تعد تشكيلات ما يُسمّى "الحشد الشعبي" الميليشياوية؛ واحدة من أفظع ما أنتجته المشاريع التي أفرزتها العملية السياسية المبنية على المحاصصة الطائفية في العراق؛ ذلك أنها اتسمت بمسار إجرامي أعاد إلى الأذهان مجريات الأحداث التي رافقت اجتياح المغول لبغداد في القرن السابع الهجري، في حقبة مظلمة أهلِك فيها الحرث والنسل وسالت دماء الناس حتى غدت تسابق مياه دجلة والفرات.
تعود جذور تأسيس هذه الميليشيات للأسابيع الأولى بعد احتلال العراق سنة 2003، وبعض التقارير تتحدث أنها شكلت في أثناء الحرب، نظرًا لدورها الواضح في أعمال التخريب والسلب والنهب التي طالت العاصمة بغداد خاصة والعديد من محافظات العراق الجنوبية بشكل عام بعد التاسع من نيسان من تلك السنة، ثم مارست أنشطتها بثوب طائفي خالص بدعم حكومي مبكر تحت علم وموافقة قوّات الاحتلال، وبقيت على هذا الحال حتى تاريخ الثالث عشر من حزيران/ يونيو 2014 إذ أُعلِن عنها بصفة رسمية وأطلق عليها تسمية الحشد الشعبي"، بعد انهيار القوات الحكومية الفاضح.
ولتسليط الأضواء على أفعال هذه الميليشيات وطبيعة عملها والكشف عن مسمياتها وتبعيتها؛ أعدت منظمة (السلام للإغاثة وحقوق الإنسان الدولية) تقريرًا تفصيليًا نشر مؤخرًا، أظهر جوانب كثيرة تعطي انطباعًا عن حقيقة هذا الحشد والدوافع التي كانت خلف تشكيله وإطلاقه بهذه الصورة ذات الأفعال الممنهجة والمعد لها سلفًا، فقد ارتكبت هذه الميليشيات أعمال عنف طائفية في المناطق التي تستولي عليها وقتلت مئات المدنيين السنة بإعدامات عشوائية، إلى جانب ممارسات تعسفية أخرى تصل لمستوى جرائم ضد الإنسانية، وهو ما أكدته منظمات حقوق الإنسان الدولية، ومن مظاهر هذه الجرائم؛ أن الميليشيات نفذت عمليات انتقام ذات طبيعة مذهبية تجاه السكان السنّة الذين لم ينخرطوا في الأعمال المسلحة، وقد شهدت على ذلك مستشارة منظمة العفو الدولية (دوناتيلا روفيرا) في أكثر من تقرير ومناسبة متعلقة بالقضية العراقية.
ويمضي تقرير منظمة السلام؛ إلى استعراض تفاصيل تتعلق بمن يدعم هذه المليشيات وعدد قواتها، مبينًا أن الحكومة الحالية خصصت جزءًا من ميزانية الدولة لسنة 2015 لدعم الميليشيات المسلحة المنضوية تحت مسمى "الحشد الشعبي" وظهر ذلك في الأمر الذي أصدره رئيس الوزراء الحالي (حيدر العبادي)، بإطلاق (60) مليون دولار؛ لغرض "بناء قدرات الحشد الشعبي، وتخصيص جزء من الموازنة لهذا الغرض" حسبما جاء في بيان صادر عن مجلس الوزراء، وبموجب ذلك يتقاضى كل فرد في الحشد الشعبي مبلغ (500) دولار شهريًا تدفعها الحكومة لكل فصيل بحجم لواء ويتمتع بهيكلية واضحة ليحظى بالدعم المالي، هذا إلى جانب ما تتلقاه هذه التشكيلات من دعم لا محدود يقدمه رجال أعمال طائفيون، دون أن تعرف على وجه الدقة أرقام الأموال التي صرفت وما تزال تمنح لها، لكن التقرير يشير إلى أن ما تسمى "سرايا السلام" التابعة لمقتدى الصدر، و"سرايا العتبات" التي تتألف من خدم المقامات تعد الأكثر تمويلاً.
أما فيما يتعلق بعدد هذه المليشيات، فقد نقل التقرير اعترافات لمسؤولين حكوميين من بينهم قيادي في ما يسمى "ائتلاف الوطنية" الذي يتزعمه نائب الرئيس الحالي (إياد علاوي)؛ جاء فيها أن أعداد قوات ميليشيات الحشد الشعبي بلغت (250) ألف متطوع غالبيتهم من الميليشيات الشيعية السابقة, موضحًا أن منظمة "فيلق بدر" التي كان تعدادها بين (40) إلى (50) ألف مقاتل وحُلت في العام 2005 وأصبحت منظمة سياسية برئاسة (هادي العامري), أعيد تحويلها إلى منظمة عسكرية بهذا العدد الكامل في إطار ميليشيات "الحشد الشعبي".
وعن العلاقة التي تربط "الحشد الشعبي" بإيران؛ يوضح التقرير بأن المدعو (جمال محمد جعفر)، المعروف باسمه الحركي "أبو مهدي المهندس" والذي يشغل منصب إدارة الحشد الشعبي وقيادته؛ يعد اليد اليمنى لقائد فيلق القدس الإيراني (قاسم سليماني)، وهو ما تؤكده تصريحات لشخصيات حكومية لم يكشف التقرير عنها، لكنه نقل عن بعض المقاتلين في ميليشيات الحشد؛ قولهم إنه بمثابة قائد لجميع القوات التي تعتبر كلمته كالسيف عليها، وقد ثبت ذلك كلّه على الرغم من إنكار الحكومة الحالية وجود دعم عسكري إيراني مباشر لتلك المليشيات، قبل أن يخرج وزير الدفاع الحالي (خالد العبيدي) مؤخرًا وفي حالة من الإضطرار؛ ليعترف بأن إيران تقدم ما وصفه بـ"الدعم الكبير" للحشد الشعبي، وذلك تزامنًا مع تصريحات لشخصيات سياسية وأعضاء في مجلس النوّاب، أكدوا أن الحرس الثوري الإيراني هو من يتولى تجهيز ميلشيات "الحشد الشعبي" بالأسلحة والمعدات القتالية.
وإثباتًا لهذه الحقائق؛ فقد نشرت وكالات أنباء عديدة صورًا لقائد فيلق القدس (قاسم سليماني) بصحبة أفراد وقياديين في ميليشيات الحشد، وأكدت مصادر كثيرة أن سليماني يشرف بنفسه على تحركات هذه الميليشيات في محافظة صلاح الدين؛ وهو ما جعل مراقبين يعربون عن لقهم وخشيتهم من أن تمارس هذه المليشيات تصفيات ميدانية تجاه أهالي المحافظة، وهو ما حصل فعلاً في مناطق الدور وألبوعجيل وتكريت، وقد سبقت ذلك ممارسات مماثلة في الإسحاقي والضلوعية، فضلاً عن محافظة ديالى ومناطق حزام بغداد الجنوبي.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة (رويترز) عن مسؤولين حكوميين قولهم؛ إن الإيرانيين ساعدوا في تنظيم تشكيلات "الحشد الشعبي" بعد الفتوى التي أصدرها المرجع الديني (علي السيستاني)، وإزاء ذلك؛ يؤكد التقرير أن من تصفهم الحكومة بـ"المستشارين" الإيرانيين الموجودين في العراق ساعدوها وقوّاتها في كل شيء، بدءًا من الجوانب التكتيكية إلى توفير إمكانات الاستطلاع والإشارة اللاسلكية باستخدام الطائرات المسيرة لإجراء المسح الإلكتروني والتقاط الاتصالات الراديوية، وعلى هذا الأساس حذرت مصادر مطّلعة من أن المخطط الإيراني يقضي برفع تعداد قوات "الحشد" إلى ضعف العدد الحالي، بذريعة الحاجة إلى تقوية الدولة الطائفية التي أرسى قواعدها رئيس الوزراء السابق (نوري المالكي)، وذلك بموازاة ممارسة تهميش السنّة وعدم تمكين أكثر المشردين والنازحين من العودة إلى ديارهم التي هدمتها ميليشيات "الحشد الشعبي" أو احتلتها.
وفي سياق متصل، استعرض التقرير جانبًا من جرائم "الحشد الشعبي" في العراق، المتمثلة بجرائم الذبح بشكل وحشي وجماعي طالت المئات من السنّة، أو قتلهم بطرق همجية إجرامية يتعفف عنها أعتى الوحوش والمجرمين، في وقائع كثيرة استفاضت وتعددت ونقل كثير منها تصويرًا، وفي هذا الشأن تقول منظمة (هيومن رايتس ووتش) في أحد تقاريرها: إن انتهاكات المليشيات المتحالفة مع قوات الأمن الحكومية في المناطق السنية؛ تصاعدت في الشهور الأخيرة، إذ تم إجبار السكان على ترك منازلهم، أو خطفهم، أو إعدامهم ميدانيًا في كثير من الأحيان.
ومن أبرز تلك الجرائم؛ قتل عدد كبير من المدنيين في محافظة ديالى التي شهدت عمليات واسعة لاستعادة بعض مناطقها بعدما سيطر عليها المسلحون؛ وشملت الاتهامات حرق القرى والمزارع في المناطق التي تجري استعادتها من المسلحين، بالإضافة إلى حرق وسرقة عشرات المنازل السكنية، كما تمادت مليشيات الحشد في محافظة صلاح الدين حين نفذت إعدامات طالت مدنيين بينهم أطفال، وقد جددت (منظمة العفو الدولية) اتهاماتها لـ"الحشد الشعبي" بقتل عشرات المدنيين السنة في إعدامات عشوائية، وأكدت أن ممارسات ميليشيات هذا الحشد تصل إلى مستوى جرائم الحرب، عن طريق التنكيل الطائفي والعمل على إحداث تغيير ديموغرافي عبر التهجير القسري للعائلات من بعض المناطق السنية، وهدم دور العبادة، وقتل المصلين في جوامعهم وتنفيذ اغتيالات منظمة لأئمة مساجد، ومن أكثر هذه الجرائم إيضاحًا وإثباتًا؛ مجزرة منطقة (بروانة) في محافظة ديالى، التي ذهب ضحيتها أكثر من (90) شخصًا.
وفضلاً عن ذلك؛ فقد قدم مركز عراقي مختص بحقوق الإنسان توثيقا مصورًا لشهادات حول حالات اغتصاب تعرضت لها نساء في منطقة جنوب بغداد على أيدي جنود في الجيش الحكومي وأفراد من ميليشيات "الحشد الشعبي"، وقد أكد ناشط حقوقي أن القائمين على هذه الأفعال ينفذون أجندة طائفية، تهدف للتطهير العرقي والمذهبي في المناطق المحيطة بالعاصمة بغداد.. كما وثقت منظمات ناشطة في العراق تعرض (190) مسجدًا ـ على الأقل ـ للتخريب أو التدمير أو الاعتداء عليها من قبل الميليشيات الطائفية في المناطق الساخنة، ومنها ديالى، وصلاح الدين، والأنبار، وبغداد، وغيرها، في حين تستمر عمليات التهجير القسري والاغتيالات الممنهجة التي تروم الحكومة عن طريقها إجراء تغيير في ديموغرافية المنطقة.
وزيادة على ما ذكر؛ فقد أورد تقرير منظمة (السلام للإغاثة وحقوق الإنسان الدولية) ما تداوله نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي من مقاطع مصورة تظهر القوات الحكومية ومليشيات "الحشد الشعبي: المساندة لها وهي تحرق منطقة (ألبوعجيل)، قرب مدينة (تكريت) مركز محافظة صلاح الدين، وقد ظهر في المقاطع أفراد المليشيات وهم يضرمون النار في المنطقة كلها بما فيها من مساجد وبساتين وحقول زراعية ومنازل ومحال تجارية وسيارات.
وضمن سياق سياسة التغيير الديموغرافي التي تمارسها الميليشيات فقد جرى اختطاف أكثر من أربعين شخصا بينهم نساء وأطفال في قضاء (الدور) جنوب شرقي تكريت؛ وتقول مصادر عراقية وتقارير صحفية إن عمليات الخطف جرت مباشرة بعدما تمكنت القوات الحكومية المدعومة بقوة من مليشيا "الحشد الشعبي" من الدخول إلى أحياء الجزء الشمالي من المدينة، مشيرة إلى أن جميع المختطفين أخذوا من منازلهم في قرية (الباشات) وتم اقتيادهم إلى مكان مجهول، قبل أن ترد مؤخرًا أنباء عن قتلهم جميعًا.
إلى ذلك؛ استشهدت دراسة المنظمة ببعض التقارير الأجنبية التي كشفت عن كثير من جرائم "الحشد الشعبي" الطائفية، ومنها القتل على أساس الهُويّة الذي سلطت صحيفة (التايمز) البريطانية الضوء عليه، فقد نشر مراسها في بغداد (توم كوغلان)، تقريرًا بعنوان: (استهدف السنة العراقيين على يد فرق الموت)، تناول فيه استهداف السنة في بغداد من جانب الفرق والجماعات التي تقتل على الهُوية، مبينًا أن اسم الشخص قد يحمل له حكمًا بالإعدام في شوارع العاصمة العراقية، وأن اسم (عُمر) هو الأكثر خطورة في هذا الشأن؛ لافتًا إلى أنه في غضون يومين اثنين وصل إلى المشرحة المركزية، في بغداد حوالي (41) قتيلاً معظمهم قتلوا برصاصة في الرأس، وأن من تم التعرف على هويتهم، كانت أسماؤهم تساعد على تفسير سبب قتلهم، فقد كان (عُمر) هو الاسم الأكثر شيوعًا بينهم، مشيرًا غلأى أن نحو ثلاثة آلاف شخص عراقي يحمل اسم (عُمر) طلبوا تغيير أسمائهم حتى لا يُقتَلوا بسببها.
أمّا منظمة (هيومن رايتس ووتش) فقد أكّدت أن ما يحدث في العراق من القتل على الهوية؛ هو نسخة من محاكم التفتيش الصليبية بأوروبا والتي أسرفت بقتل المسلمين، هذه المنظمة الحقوقية في تقرير نشر مطلع شهر نيسان الجاري؛ إن الميليشيات الموالية للحكومة في العراق نهبت منازل السكان السنّة ودمرت قرى بعد أن حققت "نصرًا" على المسلحين في بعض المناطق، مشيرة إلى أن روايات شهود العيان وصور الأقمار الصناعية أكدت أن الميليشيات أحرقت المنازل والشركات التي تخص المدنيين السنة الذين فروا من مناطق، معبرة عن مخاوفها من الدور الرئيس الذي اضطلعت به الميليشيات في الهجوم ضد المسلحين في مختلف أنحاء مدينة تكريت، عن طريق قوّة قوامها (20) ألفًا من أفراد الميليشيات الطائفية وثلاثة آلاف فقط من القوات الحكومية "النظامية"، بحسب اعترافات قائد الجيش الامريكي (مارتن ديمبسي)، وقد ظهر في الأسبوع المنصرم أن هذه المخاوف كانت في محلها بعدما اجتاحت الميليشيات المدينة وبدأت تمارس أعمال السلب والنهب والحرق، فضلاً عن الإعدامات الميدانية للسكان.
وفي خضم تقريرها؛ تقول منظمة (السلام) إن الرأي العام العالمي والعربي لا يعرف الكثير عن قوات "الحشد الشعبي" التي ترافق القوات الحكومية؛ لذلك نشرت قائمة تعريفية ببعض فصائلها، مبينة أن "الحشد" يتألف من مئات الآلاف من الأفراد موزعين على أكثر من (42) فصيلًا، أبرزها: (العصائب، واليوم الموعود، ولواء أبو الفضل العباس، والمنتظر، وكتائب درع الشيعة، وجيش المختار، وحركة حزب الله، وسرايا طليعة الخراساني، وسيد الشهداء، وسرايا السلام، ومنظمة بدر الجناح العسكري، ولواء أسد الله الغالب، ولواء عمار بن ياسر، ..إلخ) مشيرة إلى أن هذه التشكيلة تفصح بوضوح عن الطبيعة الطائفية لـ"الحشد".
ومضى التقرير يستعرض ملفات تعريفية لكل فصيل منها، مبتدئًا بـ"سرايا السلام" التي توصف بأنها الميليشيات الأكبر، ونواتها "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر، والذي كان قد زعم تجميده سنة 2007، لكنه عاد وأعلن الاسم الجديد في الحادي عشر من شهر حزيران/ يونيو 2014، أي قبل صدور فتوى السيستاني بيومين، مبينًا أن مقاتلي هذه السرايا يمتازون بـ"تنظيمهم الصارم وبولائهم الصدري"، وأمرهم يأتي مباشرة مقتدى الصدر، دون تأثير رسمي حكومي أو حتى إيراني عليهم، إذ تلعب الشخصيات المرتبطة بالبيئة الصدرية الدور الأساس في تمويلها.
أمّا "منظمة بدر"؛ فهي أقوى ميليشيات "الحشد الشعبي" وترتبط بعلاقات قوية مع الجيش الحكومي ويواليها معظم أصحاب الرتب العالية فيه، وعن طريقها يمرّ السلاح الإيراني إلى العراق وهي التي توزّعه على بقية تشكيلات الحشد؛ ويؤكد التقرير وجود علاقة وثيقة بين (هادي العامري) والمرشد العام للثورة الإيرانية (علي خامنئي) وفيلق القدس بقيادة اللواء (قاسم سليماني)، كما يُقدر عدد أفرادها بعشرات الآلاف، إذ انضوى أكثر الملتحقين بالحشد تحت رايتها بعد إعلان السيستاني لفتواه، ويخلص التقرير بشأنها على القول؛ إنها تمتاز بخبرة عسكرية كبيرة نظرًا لأن مسؤولي الألوية فيها شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي.
وفيما يتعلق بـ"كتائب حزب الله ـ العراق"، فهي تنظيم سري جدًا، وقيادته غير معروفة ولا تنسق إلا مع الإيرانيين، وقد أعلنت ولادتها سنة 2007 ببيان رسمي، وتمتاز بأن عدد أفرادها كبير ومنظم بشكل جيد، وقد وشاركت هذه الكتائب في معارك ديالي وقضاء بلد بصلاح الدين، وكان دورها أساسيًا في معارك جرف الصخر جنوب بغداد، كما تمتلك سلاحًا خفيفًا ومتوسطًا وتعتمد حين الحاجة على إسناد ناري إيراني مباشر بالسلاح الثقيل.
وبشأن ميليشيا "عصائب أهل الحق"؛ فإنها تعد ثاني أكبر الميليشيات بعد "سرايا السلام"، وقد ولدت سنة 2007 من رحم "جيش المهدي"، ولاؤها للخامنئي، وتربطهم علاقة وثيقة جدًا بفيلق القدس، كما يمتلك أفرادها الذين هم بعشرات الآلاف؛ خبرة عسكرية جيدة إذ لديهم هيكل تنظيمي عسكري متين يقوده المسؤول العسكري (الشيخ ليث).. وقد كان لهم دور فعال جدًا في معارك آمرلي وقضاء بلد، وشاركوا أيضًا في معارك جرف الصخر ومعارك الضابطية، ولديهم مصانع تنتج صواريخ من طراز "الأشتر" وصواريخ أخرى استخدمت في معارك (عزيز بلد).
ومن بين ميليشيات "الحشد الشعبي"؛ ما تسمى "حركة حزب الله النجباء"، التي انشقت عن "عصائب أهل الحق" سنة 2013، وأصبحت تحت قيادة (الشيخ أكرم الكعبي) الذي كان نائب الأمين العام للعصائب ويقود "لواء عمار بن ياسر" التابع للأخيرة في سورية؛ وذلك بسبب تفاعل خلاف سابق حول مقتل أحد قادة العصائب المقربين من (الكعبي) على يد أحد مرافقي المسؤول العسكري (ليث)، ويمتاز أفرادها ـ وعددهم بضعة آلاف، ـ بتدينهم الشديد وبولائهم للخامنئي، وقد شاركوا بفاعلية في معارك (النباعي) و(الضابطية) شمالي بغداد وفي (سامراء) بسلاحهم الخفيف والمتوسط مع تغطية نارية من الجيش الحكومي بالأسلحة الثقيلة، كما يمتلكون مصانع صواريخ "الأشتر" ويستخدمونها بكثافة.
وقد انشقت عن "كتائب حزب الله" مجموعة تسمي نفسها " كتائب سيد الشهداء" وذلك بالتزامن مع فتوى السيستاني، وصار أمينها العام المدعو (الحاج ولاء)، ولها مسؤول عسكري يدعى (الحاج أبو يوسف) وقد قتل مؤخرًا في سامراء، عدما كان من كبار المتمولين العراقيين، ويقدر عدد أفرادها بما بين (3 ـ 4) آلاف فرد ويتميز مقاتلوها بمستواهم التعليمي العالي فأغلبيتهم جامعيون، وتمتلك جميع الاختصاصات العسكرية التي تحتاج إلى مستوى تعليمي عالٍ. أما سلاحهم فهو خفيف ومتوسط وينسقون بشكل قوي مع الجيش الحكومي الذي يؤمّن لهم التغطية النارية بالأسلحة الثقيلة، وقد شاركت في معارك سامراء وآمرلي.
أمّا ما تسمى "سرايا الجهاد والبناء" التي يُقدر عدد أفرادها بحوالي ثلاثة آلاف، فقد تأسست بالتزامن مع فتوى السيستاني، كجناح عسكري للحركة السياسية المعروفة بـ"حركة الجهاد والبناء" التي تشكلت أوائل سنة 2011 باندماج ثلاثة تشكيلات هي؛ "حركة حزب الله العراق"، و"حركة سيد الشهداء"، و"حزب نهضة العراق"، ويعتبر البعض أن هذه السرايا هي جناح المجلس العسكري البديل عن منظمة بدر.
ومن بين التشكيلات التي تدين بالولاء للخامنئي؛ ما تسمى "سرايا الخراساني" التي تشكلت سنة 2013 كجناح عسكري لـ"حزب الطليعة الإسلامي" تحت عنوان الدفاع عن المقدسات في سورية، بقوام ثلاثة آلاف مقاتل، ويُعد المدعو (حامد الجزائري) هو قائدها الفعلي، وقد شاركت في معارك قضاء (بلد) بمحافظة صلاح الدين التي قضى فيها العميد الإيراني (حميد تقوي) حين كان يشارك في المعركة إلى جانبهم، كما شاركت أيضًا في معارك آمرلي، وتتلقى دعمًا قويًا من الجيش الحكومي.
وإلى جانب ما ذكر، فإن "كتائب التيار الرسالي" ـ بزعامة (عدنان الشحماني) الذي قضى سنة في السجون الحكومية وأطلق سراحه سنة 2012 بعد صدور قانون العفو ـ شاركت بمقاتليها الألفين في معارك شهدتها منطقة المعامل في ناحية الكرمة بقضاء الفلوجة، كما تعتبر "سرايا عاشوراء" التي شكّلت بعد فتوى السيستاني، أحد الأجنحة العسكرية للمجلس الأعلى، ويقدر عدد أفرادها بنحو خمسة آلاف، وهم منظمون بشكل جيد ويمتلكون خبرات عسكرية اكتسبوها سابقًا من منظمة بدر، وشاركوا في معارك قضاء بلد ومعارك الضابطية.
وفي آخر المطاف، يذكر التقرير "سرايا العتبات" التي تعود تبعيتها للمقامات والمراقد في العراق وتتألف من عدّة سرايا يقودها المدعو (الشيخ ميثم) ويقدر عدد أفرادها بخمسة آلاف مقاتل شاركوا في معارك (جرف الصخر) جنوب بغداد ومنطقة (سيد غريب) في قضاء بلد، وهم يعتمدون على السلاح الخفيف والمتوسط الذي يمدهم به الجيش الحكومي، أما تمويلهم فهو ضخم ويأتي من عائدية المراقد.
إن المعلومات المذكورة والتي تؤكد على صحتها التقارير الميدانية ومصادر الأخبار اليومية، تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى الدور الإيراني وتدخل طهران السافر في الإمساك بزمام الأمور والتحكم في العملية السياسية، في محاولة لتنفيذ مخطط انتقامي يستهدف العراق أولاً بناءً على تراكمات تاريخية محفوفة بالأحقاد والضغائن، ويسعى لاحقًا للامتداد نحو بقية بلدان المنطقة التي تبدو وكأنها على شفا هاوية، وإن لم يتم تدارك الأوضاع بسرعة؛ فإن التحالف الإيراني ـ الغربي الذي يسعى بكل حرص وجهد إلى إعادة تقاسم النفوذ فيها؛ سيعمل على محو مظاهر الإسلام والعروبة منها وبالتالي ستجد الأمة نفسها أمام تبعية جديدة لن تترك لها متنفسًا يؤهلها للمسير نحو استعادة حضارتها وقوّاتها التي حكمت بهما العالم كله لقرون طويلة.
وكالات + الهيئة نت
ج
ميليشيات الحشد الشعبي في العراق ترتكب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية
