تثير الهجمات الدامية لـ\"فرق الموت\" التى تحصد يومياً ارواح عشرات الابرياء، تساؤلات حول كنه هذه المجموعات ومن يقف خلفها ولمصلحة من تقوم بقتل وتشريد واعتقال وتعذيب عراقيين من مناطق مختلفة وهى ترتدى زى الجيش العراقى والشرطة.
الاختلاف على ماهية هذه الفرق يأتى فى ظل الاكتشافات اليومية لعشرات الجثث المشوهة او المقطعة الأوصال ومفصولة الرؤوس لشيوخ ونساء واطفال تركت جثثهم فى بيوتهم على فراشهم او القيت بالطرقات والمزارع بل حتى فى دور العبادة واماكن العمل.
وتظهر على القتلى اثار التعذيب الوحشى باستخدام ادوات لا يستخدمها رجال الشرطة فى الغالب كالخناجر والسيوف و"القامات" -وهى سيوف صغيرة الحجم- وادوات النجارة كالمنشار او المثقاب الكهربائى أو غير ذلك من ادوات التعذيب التى تثير الرعب فى القلوب.
ويتبرأ الاحتلال والمليشيات الشيعية من تورطهم فى تشكيل او ادارة او تسليح هذه الفرق، الا ان حكومات التحالف الشيعي-الكردى التى نشأت بدعم الاحتلال امتنعت على الدوام عن التحقيق فى الجرائم التى ترتكبها هذه الفرق.
وفشلت فى إعتقال أى أحد من أفرادها. ويشكل السنة الضحية الرئيسية لهجمات هذه الفرق ويقولون أن الغالبية العظمى من المعتقلين، وهم من يتم التعرف عليهم لاحقا جثث هامدة هم من أبناء العرب السنة، وكثير منهم من رواد المساجد، فيما تقول وزارة الداخلية العراقية ان هناك فئات "تحاول زعزعة الثقة بين قوات الأمن العراقية وبين المواطنين، وأن لا علم لها بأسباب اعتقال واغتيال الأشخاص".
ومع انكار الداخلية، صرح مسؤول حكومى عن وجود "مليشيات وفرق موت" متغلغلة داخل أجهزة الدولة الرسمية. ولكنه لم يقل لماذا لا تقوم الحكومة باتخاذ اجراء ملموس ضدها.
وأمام انتشار "فرق الموت" قامت بعض المناطق السنية كمنطقة الأعظمية فى بغداد بتشكيل دوريات من بين أبنائها بعد منتصف الليل للوقاية من خطر هذه الفرق، والتأكد من هوية من يقومون بالاعتقالات.
من يقف خلف فرق الموت
قالت صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخرا: "أن قوات الأمن العراقية تنفذ أحكام الإعدام فى الأحياء ذات الغالبية السنية. المئات من الرجال المعتقلين الذين اخذوا من بيوتهم من قبل أشخاص يرتدون البزة العسكرية الرسمية العراقية وبعد ذلك يتم العثور عليهم مقتولين فى الخنادق أو الحقول، بواسطة إطلاق رصاصة فى الرأس، وأجسامهم محترقة بواسطة حامض وهناك ثقوب فى أجسامهم عملت على ما يبدو بالمثاقب الكهربائية. إختفى الكثير منهم ببساطة".
وكشف المسؤول العسكرى البريطانى الكومندان إليكس ويلسون عن وجود "فرق موت" مسؤولة عن العديد من عمليات القتل، التى جرت فى مدينة البصرة جنوب العراق خلال الأشهر الماضية.
وفى الولايات المتحدة نسبت صحيفة "شيكاغو تريبيون" إلى جنرال أميركى قوله "إن القوات الأميركية تملك دليلا على وجود فرقة إعدام تابعة لوزارة الداخلية العراقية".
واتهم رئيس ديوان الوقف السنى فى العراق "فرق الموت" باستهداف العرب السنة وشن حملة تصفية بحق أئمة الجوامع وأساتذة الجامعات. وقال الدكتور عبد الكريم الخزرجى "إن هناك استهدافا حقيقيا لأهل السنة فى البصرة وهو استهداف بدأ بالتهميش والإبعاد من كل مفاصل الدولة ودوائرها هناك، بدءا من مجلس المحافظة وحتى أصغر دائرة خدمية".
وزاد الخزرجى ان "عمليات الترهيب التى يتعرض لها السنة أدت إلى انزوائهم فى بيوتهم لتتحول هذه البيوت إلى سجون تمنع الكثيرين من التوجه إلى أعمالهم أو السعى فى طلب الرزق وهو ما أدى لتفاقم أوضاعهم الاقتصادية".
وأشار أيضا إلى ان "حملات التهجير التى تشمل أهل السنة بالبصرة والتى وصلت إلى حد وضع علامات حمراء على البيوت وإرسال مذكرات تهديد تطالب بإخلائها ومغادرة ساكنيها للبصرة". وأضاف أن "السنة الذين كانوا يشكلون نحو 40% من سكان البصرة يوم غزو العراق واحتلاله ولكنهم لم يعودوا يشكلون اليوم بعد الهجرة الواسعة والتهجير المتعمد أكثر من 15%". وأشار رئيس الوقف السنى فى جنوبى العراق بأصابع الاتهام إلى "مليشيات محددة منها "سرايا المختار" و"فرق الموت" إضافة إلى "سرايا الثأر" التى لا يعرف أحد إلى أى تيار تنتسب أو من يقوم بتوجيهها".
وفيما يشبه نداء الاستغاثة حذر الخزرجى دول الجوار والدول العربية من مغبة ترك سنة العراق والبصرة خصوصا "لكى يواجهوا منفردين مصيرا مجهولا لا يهددهم فقط بل يهدد النسيج الاجتماعى لكل جوار العراق".
فرق الموت الامريكية
ومن المرجح ان تكون عمليات "فرق الموت" القذرة من تدبير الاحتلال نفسه، كنوع من الرد والعقاب الجماعى ضد تصاعد المقاومة التى فشل لاحتلال فى القضاء عليها او تحجيمها حتى بعد مقتل الزرقاوي. وتشير وقائع التاريخ ان الامريكيين شكلوا "فرق موت" مماثلة فى فيتنام والسلفادور وكولومبيا، فى مسعى لتدمير البيئة الاجتماعية التى تنطلق منها المقاومة ضدهم.
وكان النائب الأمريكى ماكس فولر قد أعد دراسة عن الوضع الأمنى فى العراق وفرق الموت أشار فيها إلى استخدام امريكا لهذه الفرق فى مناهضة حركة المقاومة فى السلفادور، وقال "أن الرئيس الأمريكى رونالد ريغان قد استخدم هذه الفرق، وأن تلك الفرق قامت باعمال القتل والتعذيب وإشاعة الفوضي، وهو نفس ما يحدث فى العراق".
واعترف الجنرال واينج دوتنج المدير السابق لقوات العمليات الخاصة فى لقاء مع ماكس فولر، وهو كاتب دراسة حول اسباب استعانة الولايات المتحدة بفرق الموت، "أن الوحدات الخاصة -فرق الاعدام- المنتشرة فى العراق تساندها الولايات المتحدة بهدف القضاء على المقاومة".
ويقول ماكس فولر "ان "فرق الموت الامريكية" هى تلك المجموعات التى أسستها الولايات المتحدة فى بعض دول أميركا اللاتينية مثل السلفادور وغواتيمالا والهندوراس لبث الذعر وقتل الوطنيين والمدنيين، وإلصاق التهم بالقوى اليسارية التى كانت تقاتل ضد النظم العميلة الملحقة بالولايات المتحدة".
يقول الكاتب كهلان القيسي: "تكرر وزارة الدفاع الأمريكية -خيار السلفادور- كإستراتيجية تتضمن تدريب "فرق الموت" لتنفيذ حرب دموية سرية تشن ضد متمردين مزعومين بالعراق".
ويضيف الكاتب "التفويض لفرق الموت هذه يصدر مباشرة من المكتب البيضاوى فى البيت الأبيض. وبعد الإنتخابات البرلمانية فى العراق، قام رامسفيلد بزيارة مفاجئة خص بها رئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفرى أكد فيه على الحؤول دون اجراء أى تغييرات فى وزارة الداخلية، حيث كان وكلاء أمريكيون يدربون عراقيين بُلهاء على "الفنون الجميلة" من التعذيب والاغتيال". وذكر القيسى "أصدر رامسفيلد أوامره بوضوح محذرا الجعفرى -لاتقترب من وزارة الداخلية-.
وقال رامسفيلد من المهم لقوات الأمن للاستمرار ببناء نفسها لأن القوات الأمريكية سوف لن تبقى هناك إلى الأبد".
وكان جنود من قوات الاحتلال الامريكى قاموا مؤخرا بقتل مدنيين عراقيين أثناء عمليات عسكرية فى كل من مدينتى الحديثة والاسحاقى غربى البلاد. ولولا وجود شهود على هذه الحوادث، لكان من السهل نسبها الى "فرق الموت".
مجرمون فى وزارة الداخلية
واتهم عدد من أهالى محافظة الأنبار -الرمادي- لواء حكوميا شكلته السلطات العراقية لمطاردة تنظيم القاعدة فى المحافظة بعمليات قتل وخطف مدنيين.
وقال مصدر فى شرطة الخالدية إنه تم إلقاء القبض على عدد من المشتبه بهم على طريق بغداد الدولى الواصل إلى دمشق وعمان وهم يقومون بعمليات قتل وسلب ونهب مستغلين الحماية التى توفرها لهم صفتهم الرسمية.
وكانت الحكومة العراقية السابقة برئاسة إبراهيم الجعفرى وبالتعاون بين وزير الدفاع السابق سعدون الدليمى وعدد من الشخصيات العشائرية فى الأنبار شكلت قوة أطلق عليها اسم -ثوار الأنبار- هدفها مطاردة أعضاء تنظيم القاعدة فى المحافظة.
وقال مصدر مقرب من أحد فصائل المقاومة العراقية "إن المقاومة تقوم بمطاردة فصائل هذا التنظيم الذى قال إنه شوه سمعة المحافظة، مشيرا إلى أن الحكومة قامت بتشكيل هذا اللواء من أبناء عشيرة معينة فى الأنبار عرفت بعمليات السلب والنهب ليس فى ظل الاحتلال وإنما حتى فى ظل الأنظمة السابقة".
وأشار تقرير للأمم المتحدةإلى أن "فرق الموت" تعمل داخل هياكل وزارة الداخلية ونفذت عمليات قتل داخل بغداد وحولها.
واتهم تقرير بعثة الأمم المتحدة فى العراق قوات الأمن العراقية خاصة الشرطة والقوات الخاصة بالتواطوء مع المليشيات لارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
وأشار التقرير بشكل خاص إلى الجثث الكثيرة التى تم العثور عليها بشكل شبه يومى والتى تحمل علامات توضح تنفيذ عمليات إعدام دون صدور أحكام قضائية.
وعبر التقرير عن قلقه من وضع حقوق الإنسان، وقال إنها مسألة مقلقة للغاية بعد حوادث الخطف والقتل والأعمال الانتقامية ضد المساجد السنية. وشكك التقرير فى شرعية احتجاز أشخاص مشتبه بهم على يد القوات متعددة الجنسيات ووزارات الدفاع والداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية فى العراق.
وتحتجز القوات متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة أكثر من 14220 شخصا من إجمالى 29565 شخصا أشار إليهم تقرير لوزارة العدل فى نهاية فبراير-شباط الماضي.
وقالت وزيرة حقوق الإنسان العراقية نيرمين عثمان إن هناك عددا كبيرا من موظفى الداخلية يساعدون مجرمين على القيام بهذه العمليات، من خلال إمدادهم بمعلومات عن أماكن سكن الضحايا أو طريقة تنقلاتهم، أو أى شكل من أشكال المساعدة التى تؤدى إلى قتلهم.
وتشكو هيئات سنية عديدة من استهداف رموز سنية من قبل عناصر الشرطة والحرس الوطنى أو مجموعات تتزيا بزيهم، وتقوم بعمليات الاعتقال ومن ثم قتل المعتقلين ورميهم فى حفر أو بالطرق العامة.
وفى تقرير أعده كل من هيئة علماء المسلمين السنة، والحزب الإسلامي، و"مؤتمر أهل العراق" جاء "أن جميع الاغتيالات التى تمت بحق السنة قامت بها عناصر من فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق، وأن هذه العناصر استخدمت زى الشرطة وأسلحة الشرطة ومعلومات الشرطة، عن طريق تورط قيادات كبرى فى وزارة الداخلية العراقية بالحكومة السابقة -حكومة ابراهيم الجعفري-، وأن وزارة الداخلية توفر لهذه العناصر سيارات ومعلومات عن أماكن وعناوين وتحركات علماء سنة بهدف قتلهم، وقد عثر أكثر من مرة على عشرات القتلى بطريقة واحدة ومقيدين بقيود من التى تستخدمها الشرطة، كما تم الكشف عن وجود حالات تعذيب داخل سجون خاصة دبرتها هذه العناصر بالتعاون مع الشرطة، وهذا يعنى أن مخطط الفتنة الطائفية فى العراق ينفذه أمثال هذه العناصر، بالتعاون أو بتدبير الاحتلال أو لحساب قطاع من قوى شريرة ترى أن نشر الفتنة الطائفية لاضعاف العراق وتسهيل مهمة الاحتلال".
"إغناء التجربة"
وفوق المجموعات المسلحة المنظمة، فان عالم الجريمة الذى تحركه المليشيات الشيعية-الكردية فى العراق، يترك الباب مفتوحا حتى لـ"مساهمات" الأفراد فى "إغناء" و"تطوير" تجربتها فى أعمال القتل.
ويقول الكاتب مراد الأعظمى انه "على الرغم من محاولات الحكومة الجديدة، ودعوتها إلى -المصالحة الوطنية- إلا أن الشارع العراقي، يسوده شعور بالخوف المستمر من عدم قدرة حكومته على السيطرة على الأوضاع الأمنية المتدهورة، وضبط حالة الفلتان الطائفي، التى تدق الرؤوس، وتفصلها عن أجسادها".
ويضيف الأعظمى "عدد من سكان مدينة الصدر قصّوا كثيراً من الأخبار المفزعة والمخيفة، عن "فرق الموت"، وأغلب تلك القصص، بطلها شخصية، يسمونه "أبو درع"، و"عبد الزهرة السويعدي"، شخوص تحمل خلفية مرعبة فى هذه المدينة التى تعانى من فقر وتخلف وسوء فى الخدمات إلى حد كبير، بالإضافة إلى عادات قبلية وأعراف لا تفتقر إلى الغرائبية بالنسبة لمن لا يعرف المشهد من الداخل. ويقول أحد أهالى المدينةإن أبا درع -كان "مطيرجي" أى يمتهن تربية الطيور- فى زمن النظام السابق، وكان هاربا من الخدمة العسكرية، ولم يكن معروفا فى المدينة سوى أنه "مطيرجي" ويتعاطى الخمر بإسراف، وهو الآن على أى حال يدير إحدى فرق جيش المهدي، ويقاوم الإرهابيين، على حد قول الشاهد".
ويضيف الأعظمى "ان مقر هذه الفرقة يقع فى منطقة يعرفها أغلب أهالى بغداد، وهى منطقة "خلف السدة"، الكائنة شرقى مدينة الصدر، وفى السابق كان يُقام بالقرب منها سوق شهير، يرتاده أغلب أهالى بغداد، ويسمى "سوق الحرامية". ويتكون المقر من عدة منازل لاحتجاز المختطفين، واعتقال الإرهابيين وتنفيذ الحكم فيهم. وخلف تلك المنازل بناء مليء بالدم والأشلاء البشرية، يقول شاهد عيان -إنه غرفة تنفيذ الأحكام-".
الاسلام اونلاين
من يقف وراء \"فرق الموت\" فى العراق؟-هدى رشيد
