هيئة علماء المسلمين في العراق

العرب المتضررون من جيرانهم.. رنا الصباغ
العرب المتضررون من جيرانهم.. رنا الصباغ العرب المتضررون من جيرانهم.. رنا الصباغ

العرب المتضررون من جيرانهم.. رنا الصباغ

هل يخرج إلى العلن محور العرب المتضررين من تنامي نفوذ إيران وتركيا وإسرائيل؟ بات من الضروري على الدول العربية الأكثر تضررا من استباحة النظام العربي الآيل للانهيار على يد إيران وحلفائها العرب من جهة, تحت حراب تكتل مصالح إسرائيلي-تركي -أمريكي, أن تستعيد زمام المبادرة, وتعلن عن قيام محور استراتيجي سياسي دبلوماسي في مواجهة تداعيات مستقبل غامض يقف فيه الإقليم على \"كف عفريت\". فلا مناص أمام الدول العربية المتضررة, وتحديدا السعودية والأردن ومصر- وجميعها تمثل ثقلا عربيا وإسلاميا ودوليا- إلا أن تبادر إلى تطوير محور "لتقوية" الموقف العربي حيال الجبهات المفتوحة في العراق, فلسطين ولبنان, ومن بعده الإرهاب.

على هذه الدول رفع الصوت عاليا لوقف الحرب الدائرة بالوكالة بين إسرائيل وأذرع إيران المحلية, عبر تحالفها مع سورية, وأدواتها المحلية "حزب الله" الشيعي اللبناني وحركة "حماس" السنيّة الفلسطينية, بهدف تغيير قواعد اللعبة السياسية في الإقليم المضطرب بعد سقوط نظام صدام حسين قبل ثلاث سنوات.

باستثناء القمة المصغرة التي جمعت الملك عبدالله والرئيس المصري حسني مبارك يوم الجمعة, على أمل بلورة جهد عربي لوقف التصعيد, وبعض اتصالات التهدئة التي قام بها بعض زعماء العرب مع دمشق وواشنطن وعواصم أوروبية وعربية, خلت الساحة العربية من حراك جدي فعلي لوقف الانهيار المتسارع واستعادة زمام المبادرة.

وبالتالي بان حجم تداعي المنظومة العربية وعجزها عن الحراك. وساطة مصر لدى سورية لحلحلة ملف اسر الجنود الثلاث, فشلت حتى الآن, إذ أن مفاتيح الحل تبقى بيد إيران وحليفيها حماس وحزب الله.

محاولة السعودية ومصر إبعاد سورية عن فلك إيران, فشلت أيضا. ودخلت تركيا على خط الوساطة بين اسرائيل وسورية وحماس.

لم يعد أحد يأخذ العرب على محمل جد. الجبهات الثلاث المفتوحة حوّلت الشرق الأوسط إلى مركز للصراع الدولي أو بؤرة توتر أولى في العالم منذ انهيار جدار برلين وحلف وارسو الاشتراكي نهاية الثمانينيات. ولا احد يعرف إلى أين ستصل استراتيجية شفير الهاوية.

أسوأ ما في هذه المعادلة خروج الملفات الحاسمة من سياقها العربي, لتصبح ركنا أساسيا لإيران ضمن أحلامها بالهيمنة على الإقليم وتعظيم قدراتها النووية, وتربعها مع إسرائيل وتركيا في مواقع العظمة الإقليمية بإسناد أمريكي مشبوه.

ثمة تنبؤات باشتعال المنطقة بأسرها ما قد يولد شرارة حرب كونية ثالثة على خلفية احتقان ديني وسياسي, احتلالات وحروب فضلا عن سياسة "الهروب إلى الأمام" وتصدير الأزمات التي تنتهجها إسرائيل تحت نظر البيت الأبيض.

لذا بات من الضرورة قيام محور "تقوية" سبق وأن كان أول المنظرين لضرورته جلالة الملك عبدالله, إذ ركز على ذلك في أغلب لقاءاته الخاصة مع الزعماء العرب, والساسة وممثلي الفعاليات الوطنية والشعبية الذين التقاهم خلال الشهور الأربعة الماضية. الأفكار الأردنية أبقيت طي الكتمان, لكي لا تتحسس الدول العربية, خاصة تلك التي تسعى للزعامة في العالم العربي, مع أنها تشارك المملكة نفس الهواجس السياسية الإقليمية, التي ألقت أيضا بظلالها على مشهد الأوضاع الداخلية.

التحرك الاردني الأخير جاء بعد استشعار حجم المخاطر القادمة, شرقا وغربا, ربما بسبب تقاطع وتواطوء أجندات القوى العالمية والإقليمية, وهيمنة المحافظين الجدد في أمريكا على السياسات الخارجية, الذين ينادون بتحقيق الاستقرار في العالم العربي من خلال الديمقراطية والإصلاح, حتى ولو أدى ذلك إلى مرحلة من الفوضى وتبديل خريطة التحالفات التقليدية على حساب الأنظمة العربية المتحالفة معها.

آن الأوان لدول محورية مثل مصر والأردن والسعودية, لتتكلم بصوت واحد حيال الملفات المفتوحة, وتعمل على إقناع سورية بالابتعاد عن المحور الإيراني, وتعمل على تقوية رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس.

على هذا المحور العمل أيضا على إبعاد الملف الفلسطيني عن هيمنة إيران المتغلغلة في حكومة حماس التي أجهض قراراتها الداخلية خالد مشعل, رئيس المكتب السياسي لحماس, المقيم في سورية.

شرعت هذه الدول في دق ناقوس الخطر. إذ صدرت بيانات جريئة عن الرياض وفي القاهرة عن الملك والرئيس المصري حسني مبارك تغمز من قناة إيران وتحذر ضمنا من استغلال أدواتها في المنطقة لإشاعة أكبر قدر من الفوضى وخلط الأوراق.

كان خطاب العواصم الثلاث واضحا لجهة التنبيه إلى خطورة "المغامرات غير المدروسة" في إشارة إلى عملية حزب الله التي استدرجت نيران إسرائيل من البقاع وحتى طرابلس.

لا بد من الدعوة اليوم, وقبل الغد, إلى عقد قمة عربية مصغرة, تسمي التحديات المصيرية التي تحيط بالأمة, والأطراف العربية والأجنبية الضالعة في المؤامرة, بأسمائها.
قد تتشجع دول أخرى على الانضمام, بدلا من محاولة ضمان مصالحها من خلال مفاوضات ثنائية مع القوى الجديدة المهيمنة.

الدول العربية الثلاث تستطيع توزيع الأدوار فيما بينها, وتوظيف علاقاتها الجيدة مع كافة الأطراف لإنضاج المواقف, والبدء في بناء محور لصيانة سلامة الإقليم وأمنه وموازين القوى فيه, وإعادة بناء نواة عربية أساسية خارج مشهد الانهيار الكامل, بدلا من البقاء أوراقا هشة في لعبة المصالح الإستراتيجية.

ما زالت هناك مساحات صغيرة تستطيع هذه الدول النفاذ إليها وتوحيد خطابها السياسي وإفهام إيران, تركيا, إسرائيل, الولايات المتحدة بأن لها مصالح مماثلة في العراق, وفي فلسطين, تحتاج للرعاية وللضمان, لتأمين الأمن والاستقرار العالميين.

لم يعد تجد نفعا النصائح المتواترة لواشنطن حتى تغّير سياستها الحمقاء في العراق الذي استبيحت أراضيه وثرواته. لا بد من رفع الصوت عاليا في وجه حكّام واشنطن حتّى يغيروا قواعد اللعبة ويتنبهوا إلى حصان طروادة الإيراني الذي اخترق العراق ويستعد للانقضاض خارج حدوده إلى سائر دول المنطقة.

العراق بالتأكيد يجب أن يبقى موحدا, لمنع انتقال عدوى بلقنة الأقليم, ولا بد من كبح جماح الإرهاب السلفي الجهادي الذي يترعرع في الفوضى العراقية نتيجة غباء السياسات الأمريكية.

الصراع العربي الاسرائيلي يجب أن يحل على أسس الدولتين, لتحقيق سلام شامل ودائم, وإعادة الاستقرار الامني والسياسي للمنطقة, ومنع الترانسفير الفلسطيني الذي سيهدد أمن الأردن الوطني.

هدف التكتل, بحسب أصحاب القرار الأردني, ليس قيام محور معاد لسورية, أو لإيران, فالجميع يقدر وزن إيران الإقليمي, وحقها في امتلاك التكنولوجيا النووية لإغراض سلمية. إنما سيكون تكتل "تقوية وإسناد" ضد كل المخاطر الخارجية والمغامرات والحروب بالوكالة التي تؤجج الصراعات في المنطقة.

التحالف السوري الإيراني وتداعياته ودفع قادة حماس وحزب الله لرهن قرار السلطة الفلسطينية والحكومة اللبنانية في إدارة الصراع وسحب البساط من تحت عباس, ورئيس الوزراء الحماسي هنية, لصالح خالد مشعل- لن يجلب إلا المزيد من الويلات, ولن يصب إلا في خدمة أطماع إسرائيل, وإيران المتهادنة حاليا.

لعل المحور المنشود يتمكن من بناء جبهة استراتيجية وامنية وسياسية قادرة لاحقا على إيجاد فرصة لتعاون عربي-إيراني يحقق مصالح الطرفين في إقليم أكثر استقرارا وقابل للتوظيف لصالح حل عادل للقضية الفلسطينية, التي تظل أساس التوتر في المنطقة والعالم, وإشاعة الأمن والاستقرار في العراق لخروج القوات الأمريكية التدريجي, ومنع تقسيم البلاد.

الثابت الآن أن إيران ليست في وارد دخول حرب مع إسرائيل لتحرير فلسطين حتى ولو ضربت إسرائيل مفاعلات نووية في إيران ولو دخلت المنطقة كلها في حرب إقليمية. كما أن سورية لم ولن تجازف بفتح جبهة الجولان الهادئة منذ العام ,1974 فهي توظف حزب الله لإدارة حروبها بالوكالة وتستخدم حماس والجهاد لتفجير الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.

ما تقوم به إيران ليس تحببا بفلسطين, ولا هي ضد إسرائيل, إنما خدمة لإيران وطموحاتها النووية والإقليمية.

الكل يتذكر إيران-كونترا غيت عام 1987 عندما تلقت طهران الخميني أسلحة أمريكية-إسرائيلية. وهي لن تتدخل لإنقاذ النظام السوري إذا طالته اليد الأمريكية أو الإسرائيلية.

الحلف الجديد قد يوفر الخلاص لأغلب الزعماء العرب المأزومين بين مطرقة التحالفات العسكرية والسياسية الإستراتيجية مع أمريكا, وسندان التحالفات التكتيكية مع ملالي إيران. لا سيما أن أحدا لا يعرف مدى حدود انتشار النيران المشتعلة في الإقليم, والشكل الذي ستؤدي إليه المواجهة غير المباشرة الدائرة بين إسرائيل وإيران مستقبلا.

المحفزات الإيرانية المتقاطعة مع الأجندة الإسرائيلية أصبحت واضحة.

العنوان الجديد المشترك في جميع الملفات الملتهبة اليوم بات إيران, وحلفاءها في بغداد ودمشق وفلسطين. يقابل دخول رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ساحة اللعبة, وهو بحاجة ماسة لإظهار ثقة بالنفس يفتقدها, وبحاجة إلى تحقيق ضربات موجعة خارج الحدود, لكسب شعبية.

تركيا وقعت وثيقة رؤية مشتركة عسكرية وسياسية وأمنية مع امريكا, بهدف إعادة الدفء لعلاقاتهما الثنائية التي توترت خلال العقد الأخير, لا سيما بعد رفض حكومة وبرلمان تركيا اللذين يسيطر عليهما الإسلاميون السماح لأمريكا باستخدام قواعد شمالية شرقية لضرب العراق عام 2003 توزعت الادوار وسمح لانقرة باستقبال خالد مشعل على رأس وفد حماس بعد ان اكتسحت الحركة الانتخابات الفلسطينية.

النتيجة أن الفلسطينيين اليوم يدفعون ثمنا باهظا لشراكة الأمر الواقع بين إسرائيل وحكومة حماس الفلسطينية مع دمشق وإيران.

وكذلك الأمر في لبنان حيث يصول ويجول حزب الله في ساحة شبه خالية.

وما زال العراقيون يدفعون ثمنا باهظا لتحالف ساستهم من الشيعة الموالين لإيران, وما يشكل ذلك من تهديد لأمن الإقليم, ولاستقرار دول الجوار.

إيران باتت تسيطر اليوم على القرار الفلسطيني وترهن الشعب الفلسطيني واللبناني ورقة في طموحاتها الإقليمية, والنووية, وتتشارك مع أمريكا في السيطرة على القرار العراقي, وفي استخدام المعاناة العراقية, خدمة لمصالحها.

ثمة من يعتقد أن إيران استبقت المواجهة مع الولايات المتحدة من خلال زج حزب الله لمناوشة إسرائيل قبل ترتيب البيت العراقي وحتى تبقى الأوراق مخلوطة.

وأخيرا, وليس آخرا, ربما نجح التكتل العربي الجديد في تحصين المنطقة من التداعيات المستقبلية, بعد انتقال الملف النووي الإيراني من الوساطة الأوروبية إلى دائرة المواجهة مع مجلس الأمن.

وكالات

أضف تعليق