهد ومكحول والشعبي وسعيد بن جبير وطاووس وفرقد السبخي، وروي عن أبي هريرة.
وذكر ابن أبي شيبة عن عطاء أنه قال: (قد رأيت نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما رأيت أحدا منهم يختضب بالوسمة).
الثاني: الكراهة التنزيهية وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، والمشهور عند الشافعية، وهو ظاهر كلام مالك في (كتابه) فإنه قال في صبغ الشعر بالسواد:(لم أسمع في ذلك شيئاً معلوماً، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي).
قال ابن عبد البر: (لأنه قد كره الصبغ بالسواد أهل العلم).
وقال القاضي عياض: (لم يحرّم مالك رضي الله عه التغيير بالسواد ولا أوجب الصباغ، فلعله يحمل النهي عن التغيير بالسواد على الاستحباب، والأمر بالتغيير على حالة هجن المشيب صاحبها، قال عبد الوهاب: يكره السواد؛ لأن فيه تدليساً على النساء، فيوهم الشباب فتدخل المرأة عليه).
ويقويه رواية أشهب في (العُتْبية): (غير السواد أحب إلي).
قال الباجي: يريد أنه صبغ لم يستعمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ونقل أبو العباس القرطبي شارح مسلم، الكراهةَ عن مالك وعليٍّ عليه السلام واختاره.
الثالث: الرخصة فيه للمرأة تتزين لزوجها دون الرجال، وهو قول إسحاق بن راهويه، وذكر عبد الرزاق في (مصنفه) عن قتادة أنه قال: (رخص في صباغ الشعر بالسواد للنساء) واختاره أبو عبد الله الـحَليمي من الشافعية.
الرابع: لا يكره في الحرب، حكاه الحافظ عن بعض العلماء، وذكره ابن مفلح عن السامري منهم وأنه قاله في (كتاب المستوعب) واختاره ابن حجر الهيتمي في (كتاب الكبائر).
وذكر السّفّارينيُّ أنه قول ابن عقيل في (كتاب الفنون) والفخر ابن تيمية في (كتاب التلخيص).
ونصَّ الشيخُ القدوةُ العارفُ بالله سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في (كتاب الغنية) له على كراهته إلا في الحرب لإرهاب العدو.
والمذهب ما ذكره القاضي أبو يعلى في (الأحكام السلطانية) أن المحتسب يمنع من خضاب السواد في الجهاد وغيره, وعليه قول بعض الحنابلة ممن تقدّم ذكرهم.
وذكر ابن الملقن في (شرح البخاري) عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأمر بخضاب السواد ويقول: (هو تسكين للزوجة وأهيب للعدو).
الخامس: إباحة خضاب السواد مطلقاً إلا لعلة من خوف تدليس في نكاح ونحو ذلك، وهو مروي عن أمير المؤمنين عثمان وعقبة بن عامر والحسن والحسين من الصحابة رضوان الله عليهم، ومحمد بن الحنفية وأبي جعفر الباقر وسائر العِترة عليهم السلام، حتى قال ابن الحنفية: (هو خضابنا أهل البيت). وهو قول الزهري ونافع بن جبير وموسى بن طلحة وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن إبراهيم والحسن وابن سيرين وهشيم بن بشر الواسطي وعلي بن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وأبي بردة والنخعي.
وحكاه ابن الملقن عن مالك وأهل المدينة، وكلامه السابق في (الموطأ) يحتمل الجواز من غير كراهة.
وذكر ابن الملقن في (شرح البخاري) عن الإمام الحافظ أبي بكر بن أبي عاصم أنه اختار الجواز في (كتاب الخضاب) له، ونقله عن شرحبيل بن السمط وعتبة بن سعيد وإسماعيل بن أبي عبد الله وابن أبي ليلى والحجاج بن أرطأة وغيرهم.
وكان عقبة بن عامر رضي الله عنه يخضب بالسواد وينشد:
أسوّدُ أعلاها وتأبى أصولُها...ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصلُ
وكان الحسين عليه السلام يخضب به وينشد:
نسوّدُ أعلاها وتأبى أصولُها...فياليت ما يسوّدُ منها هو الأصلُ
وذكر أبو عمر في (التمهيد) عن هشيم أنه خضب بالسواد، فسأله رجل عن قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النّذِير﴾ (فاطر: 37) فقال: هو الشيب، فقال الرجل: فما تقول فيمن جاءه نذير من ربه فسوّد وجهه؟ فترك هشيم الخضاب بالسواد.
وقال الزهري: (أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأصباغ فأحلكها أحب إلينا). يعني: أسودها، ذكره عبد الرزاق.
وقد تعلّق المانعون بخبر ابن عباس المتقدّم، ووجه الاستدلال بـه على التحريم أنه خبر في معنى النهي، فيدل على التحريم.
ودفعه الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في (كتاب الخضاب) تصنيفه الذي اختار فيه جواز الخضاب بالسواد من غير كراهة، أن هذا الحديث خبر لا يفيد التحريم ولا الكراهة.
قال: (إن قال قائل: صبغ الرأس واللحية بالسواد غير جائز بل مكروه، واحتج بالأخبار السالفة، قيل له: ليست حجة في النهي ولا زجراً عنه، وذلك أنه عليه السلام إنما أخبر عن قوم علامتهم الخضاب بالسواد، وليس - وإن كان الخضاب به علامة لهم - نـهياً منه عن الخضاب به، وقد أخبر عليه السلام أن علامة الخوارج حلق الرؤوس، ولم يقل قائل بالنهي عن حلقها كذلك).
وتعقبه الشوكاني بأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وقد وصف القوم المذكورين بأنـهم يخضبون بالسواد.
وفي تعقبه نظر، ويلزمه القول بأن مجرد الصبغ بالسواد يقتضي الوعيد عليه بعدم وجدان رائحة الجنة، ولا أظن أحداً من أهل العلم التزمه أو قال به، والحديث ليس فيه إلا الإخبار عن قوم هذه صفتهم، فلعل جرمهم الذي استوجب استحقاقهم لهذا الوعيد، كبيرة من الكبائر كالظلم والبغي والإفساد في الأرض وغير ذلك، فهو من علامات النبوة.
وأيضاً فقد تقرر في الأصول أن الخبر الوارد بمعنى الأمر والنهي لا يقتضي الوجوب أو التحريم بمجرده ولا يفيده إلا بقرينة، لأنه استعمل في غير موضوعه، وهو قول طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد واختاره الشيخان السبكي وابن الزملكاني خلافاً لأبي العباس بن تيمية وبعض الحنابلة والمالكية والقفال الكبير من الشافعية، ووقف الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في (شرح العنوان).
فإن قيل القرينة الدالة على أن هذا الخبر للتحريم حديث جابر عند مسلم في قصة أبي قحافة أنه جيء به ليُسلم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورأسه كالثغامة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (غيّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد)
والثغامة: نبت أبيض الزهر والثمر يشبه به بياض المشيب، قاله أبو عبيد في (غريبه) وأنشد لحسّان:
إما تري رأسيْ تغيّر لونُه.....شَمِطاً وأصبح كالثُّغام المُمَحَّلِ
وأغرب القاضي أبو الوليد الباجي في (المنتقى) فزعم أن الحديث ليس بثابت لأجل روايه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف مختلط.! وكأنه لم يقف على رواية مسلم هذه فهي من طريق ابن جريج وليس الليث.
وأغرب منه أن ابن القطان أعلّ رواية مسلم في (كتابه) بابن جريج وأنه دلّسه ولم يصرح بسماعه من أبي الزبير، وابن جريج قبيح التدليس جداً، ثم استدرك على عبد الحق أنه لو ساق رواية البزار عن أنس بلفظ (ويجتنبوا السواد) كان أجود.
والتحقيق أن هذا الحديث جاء بألفاظ مختلفة عن جماعة من الصحابة منها دون ذكر اجتناب السواد، وهي الأصل عند مسلم ولا خلاف في ثبوتـها، ومنها رواية ابن جريج عن أبي الزبير عند مسلم وغيره باللفظ العام (اجتنبوا) وفيها عنعنة ابن جريج، ولذا أعلها ابن القطان كما مر، وقد تابعه الأجلح عن أبي الزبير به، ومتابعته ضعيفة؛ لأنها من طريق شريك القاضي وقد تفرد به كما قاله الطبراني في (الأوسط) و(الصغير) وأخرجه أبو يعلى أيضاً، وعليه فإن رواية الحديث بلفظ (اجتنبوا) المقتضي للتعميم لا تصح في حديث جابر.
وقد روي بـهذا اللفظ من حديث أبي هريرة عند البيهقي لكن تفرد به عبد العزيز بن أبي رواد وفي سنده الحسن بن هارون وهو مجهول الحال.
ولهذا اللفظ شاهد آخر عن أنس رضي الله عنه بلفظ (وإياي والسواد) أخرجه الطبراني في (الأوسط) وفيه ابن لهيعة.
فتبين أن روايات الحديث بلفظ (اجتنبوا) لا يصح منها شيء، فلا ينتهض الحديث للاستدلال به على تعميم الاجتناب، وبتقدير صلاحية مجموعها للتقوية تحمل رواية (اجتنبوا) على أنـها من تصرّف الرواة الذين رووه بالمعنى، فينبغي تفسيرها برواية (جنّبوه) المقتضية عدم التعميم.
وأما رواية (جنبوه) فهي أصح ورواتـها عن أبي الزبير في حديث جابر أثبت، منهم أيوب السختياني وحيوة بن شريح عند ابن بشران في (أماليه) والطبراني وغيرهما.
ورويت عن ابن عباس عند ابن شاهين في (شرح مذاهب أهل السنة) وعن أنس عند أحمد والطحاوي في (المشكل) وقد رواها الحسن بن أحمد الحراني عند البزار بلفظ (يجتنبوا) وهو شاذ، فقد خالفه الإمام أحمد ومحمد بن القاسم الحراني وعبد الغفار بن داود الحراني فرووه جميعا بلفظ (جنّبوه) أو (جنّبوها) وهو أصح.
وروي عن أنس عند أحمد بلفظ (لا تقرّبوه السواد) وفي سنده ابن لهيعة، وله شاهد عند الطبراني في (الأوسط) من طريق ابن جريج عن عطاء عن جابر بـهذا اللفظ، فإن ثبت فهو يقتضي تخصيص اجتناب السواد بـمن كان حاله كحال أبي قحافة؛ لأن قوله (لا تقرّبوه السواد) هو من سلب العموم، فيقتضي سلب الخضاب بالسواد عمّن هذه صفته دون غيره، وهذا ظاهر.
وللحديث بذكر اجتناب السواد علة قادحة، قفد ذكر أحمد من طريق زهير أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر بلفظ (غيّروا هذا الشيب) فقال زهير: قلت لأبي الزبير: أقال جنّبوه السواد؟ قال: لا.
ولذا رواه مسلم في الأصول من (كتابه) عن زهير دون ذكر السواد، ويقوي هذا أن آل أبي قحافة رووه دون ذكر السواد مطولاً، وفيه قصة إسلام أبي قحافة، ذكره ابن إسحاق في (السير) وأخرجه ابن حبان والطبراني وابن سعد والحاكم والبيهقي في (دلائل النبوة) وصححه الحاكم على شرط مسلم، من طريق ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء رضي الله عنها به.
وهذا يدل على أن ذكر السواد فيه غير محفوظ، وإنـما هو من تصرف الرواة؛ لأن مخرج القصة واحد، ويبعد تعدد الواقعة في مثل هذا، وهؤلاء آل أبي قحافة وهم أدرى وأعلم بقصة جدّهم، ولم يذكروا فيه السواد، فالظاهر أن بعض الرواة تصرّف في معناه؛ لأن في بعض ألفاظه أنه قال لهم: (صفروا أو حمروا) ففهموا بالمخالفة اجتناب السواد, وبتقدير ثبوت ذكر السواد فالراجح فيه لفظ (جنبوه) كما مرّ، والمقتضي للتخصيص وعدم التعميم. والله أعلم
وقد تعقب ابن أبي عاصم الاستدلال بخبر أبي قحافة هذا بأنه إنما أمر عليه السلام بذلك لما رأى من هيئته؛ لأن الخضاب بالسواد إنما يكون لمن يليق به من نضارة الوجه، فأما في صفة أبي قحافة فهو شين؛ لأنه غير ملائم لمثله، ولا مشاكل، ثم احتج بـما أخرجه عن الزهري أنه قال: (كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه جديداً، فلما نغص الوجه والأسنان تركناه).
وتعقبه الشوكاني بأنه مبني على أن حكمه على الواحد ليس حكماً على الجماعة وفيه خلاف معروف في الأصول.
كذا قال، وهو غلط فإن ابن أبي عاصم لم يبْنِ كلامَه على هذا الأصل، وإنما خرّجه على أصل آخر تنبئ به رواية الحديث بلفظ (جنّبوه) المشعرة بأن الحديث من قضايا الأحوال التي تعم بالنوع عموماً بدلياً مطلقاً لا عموماً شمولياً.
بـمعنى أن الحديث يعم كل من كان نوع حاله كحال من وردت لأجله الواقعة، أعني أن هذا الحديث لا يختص بشخص أبي قحافة، ولا يعم كل الأشخاص، وإنما يختص بالنوع والحال ويعم فيهما، فيصلح الاستدلال به على تحريم السواد لمن كانت حالُه مثل حال أبي قحافة في الشيب والسن، ممن يُشينُه الخضاب بالسواد ولا يزينه، كما قاله الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم.
فتحمل رواية (اجتنبوا) بتقدير ثبوتـها على رواية (جنبوه) وتُفَسَّر بـها كما تقرر في الأصول أن الروايات يفسر بعضها بعضاً.
ورواية (جنبوه) مشعرة باختصاص اجتناب السواد بـمن كان كهيئة أبي قحافة دون غيره، ويقويه أن مثله لا يليق به الخضاب بالسواد؛ لأن الشيب في حقه نور ووقار فضلاً عمّا فيه من تدليس، وهذا كله لا يرد في حق الشباب ونحوهم ممن يخالف حالهم وهيئتهم، حال وهيئة أبي قحافة الذي ورد الحديث فيه.
فليس الحديث من وقائع الأعيان التي لا عموم لها حتى يصح إيراد الشوكاني، ولا هو عام عموماً شمولياً، وإنما هو من العام النوعي البدلي الذي يصدق على أفراد موصوفين.
ويقوي هذا التوجيه للحديث ما أخرجه البيهقي بسنده عن عمرو بن العاص أنه دخل على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقد صبغ رأسه ولحيته بالسواد، فقال عمر رضي الله عنه: من أنت؟ قال: أنا عمرو بن العاص، قال عمر رضي الله عنه: عهدي بك شيخاً وأنت اليوم شاب، عزمت عليك إلا ما خرجت فغسلت هذا السواد.
وأيضاً فرواية (لاتقربوه السواد) هي من سلب العموم الذي يفيد سلب الحكم عن الجنس لا عن المجموع, فيقتضي كراهة السواد في حق من كان وصفه من جنس صفة أبي قحافة، ولا يفيد تعميم الكراهة في حق كل أحد.
وقد ذهب أبو جعفر الطحاوي إلى توجيه حديث الباب بحمله على كراهة الخضاب بالسواد إذا صار شعاراً للفساق والعصاة، فقال بعد أن ساق الحديث: (فعقلنا بذلك أن الكراهة إنما كانت لأنه أفعال قوم مذمومين، لا لأنه حرام في نفسه).
ثم احتج بفعل الصحابة الذين ثبت عنهم الخضاب بالسواد، ثم قال: (إن نفس الخضاب بالسواد إنما كره خوفاً مما ذكرناه من التشبه بالمذمومين، لا لأنه في نفسه حرام).
ومال إليه الدكتور لاشين رحمه الله في (شرح مسلم) له فذكر أن الخضاب بالسواد وغيره يرجع للعرف والعادة، فالأصل جوازه إلا إذا صار عادة مذمومة عند مجتمع ما، أو تعارف الناس على أنه من عادات الفساق، فينبغي عندئذ اجتنابه.
وقد أخذه من الحافظ ابن حجر فإنه ذكر نحو هذا وأن الخضاب بالسواد وغيره إن كان من عادة أهل البلد تركه، وأن الذي ينفرد دونـهم بذلك يصير في مقام الشهرة فالترك في حقه أولى.
فائدة: ذكر الكلبي أن فرعون أبعده الله أول من خضب بالسواد مطلقاً، واستنبط الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم من قوله (جنبوه السواد) أن العرب كانت تخضب بالسواد.
وقد ذكر الكلبي أن أول من خضب به من العرب جدُّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد المطلب بن هاشم.
وذكر ابن رجب في (ذيل الطبقات) أن أبا محمد التميمي البغدادي أنشد لنفسه في الخضاب:
وما شنآَنُ الشيب من أجل لونه ... ولكنه حادٍ إلى البين مسرعُ
إذا ما بدتْ منه الطليعةُ اَذنتْ ... بأنَّ المنايا خلفها تتطلعُ
فإن قصَّها المقراضُ صاحت بأختها.. فتظهر تتلوها ثلاثٌ وأربعُ
وإن خضبتْ حالَ الخضابُ لأنَهُ ...يغالبُ صُنع الله، والله أصنعُ
فيُضحِي كريش الديك فيه تلمُّعٌ ... وأقطع ما يُكساه ثوبٌ ملمَّعُ
إذا ما بلغتَ الأربعين فقلْ لمن...يودّك فيما تشتهيه وتسرعُ
هَلموا لنبكي قبل فرقةِ بيننا ...فما بعدها عيش لذيذ ومجمعُ
وخَلِّ التصابي والخلاعةَ والهوى ... وأُمَّ طريق الحق فالحقُ أنفعُ
وخُذ جُنَّةً تُنجي وزاداً من التقى... وصحبةَ مأمون فقصدُك مفزعُ
والحمد لله رب العالمين
