صديقتي العراقية، أرملة شابة، تعيش في بغداد مع عائلتها المكونة من ابن شاب وزوجته وطفلهما الرضيع، ابنة شابة خريجة جديدة ومخطوبة، ووالدتها المريضة. في الجانب الآخر هناك أخوها، أستاذ جامعي في مقتبل العمر،
ويدير عائلته المتكونة من زوجة وابن وابنة في ربيع الشباب، وأخوها الآخر، طيار سابق. هذه العائلة الصغيرة لها فروع من الخالات والعمات والأخوال والأعمام، وعائلاتهم المتكونة من الأبناء والبنات والأحفاد، وامتدادات عشائرية في مختلف مناطق العراق.
تعيش صديقتي وأفراد عائلتها كل مآسي العراق لحظة بلحظة، وهي مآسٍ تشمل كل العراقيين والعرب الذين يعيشون في العراق، خارج حدود المنطقة الخضراء التي يوفر لها الاحتلال كل وسائل وأجهزة الأمن البشرية والإلكترونية، حتى أحاطها بأنواع من الأسوار الحصينة، بدءاً من الأسيجة الشائكة المكهربة، وانتهاءً بالجدران الإسمنتية المسلّحة التي كلّفت الميزانية العراقية مئات الملايين من الدولارات... وما يهمنا هنا هو قصة العائلة الصغيرة التي تعتبر صديقتي نفسها مسؤولة عنهم، كأقارب الدرجة الأولى، والتي تقول مبتسمة إنهم يدفعون شهريا مبالغ كبيرة لتسديد فواتير هواتفهم التي تعمل طوال الليل والنهار للسؤال والاطمئنان على سلامة كل أفراد العائلة، «آخر الاتصالات تكون في الليل قبل النوم مباشرة ليطمئن كل واحد منا إن الجميع في بيوتهم، ومازالوا أحياء أو غير مصابين«... وتقول: «نحن النساء أصبحنا محبوسين في البيوت، لا نخرج للشارع خوفاً من أن يتم رصدنا... عانينا جميعاً حتى انتهت ابنتي من امتحانها النهائي، فكانت تغطي نفسها بالملابس السوداء من رأسها حتى أخمص قدميها، وحتى عيونها، ونأخذها إلى قاعة الامتحان في سيارة خاصة، وننتظرها حتى تنتهي وتخرج مباشرة للسيارة وإلى البيت... الشوارع لم تعد آمنة، فقد تشكّلت عصابات متخصصة برصّد المنازل لتسجل المعلومات عن أهداف جيدين للخطف، وتبيع هذه المعلومات إلى عصابات متخصصة في الاختطاف وطلب الفدية«... وتقول: «تخرجت ابنتي الآن، وهي مخطوبة لشاب عراقي اشترى شقة في القاهرة وسجلها باسميهما ليتمكنا من الحصول على إقامة هناك... ورغم ذلك فإننا مازلنا نعاني من إجراءات الحصول على تأشيرة لها، وأنا على نار حتى تخرج ابنتي من العراق آمنة«... منذ فترة قصيرة، خطفت العصابات ابن صديقتي، وعاشت أقسى محنة يمكن أن تعيشها الأم، مدة 11 يوماً، حتى أطلق سراحه سليماً وليس مقتولاً، بعد أن دفعوا للخاطفين 20 ألف دولار... وهو الآن ينهي إجراءات خروجه من العراق هرباً مع زوجته وطفله، إلى إحدى الدول العربية التي فتحت له باب الاتصال بالعالم الخارجي طالباً اللجوء الإنساني... أخوها الطيار، ولأنه كان من طياري حرب الثمان سنوات ضد إيران، نزل اسمه في قوائم الطيارين المطلوبين للاغتيال، ونشرت هذه القوائم في المساجد والأحياء العراقية، وبعد أن تم اغتيال العديد من أولئك الطيارين، خرج من العراق هرباً، لينجو بحياته، إلى إحدى الدول العربية. ومن المعروف عن الطيارين العراقيين الذين أسروا في تلك الحرب البشعة، والذي رجع بعضهم، مشلولاً ومحمولاً، إلى العراق في عمليات تبادل الأسرى بين البلدين، إنه بمجرّد الكشف عن هوية الطيار كان يتم كسر ظهره في الأسر، ليعيش باقي حياته عاجزاً عن الحركة تماماً. وتقول صديقتي «والدتي مريضة، ولا تتوافر اليوم في العراق مستشفيات أو عيادات مؤهلة لتقديم العلاج أو الرعاية للمرضى، بجانب الشح الكبير في الأدوية، وبعد أن كان لدى العراق اكتفاء ذاتي في الدواء، لامتلاكه أكبر معامل صناعة الأدوية في الشرق الأوسط، أصبح المريض العراقي يموت لعدم توافر الدواء الصالح للاستعمال البشري في عهد الديمقراطية الأمريكية، بات العراق اليوم مكب النفايات والبضائع المغشوشة والفاسدة ومنتهية الصلاحية... نستعد أنا العائلة كلنا لمغادرة العراق بمجرد تسهيل خروج ابني وابنتي بسلام«. بجانب كل ذلك، في العراق لا كهرباء، أي لا تبريد في الصيف ولا تدفئة في الشتاء... لا ماء صالح للشرب، أي لا ثلج يطفئ لهيب العطش والحر... لا بنزين لتسيير السيارات أي لا طاقة لتشغيل المولدات... كل هذا يحدث في بلاد نهري دجلة والفرات، ونهر النفط الممتد من شماله إلى جنوبه. وأخيراً، هذا هو عراق اليوم، يفتقر إلى الخدمات الأولية وأهم البنى التحتية، خالٍ من كل مقومات الأمن والاستقرار، ويعيش شعبه تحت رحمة القتلة والعصابات، وحدوده مفتوحة لدخول الأعداء والمجرمين من دون رقيب أو حسيب، ويعيش على أرضه حوالي نصف مليون جندي ومرتزق يجولون في مدنه وأحيائه وبين بيوته تحميهم تشريعات بلدانهم، ويصولون في الشعب العراقي قتلاً ونهباً وتدميراً واغتصاباً من دون رادع... يا ترى هذا العراق المُدَمّر، هل يملك سيادة؟، وهل يمكن اعتبار أولئك القابعين في المنطقة الخضراء، الخائفين من الخروج إلى خارج أسواره الحصينة، هل يمكن اعتبارهم قادة العراق وممثلين لشعبه، أو أرضه، أو مصالحه؟... وبعد كل ذلك يستقبل حكامنا قادة المنطقة الخضراء، الذين يتجولون في البلدان لتسويق أنفسهم... ويستقبل رجالاتنا أعضاء ما يدعى بالمجلس الوطني العراقي، وهم يعلمون بأن أكثر من 40% منهم يحملون الجنسية الإيرانية، فلا يمثلون العراقيين، بل يمثلون مناصبهم في أجهزة الجمهورية الإسلامية... رجال يرفضهم الشعب العراقي، وتلفظهم الأرض العراقية، تحاول أنظمتنا العربية تأهيلهم ليكونوا قادة العراق.... تسلموا حكم العراق، ولا أحد يعرف أسماءهم أو هوياتهم الحقيقية... تاريخهم الإجرامي معلن، وتلاحقهم السلطات الأمنية في بلدان العالم... يديرون في العراق عصابات إجرامية، لإرهاب الشعب العراقي، وتهجيرهم من بلادهم... ينهبون موارد العراق... يناضلون لتقسيم العراق... ورغم كل ذلك أعطتهم أنظمتنا الشرعية.. وقبلوهم في الجامعة العربية... ألا يثير ذلك تساؤلاً كبيراً؟؟؟،،،ألا يثير كل ذلك الشك والريبة؟؟... هل أنظمتنا العربية متحالفة معهم على تدمير العراق وتقسيمه يا ترى؟... وهل .......؟
وكالة الاخبار العراقية-- اخبار الخليج البحرينية
عار على العرب... سميرة رجب
