هيئة علماء المسلمين في العراق

قضى حارث الضاري العالم الجليل رحمة الله عليه/ د. علي العتوم
قضى حارث الضاري العالم الجليل رحمة الله عليه/ د. علي العتوم قضى حارث الضاري العالم الجليل رحمة الله عليه/ د. علي العتوم

قضى حارث الضاري العالم الجليل رحمة الله عليه/ د. علي العتوم

إنه الدكتور حارث بن سليمان بن ضاري المحمود الزوبعي، نسبة إلى قبيلة زوبع، وهي فرع من قبيلة الحُريث التي تمتُّ بالتالي إلى قبيلة طيّئ العربية العريقة التي منها جواد العرب المشهور حاتم الطائي. وجدُّه ضاري المحمود شيخ قبائل زوبع في العراق، وأحد رجال ثورة العراق الكبرى سنة 1920م على الاحتلال الإنجليزي، وقاتل قائد إحدى حملاته الغادرة ضد انتفاضة الشعب العراقي عليه، وهو الكولونيل (لجمن) إذ ظفر به في منطقةٍ (خان النقطة) بين بغداد والفلّوجة، فأرداه قتيلاً. ولد الشيخ حارث في قضاء (أبو غريب)، التابع لمحافظة بغداد عام (1941م) ودرس في مدارس العراق مراحله الأولى، ثم أكمل تعليمه العالي بمصر حتى نال شهادة الدكتوراة أواخر السبعينيات من القرن الغابر في الحديث الشريف من جامعة الأزهر، وعاد ليُدرّس في بلده وخارجه، وذلك في جامعة عجمان بالإمارات العربية وجامعة اليرموك في الأردن لعدة سنوات. وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق نذر نفسه للوقوف ضده والتحريض عليه. ومن ثمّ ألّف هيئة علماء المسلمين في العراق لمقاومته، وتولّى أمانتها إلى أن فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها يوم الخميس بتاريخ (12/3/2015م) في مدينة (اسطنبول) إثر مرض عُضال عانى منه طويلاً.

تعود معرفتي بالشيخ الجليل حارث إلى أواخر الألفية الثانية حيث كنتُ ألتقي به بين الحين والحين في رحاب جامعة اليرموك، إذ كنتُ أرى في شخصه الكريم عروبياً قُحّاً، ورجلاً ذا نُبل وشرف، وعالماً فاضلاً يطبعه سمت العلماء، فكنا نتبادل خالص الوداد، مع أن اللقاء قد يكون لأول مرة، ولكنْ يبدو أن وجودنا في جامعة واحدة وفي كُلّيتينِ متجاورتين وذواتِي رحم وقربى : الشريعة والآداب، كان من مُيَسِّرات هذا التعارف الودود، ولا سيّما أننا جميعاً نَمَتُّ إلى الدعوة لهذا الدين العظيم والذب عنه، وخاصة أنه حينها كان يدرّس إحدى بناتي (زينب) في كلية الشريعة تلك.

وبعد ذلك رُحتُ ألتقيه رحمه الله في الأردن الذي اختار الإقامة فيه منذ سنة (2007م) بين الفينة والفينة في المناسبات العامة أو الخاصة، وخارج الأردن في المؤتمرات التي تعقدها مؤسسة القدس في بلدان عربية كبيروت وصنعاء والجزائر وقطر، فلم أكن أرى منه إلا ودّاً غامراً ورُحْمى حنونة وأُخوّة حارة وتقديراً كبيراً لشخصي الفقير إلى عفو الله، مع أنه كان أكبر مني سناً وقدْراً. وما زلت أذكر أنه، رحمه الله في أحد المؤتمرات في بيروت، ناداني وكنتُ على شيء من المبعدة عنه، وقال لي: يا أخي علي، إنني أحبك لصدق إيمانك، وثبات موقفك، وأنك لم تُغيّر ولم تُبدِّل، فقلت له –وقد امتلأت امتناناً لهذه التزكية القيّمة منه-: جزاك الله كل خير يا أخي الحبيب، وأحبك الذي أحببتني من أجله، وإني لأعتدُّ هذه التزكية من جنابك الفاضل من أجل ما أفخر به، وأسأله تعالى أن أكون على قدْرها.

أما في الأردن، فقد التقيته مراتٍ عديدةً على تباعد في الفترات، ولكنْ مع تواصل شعوري دائم، ومهاتفةٍ بين الوقت والوقت، اطمئناناً على أحواله وأخباره، شادّاً من أزره، داعياً له ولإخوانه بكل توفيق وسداد. وفي غير ذلك أذكر أنني التقيته قبل عدة سنوات على طعام في بيت الأخ العزيز الدكتور همّام سعيد المراقب العام للإخوان المسلمين في منطقة شفا بدران، وأُخرى لعلها قبل ذلك في مركز حزب جبهة العمل الإسلامي في العبدلي للحديث عن أوضاع العراق وهيئة علماء المسلمين فيه، فكم سررت به حينها وسُرَّ هو بي كذلك رحمه الله. وآخر هذه اللقاءات كانت ذات مساء في فندق (لاند مارك) بجبل عمان، بدعوة من الدكتور إسحق الفرحان باسم مؤسسة القدس التي ننتمي إليها جميعاً بالعضوية. وأذكر له يومها موقفاً شهماً، إذ حاول أحدهم أن يَغُضّ من قدْر الدكتور القرضاوي لنقده الصريح لبعض الحكام العرب المتسلطين على شعوبهم، فلم يلبث أن قام رحمه الله ينافح عن الدكتور يوسف بكل جدٍّ وجراءة، فما كان من اللامز إلا أن لاذ بالسكون والسمود، كما أذكر أنه شرّفني يوماً بحضوره حفل خِطبة ولدي معاذ، في منطقة صويلح قبل سنوات، جزاه الله كل خير.

لقد كنتُ أشعر على الدوام أن بيني وبين الشيخ حارث رحمه الله، علاقة وثيقة لا تنفصم عُراها بإذنه تعالى. فقد أحببته من كل قلبي لتواضعٍ صادق كنتُ ألمسه منه، وإيمان عميق كنتُ أحسه فيه، ورجولة صلبة كنتُ ألمحها بشخصه الوقور، وعروبة أصيلة كنتُ أشيمها بجنابه المفضال، ولاسيما أنني رحتُ أسمع منذ سنوات أنه يمتُّ بنسب عريق إلى الشيخ ضاري المحمود الذي قتل أحد كبار قواد الاحتلال الإنجليزي للعراق كما أشرتُ آنفاً، فكان الشيخ حارث والحمد لله، خير خلف لخير سلف، أبى أن يهون أمام احتلال الأمريكان للعراق، أو يعمل في ركابهم، فكانت هيئة علماء المسلمين في العراق سلاحه الذي يقارع به احتلالهم، داعياً إلى مقاومتهم ومقاومة التدخل الإيراني الساعي لتدنيس أرض العراق، وإثارة النعرات الطائفية جَذَعَةً فيها.

أخي الدكتور حارث، إن من دواعي الروابط المتينة بيني وبينك، وكلها لله إن شاء الله، علاوة على ما ذكرتُ قبلُ، ما أجده في نفسي من إحساس عميق باحترام علم الحديث ورجاله وأنت منهم، وقد أثنى –صلى الله عليه وسلم– عليهم، بقوله: (نضَّر اللهُ امرءاً سمِعَ مقالَتِي، فوعاها فأداها كما سمعها، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ)، داعياً الله جلت أسماؤه أن يتقبلك في الصالحين، كيف لا وأنت –ولا أُزكّيك على الله– من العلماء العاملين الذين احترموا أنفسهم واحترموا علمهم، فلم يدوروا به على أبواب الحكام، بل دعوتَ لمقاومة هؤلاء الأمراء كأمثال نور المالكي الطائفي الممقوت وسيّده بريمر المجرم الأفّاك، فكنتَ – إن شاء الله – ممن ينطبق عليه قوله سبحانه : (يرفَعِ اللهُ الذين آمَنُوا مِنْكُم والذينَ أُوتُوا العِلْمَ درجاتٍ) وقوله : (ومَنْ أحسنُ قولاً ممّن دعا إلى اللهِ، وعَمِلَ صالِحاً، وقالَ: إنَّنِي مِنَ المُسلمينَ) ؟!
ولئنْ فاتني أخي الحبيب أبا مثنّى الصلاةُ على جثمانك الطاهر، وتشييعه إلى المقبرة الإسلامية في سحاب، فإنني وقد أمضَّني فَقْدُك، لهجْتُ بذكرك العاطر مترحماً عليك. ومن ثمَّ خَفَفتُ أنا وولدي الدكتور أيمن للحضور إلى مكان العزاء فيك بجمعية خليل الرحمن– شارع المدينة المنورة بعمان، مساء الأحد (15/3/2015م)، حيث ألقيتُ كلمةً هناك، أثينتُ فيها على مناقبك الحميدة بما أنت أهله. وها أنذا أُهديك في جدثك الندي هذه الأبيات، متمثلاً بها، وهي للشريف الرضي يؤبّن بها أحد أصحابه:

أَعلمتَ مَنْ حملُوا على الأعوادِ
أرأيتَ كيفَ خبا ضياءُ النادي
جبلٌ هوى لو خرَّ في البحرِ اغْتَدى
مِنْ وقْعِهِ مُتَتابِعَ الإزبادِ
ما كنتُ أعلَمُ قبلَ حَطِّكَ في الثَّرى
أنّ الثَّرى يَعلُو على الأطْوادِ
لا ينفدُ الدّمعُ الذي يُبكَى به
إنَّ القلوبَ له من الأمْدادِ
طاحَتْ بِتِلْكَ المَكرُماتِ طوائِحٌ
وعَدَتْ على ذاكَ الجوادِ عوادِ
إنْ لم تَكُنْ من أُسرَتِي وعشيرَتِي
فلأَنْتَ أعلَقُهُمْ يداً بوِدادي
فاذْهَبْ كما ذَهَبَ الرَّبِيعُ وأثْرُهُ
باقٍ بكلِّ خمائلٍ ونِجادِ

رحمك الله، وأعظَمَ أجر أهلك بمصابك، وخاصة ولدك الشاب المهذب مثنى، بل أجر جميع كرام أهل العراق، بل العالمين العربي والإسلامي. ووداعاً يا أخي حارث وإلى رضوان الله. إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

أضف تعليق