إن تركيز اهتمام الولايات المتحدة على الشرق الأوسط وتنظيم القاعدة والإرهاب، يظل رديفا لتنافس استراتيجى طويل الأمد مع الصين الشعبية، من أجل موارد النفط فى العالم.
ففى شهر أبريل-نيسان 2006، أدى الرئيس الصينى هو جينتاو زيارة إلى واشنطن، وتناول طعام الغداء مع الرئيس جورج بوش. وقد لاحظ كثير من المراقبين الإهانات أو المنغصات الواضحة التى لحقت بالزعيم الصيني، وهو فى الولايات المتحدة- من مثل الإحراجات البروتوكولية كعزف نشيد وطنى خاطئ ومشاغبة أحد المحتجين من طائفة فالون غونغ، الذى أربك سير الندوة الصحفية المشتركة للزعيمين.
وفى مستوى أعمق، فإن عددا لا بأس به من المحللين السياسيين أشاروا إلى أن رحلة جينتاو إلى الولايات المتحدة، كانت مرحلة لا غير، مما سوف يتبين أنه جزء من جولة عالمية شملت جملة من محطات التوقف فيما بعد بالعربية السعودية والمغرب ونيجيريا وكينيا.
وهذا التركيز على العالم العربى وبلدان من إفريقيا جنوب الصحراء، يكشف عن صميم الموضوع الذى حدد خط سير رحلة جينتاو: إنه النفط.
وكما بات معروفا، ففى العربية السعودية، ناقش هو جملة من التطورات الراهنة والمقبلة، والتى ترتبط جميعها بموقف السعودية كأكبر مزود منفرد للصين بالنفط- ما يزيد على 22 مليون طن فى 2005. وقد شرع بعد فى بناء مصفاة للنفط السعودى فى منطقة فوجيان الصينية، كما يجرى التخطيط لإنشاء مصفاة تشاركية بإقليم كينجداو.
ولعل ما هو أكثر أهمية، إنما يتمثل فى خطة بناء خزانات لاحتياطى استراتيجى للنفط فى موقع ساحلى بجنوب شرق الصين، والغاية هى توفير وتخزين النفط السعودى الذى يمكن استعماله فى أوقات النزاع واضطراب حركة الإمدادات.
واهتمام الصين بالنفط السعودى لا يوازيه إلا تعاملها الكبير مع إيران، والتى كانت أضخم صفقة أبرمت معها فى أكتوبر-تشرين الأول 2004، تتعلق بعقد لمدة ثلاثين عاما يقدر بمبلغ 70 بليون دولار يشمل إنتاج حقل يادافران، والذى سيزود الصين بالنفط والغاز بالإضافة إلى حقوق الاستكشاف والتطوير.
وفى زيارته لشهر أبريل-نيسان، تباحث جينتاو فى توسيع العلاقات مع نيجريا وكينيا. ونيجريا كانت ولا تزال بالفعل مزودا هاما لكل من الصين والولايات المتحدة، فهى تمد هذه الأخيرة بنسبة 15% من وارداتها النفطية، وهو رقم يرجح أن يرتفع ليصل إلى 25% فى غضون 2016.
أما الصين فإنها ترغب فى علاقة إستراتيجية أوثق مع نيجيريا، وهى تسعى الآن إلى إبرام عقود استكشاف، لا تقتصر على بعض المناطق البحرية المعروفة، وإنما تشمل أيضا حوض بحيرة تشاد، وهى منطقة تحف بها مخاطر ولكنها تتوفر على مخزونات لا بأس بها. وكان وجود كينيا ضمن برنامج رحلة جينتاو يكتسى أهمية خاصة، ويعكس بحث الصين عن اتفاقيات هناك لاستكشاف بعض المناطق التى مازالت موضع شك ولم يحسم أمرها فى عرض سواحل إفريقيا الشرقية.
وفى كلا البلدين، تبدو الصين مستعدة للمجازفة باستثماراتها لأسباب ليس أقلها أن حاجاتها من واردات النفط، ما انفكت تتزايد بوتيرة متسارعة.
وهذا أمر بات معروفا جيدا فى أوساط المحللين المتخصصين فى مجال تأمين الطاقة، والذين يجادل بعضهم بالحجة القاطعة التى تسند القول إن أحد الدوافع المحركة للعلاقات الدولية فى الخليج -العربي- هو رغبة الولايات المتحدة فى أن تبقى هى القوة العسكرية المهيمنة فى المنطقة، فى حين تسعى الصين إلى تطوير روابط سياسية واقتصادية أوثق هناك.
اللعبة "الكبري" الجديدة
من المصادفات الخارقة التى تعزز الارتباط بين هذه القضايا الجيوسياسية والتفكير العسكرى للولايات المتحدة، هو ذلك التوقيت بين زيارة رئيس الوزراء الصينى إلى البيت الأبيض واللعبة العسكرية الأمريكية التى تدور فى هاواي. فالمناورة التى يشترك فيها كبار المخططين العسكريين بالبنتاغون، يجرى الحديث عنها فى نشرية الأمن غير الرسمية: "ديفنس نيوز" Defense News، ولو على سبيل السيناريوهات الافتراضية.
وقد بدأت المناورة الحربية، حسب أحد هذه السيناريوهات، بأزمة تتصل بإيران لم تلبث أن تصاعدت عندما هاجم نظام طهران الملاحة فى الخليج -العربي-. وهذا ما أدى بدوره إلى رد كاسح من سلاح البحرية الأمريكية. وبينما كان هذا النزاع يتطور، هاجمت الصين جزيرة تايوان بما فرض على الولايات المتحدة توزيع قواتها حتى تستطيع الرد على هذا التحدى الإضافي، -والحديث هنا عن سيناريو، مجرد مناورة-.
ولتعقيد الأمور بصورة فعلية، بادرت فنزويلا إلى العمل بإرسال غواصات إلى خليج المكسيك لتنضم إلى غواصة صينية، ويبدأ ضرب المنشآت النفطية الأمريكية والمكسيكية.. وبالنظر لعجز الولايات المتحدة عن التصدى بمفردها لهذا الوضع، فإنها دعت البريطانيين إلى تقديم المساعدة، فسارعت لندن إلى إرسال بعض الغواصات الهجومية لإغراق القوات الفنزويلية والصينية. وبينما كانت "المناورة" يجرى تمثيلها، تنضم الهند إلى جانب الولايات المتحدة، عندما تتجه الحرب إلى صالح واشنطن؛ فى حين ظلت روسيا حازمة فى موقفها بالبقاء خارج حلبة الصراع.
والجدير بالذكر، أن تفاصيل المناورات الحربية الأمريكية المنتظمة، يجرى تسريب أخبارها فى العادة، إلى الصحافة المتخصصة فى شؤون الدفاع، ويكون المصدر هو خبراء الدفاع فى الكونغرس. ولعلها تكون من قبيل التصورات الخيالية البعيدة كل البعد عن الواقع - فإمكانية أن ترسل الصين غواصة تقطع مسافة حوالى نصف العالم، وان تعلن فنزويلا الحرب على الولايات المتحدة -بقطع النظر عن خطابات الرئيس هوغوشافيز المناوئة للولايات المتحدة-، إنما هو أقرب إلى الخيال القصصى للروائى توم كلانسى منه إلى الحقيقة؛ ولكن الإسقاطات التى تنشأ عن ذلك تخدم البناء على المخاوف المتواجدة سلفا بما يجعلها ذات نتائج عملية، عسكرية واقتصادية.
وعلى سبيل المثال، فإن طلب التدخل البريطانى كجزء من المناورة العسكرية يثير احتمال أن يكون الأسطول الأمريكى يحتاج بصورة عاجلة إلى مزيد من القوات المضادة للغواصات، من اجل الحفاظ على استقلاليته الإستراتيجية.
وبشكل اعم، وكما يشير إلى ذلك فاغو موراديان، فإن الخيط المشترك الناظم للمناورة العسكرية برمتها، كان هو الأهمية الإستراتيجية للنفط. والمقال يحدد ثلاثة عناصر جوهرية مترابطة فى حساباتها العسكرية:
* مناهضة فنزويلا لأمريكا، كواقع ملموس.
* الاستقلال السياسى الأكبر لروسيا، والنابع من ثروتها النفطية الخاصة، وتوسع صناعتها التصديرية للأسلحة.
* السعى المنسوب إلى إيران، من أجل امتلاك أسلحة نووية تمول برامجها بفضل موقع إيران كثانى أكبر منتج للنفط فى العالم.
فهذه العوامل الثلاثة توجد مجتمعة تثير "العصبية" فى التفكير الاستراتيجى للولايات المتحدة، -حسب ديفنس نيوز- إزاء التصاعد السريع لقوة الصين العسكرية، والاندفاع الشديد لهذا البلد على المستوى العالمي- لاستصفاء موارد خاصة بها للإمدادات النفطية. ومثل هذه "العصبية" تؤججها صفقات الصين مع إيران ونيجيريا.
والولايات المتحدة تنظر إلى العلاقة السعودية بوجه خاص، بمشاعر القلق، وذلك من منطلق الروابط العريقة القائمة بين العربية السعودية والولايات المتحدة، ولا سيما العلاقات الوثيقة بين الأسرة الملكية السعودية وجورج بوش الأب.
وخطة الصين لإنشاء ذلك الاحتياطى الاستراتيجى من النفط، وتزويده بالخام السعودى لكى يستخدم فى حالات الطوارئ، هى من وجهة نظر واشنطن بمثابة الدليل على أن الصين عازمة على توفير وحماية إمداداتها من الطاقة، كحرصها تماما على أن تنمو وتنمو، لتصبح قوة اقتصادية عظمي.
وانشغال الولايات المتحدة بأمن النفط، ليس بالأمر الجديد. فالرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت كان مهتما بل مهموما بأمن النفط الخليجي، إبان الحرب العالمية الثانية. وبعد مضى جيل واحد، كان الرد الأمريكى على أزمة أسعار النفط خلال 1973-74، وعلى الثورة الإيرانية فى 1979، هو إنشاء قوة الانتشار السريع، والتى توسعت لاحقا إلى ما هو أعظم من ذلك متمثلا فى القيادة المركزية الوسطى Centcom وهذه القيادة المتمركزة فى ولاية فلوريدا، هى التى قادت الحرب على العراق فى 1991، وهى التى تشرف الآن على عمليات الانتشار فى كل من العراق وأفغانستان.
ولقد كانت المهمة الأولى أو الأصلية للقيادة المركزية الوسطي، هى التصدى لأى عدوان سوفيتى محتمل فى المنطقة إبان فترة الحرب الباردة؛ أما اليوم، وفى ظروف مختلفة كثيرا،- فإن الكثير من اهتمامها الجيوسياسي، قد انصرف إلى الصين بكل وضوح: "كيف ينبغى أن نقاتل الصين" -انظر: د روبرت ماكميلان، مجلة "أتلنتك مونثلي"، يونيو-حزيران 2005-.
وما يثير الاهتمام الآن هو الاختلاف بين تصوير الانتشار العسكرى الأمريكى فى الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا كظاهرة مرتبطة بتهديدات تنظيم القاعدة، وكجزاء أساسى فى الحرب الشاملة على الإرهاب، وبين إجراء مناورة حربية كبرى مخصصة لأمن النفط وسلامة منابعه وإمداداته.
وبينما يتجهز الجيش الأميركى لخوض "الحرب الطويلة" حسبما يذهب إليه وزير الدفاع الامريكى دونالد رامسفيلد- والتعبير صادر عنه - فإن مسألة الصين والربط بينها وبين سلامة نفط الخليج تظل أمرا مسكوتا عنه، لا يبرز إلى السطح إلا عندما تنكشف مثل هذه التدريبات كالمناورة الحربية بجزر هاواي، ويقع الحديث عنها فى وسائل الإعلام. وهو من قبيل التذكير الخلاصي: فبينما يقع التركيز علنا على مكافحة الإرهاب، فإن الصين تظل تلقى بظلالها على التخطيط العسكرى الأمريكي، كحضور قوى وراء الكواليس.
وهكذا، فإن "اللعبة الكبري" التى تجرى الآن فى العراق وأفغانستان، وعلى نطاق أوسع بتلك الأصقاع، إنما هى ذات صلة أكبر وأوثق بالمسألتين التوأمين، وهما النفط والصين أكثر مما هى متصلة بما يبدو مقبولا وجاهزا للترويج -من قبيل "محاربة الإرهاب" او "إقامة الديمقراطية"-. ولا يعدو أن يكون ذلك سببا إضافيا لجعل أى حديث عن انسحاب عسكرى أمريكى كامل من العراق ضربا من التفكير غير الصحيح وغير الوارد أصلا، بكل بساطة.
وكالات
الولايات المتحدة تحارب مستقبل الصين فى العراق!-بول روجرز
