هيئة علماء المسلمين في العراق

اغتصاب.. واغتصاب آخر؟ ، - نواف أبوالهيجاء
اغتصاب.. واغتصاب آخر؟ ، - نواف أبوالهيجاء اغتصاب.. واغتصاب آخر؟ ، - نواف أبوالهيجاء

اغتصاب.. واغتصاب آخر؟ ، - نواف أبوالهيجاء

الاغتصاب أنواع كثيرة. هناك اغتصاب أوطان. وهناك اغتصاب حقوق ، وهناك اغتصاب للنساء ، وهناك اغتصاب للرجال. هناك اغتصاب إرادات ، ومصادرة أرواح شعوب بعد الفتك بحقوقها كلها. هناك تسليب ، أي تقشيط أو تشليح ، وهذا اغتصاب. منع ممارسة حق الإنسان في الحياة والحرية والعقيدة والتفكير والعمل في مساحة وطن طليق اغتصاب أيضاً.
وإذا كان الاحتلال الصهيوني لفلسطين قد اغتصب الأرض ، فإنه سجن الشعب أيضاً واغتصب كامل حقوقه ، المنصوص عليها في القوانين والشرائع الوضعية والسماوية.

وإذا كان ثمة من غضب لأن جنوداً محتلين أمريكيين قد أسهموا في اغتيال أسرة عراقية ، بعد اغتصاب ابنتها (عبير) ذات الخمسة عشر عاماً ، وقتلها أيضاً فإن هذا الغضب يجب أن ينصب في الدرجة الأولى على من سهل ويسر أن يغتصب العراق بالاحتلال بالقوة الغاشمة. فما يسمى أنه تحرير لشعب العراق ظهر جلياً في: (أبو غريب) وفي (الفلوجة) وفي (الاسحاقي) وفي (المحمودية) كما في (النجف) وقبل ذلك في عموم العراق ما بين البصرة وزاخو ، بل في أزقة وشوارع وبيوت الخريطة الوطنية العراقية المهددة بالتمزق والدمار.

إن إشهار الرضا التام عن أداء قوات الاحتلال في العراق ليس سوى ردة فعل نتجت عن تدهور مريع في شعبية من شنوا حرباً شرسة احتلالية على العراق لأسباب معلنة ثبت بطلانها بالكامل. وإذا كانت الأجندة قد تحولت من أسلحة الدمار الشامل إلى بناء النموذج الديمقراطي الحر ، فإن هذه الحرية لم تمنع بل هي ما سهل أن يقوم المحتلون بعمليات الاغتصاب ، إن بتكديس أجساد حية عارية لسجناء عراقيين في أبوغريب ، وإن بالقتل العمد لأربع وعشرين روحاً في حديثة أو بتسوية الدور والبيوت وما بينهما بالأرض كما في الفلوجة.

إن ارتفاع أصوات الشجب والاستنكار قد تكون قناعاً يخفي إحساساً مريراً بالعار لدى شرائح محددة ، وقد تكون عملية دفع للذي هو أسوأ من ذلك بالكلمات الفارغة ، لكن الحقيقة الساطعة هي أن الاحتلال أياً كانت ذرائعه ، ولافتاته وشعاراته ، هو المهانة والاغتصاب. مهانة للوطن واغتصاب له وللمواطن معاً.

إن مقاومة الاحتلال على ما تتضمنه من تضحيات ودماء وجهود ليست إلا التعبير الدقيق والأمين والدامي على أن نزعة الحياة هي المكابدة والتصدي لانتزاع الوطن من براثن المحتلين الغاصبين.

ولعل أغرب ما يحدث حين يقع القتلة الغاصبون وبالجرم المشهود فإنهم سرعان ما يصبحون (مضطربين سلوكياً) ، أو ربما مصابين بلوثة جنون ، تماماً كما هي الحال التي وصف بها من أحرق المسجد الأقصى ، ومن قتلوا المصلين في الحرم الإبراهيمي الشريف ، وكما أعلن مسبقاً من أن الجندي الأمريكي المغتصب والقاتل في المحمودية يعاني من اضطراب سلوكي.

أما المتصدون للغاصب المحتل القاتل فهم بالطبع ليسوا سوى (إرهابيين).
أليست هذه هي الصفة التي تطلق اليوم على الفصائل والمنظمات الفلسطينية ، كما على المقاومة العراقية للاحتلال؟ لا فرق في التصنيف بين حماس وفتح ، ولا بين الرئيس عباس ورئيس وزرائه هنية ، كما لا فرق بين من يتصدى للمحتل الأمريكي ، ومن يجاهر بضرورة خروج المحتلين من العراق. الصورة في فلسطين تقول: جندي وحيد في مقابل شعب بكامله.

إنها صورة المعادلة الناتجة عن الاغتصاب. ذلك أن المفردة تشمل أيضاً اغتصاب معاني ودلالات النهوض بما تمليه الكرامة ، وما يرتبه الشرف وما يحويه معنى الوطن والقدسية والمقدسات من مسؤوليات على كواهل المواطنين المعرضين هم وما يملكون وما يقدسون للمهانة تحت سرف الدبابات ، أو تحت وطأة انفجارات القذائف والصواريخ المدمرة.

إن قهر إرادة شعب بالتزوير والتلفيق ، بكل آلات ووسائل الاغتصاب - مثل قلب الحقائق ومنع خروج الكلمات المعبرة عن المواقف من الوصول إلى أسماع وألباب الآدميين في أرجاء المعمورة هو اغتصاب. إن الاغتصاب يجد اليوم تعبيره الحي بالشلل التام الذي أصيب به عصب المجتمع الدولي في حالتي الاغتصاب الرهيبتين في العراق وفي فلسطين.

وإذا ما وجد مبرر مهما كان واهياً أو هشاً لسيادة الصمت المتآمر أو المتواطئ أو الخانع المطأطئ تحت وطأة الخوف من بطش القوة الغاشمة عالمياً ، فإن هذا المبرر ذاته مشطوب في قائمة المستهدفين بالاغتصاب ، فإن لم يتم اغتصابهم بعد ، فإنه قادم عبر المطلوب منهم بالانحناء حتى ملامسة التراب تحت مهانة القبول بفعل الاغتصاب ، أكان متبوعاً بالقتل بعد الاغتصاب أم مسبوقا بالقتل قبل الاغتصاب. وإذا كنا نرى أن الاغتصاب بعد الموت مهانة ومذلة أكيدتان للغاصب المجرم ، فإن ذلك لا يجعل ثيابنا بيضاً ناصعات.

من هم المستهدفون بالاغتصاب سوى أبناء أمة حملت ذات زمن ميزان الهدى والسيف فوق ظهور المطهمات ، مع اللبن والتمر ، ما بين البرينس وسور الصين العظيم؟

إن تقليص مساحة فعل الهداية والإيمان والمحبة يتم اليوم بالخنوع لإرادة المحتلين الغاصبين ، والقبول بلقمة طعمها أمر من العلقم لأنها مغمسة بدم شرف استبيح من الجلادين الغاصبين ، مع نسيان حقيقة أن الشرف الرفيع لا يسلم من الأذى (حتى يراق على جوانبه الدم).

الدستور الاردنية

أضف تعليق