بالرغم من مرور (12) عاما على الاحتلال المقيت الذي قادته الادارة الامريكية ضد العراق في آذار عام 2003 تحت اكاذيب باطلة وذرائع وافتراءات زائفة، ما زال العراقيون الصابرون وخاصة شريحة الاطفال يواجهون
المآسي والويلات الناجمة عن استمرار المشكلات والازمات الاقتصادية والاجتماعية التي تتفاقم يوما بعد آخر بسبب فشل الحكومات المتعاقبة في ايجاد الحلول الناجعة لهذه المشكلات.
فقد أجمع عدد من التربويين وأساتذة علم النفس على ان معظم الاطفال العراقيين الذين يعانون الحرمان الشامل في المجالات الانسانية والصحية والتربوية والاجتماعية، اصبحوا فريسة للتشرد والتسول والانحراف السلوكي وذلك لاتساع حجم الفقر الملازم لأغلب العائلات العراقية، ولا سيما خلال الأعوام الاخيرة، بعد ان تفشت ظاهرة التسول بين الاطفال الذين وصل عددهم الى اكثر من مليون، بعد انخفاض متوسط دخل الفرد مقابل التضخم المفرط وتدني القدرة الشرائية وارتفاع نسبة البطالة وتراجع الخدمات العامة وارتفاع معدل الوفيات بسبب الامراض المختلفة سوء التغذية والتوزيع غير العادل للثروة.
وأكدوا في دراسة نشرت مؤخرا ان تدهور مستوى نوعية الحياة وسياسة الاصلاح الاقتصادي شكلت اسبابا جوهرية في تردي الاوضاع المعاشية لمئات الالاف من الاسر العراقية، واضطرارها الى بيع مقتنياتها المنزلية بهدف تأمين احتياجاتها، ولجوؤها الى زج الاطفال والاحداث في العمل لسد النقص الحاصل في مدخولاتها .
ونسبت الدراسة الى احد الباحثين في شؤون الطفل قوله: الدراسات التي بحثت في انحراف سلوك الأطفال من الاحياء الشعبية الفقيرة في العاصمة بغداد أظهرت ان عدم الاستقرار السياسي واستمرار الصراع الداخلي العنيف الذي تسبب بمقتل مئات الالاف من العراقيين، خلف اسر مشتتة واطفال يتامى ومشاكل لا حصر لها .. لافتا الانتباه الى ان آثار الحروب والازمات الاجتماعية غالبا ما تمتد عبر الاجيال، وخاصة الاطفال الذين يتركون المدارس ويلجأون الى الشوارع التي تشكل بيئة خصبة لتفاقم ظاهرة التشرد والتسول التي تختفي وراءها ملامح الابتسامة وبراءة الطفولة ليحل مكانها البؤس والتشرد والضياع والشقاء.
وأكد الباحث الاجتماعي ( عبد العزيز محمود) ان هذه الظاهرة تحولت من مشكلة على نطاق ضيق نسبيا قبل الاحتلال السافر الى ظاهرة واسعة جدا بعده جراء فشل الحكومات المتعاقبة في ايجاد الحلول المناسبة لها .. موضحا ان أطفال الشوارع يتعرضون لشتى انواع الاستغلال من الاكبر منهم سناً، وذلك لعدم قدرتهم على المقاومة ورد الاساءة، اضافة الى تفشي الامية بين الاطفال لان أغلبهم لم يدخلوا المدرسة اصلا أوتركوها، وهناك من يجمع بين الدراسة والعمل، ما يجعلهم يعانون من تدني المستوى العلمي والفشل الدراسي، الذي يؤدي الى أرتكاب الجنح والادمان على التدخين والمخدرات.
ونقلت الدراسة عن أحد الاطفال يدعى ( سرمد عبد اللطيف) ـ الذي لم ينهي الرابعة عشرة من عمره وهو يقف على رصيف الشارع ينتظر وقوف السيارات أملاً في بيع ما يحمله لأصحابها ـ قوله: " توفي والدي قبل سنوات في حادث دهس وترك وراءه اربعة اولاد انا اكبرهم سنا، ونحن عائلة فقيرة لان والدي لم يكن يتقاضى أجراً كبيراً من عمله، ولعدم قدرة والدتي على دفع إيجار المنزل الصغير الذي كان يؤوينا إضطررنا الى السكن في خيمة بسيطة تحيطها أحجار وصفائح مملؤة بالتراب بالقرب من مكب للنفايات، ولعدم قدرتنا على توفير المصاريف الدراسية تركنا مقاعد الدراسة وبدأنا العمل أنا وأخي الذي يصغرني بسنتين ببيع المناديل الورقية ولعب الأطفال في الشارع ".
واشارت الدراسة الى ان من بين الاطفال الذين يدفعون ثمن هذه الظاهرة الشاذة الطفلة ( سلمى) ذات الـ( 12 ) عشر ربيعاً والمصابة بعوق ذهني، حيث يأتي بها والدها صباح كل يوم وفي برد الشتاء القارس ليضعها تحت احد الجسور المزدحم بالسيارات والناس الذين تأخذهم الرحمة والرأفة بالمحرومين، فهي لا تتفوه إلا ببضع كلمات علمها إياها والدها الذي يجلس على الرصيف منتظراً إنتهاء يومه لجمع ثمن ما تبيعه الفتاة من علب المناديل الورقية وما تجود به أيادي السابلة وأصحاب السيارات عليها.
من جهتها أكدت الباحثة التربوية (منى الشبلي) إن بعضا من المتسولين من الاطفال يتعاطون التدخين في محاولة تقليد الكبار، لكن الاخطر هو الادمان على المخدرات المتوفرة في الاسواق مثل استنشاق مواد الثنر والبنزين والسيكوتين، اضافة الى انواع الحبوب المخدرة المختلفة التي تباع في الاسواق الشعبية .. موضحة ان منظر الاطفال الذين يضعون على انوفهم علبا معدنية مليئة بالمواد المخدرة بات مالوفاً نتيجة تدني الوعي الثقافي لدى الاباء والامهات وجهلهم بأهمية المدرسة للاطفال ومستقبلهم، والنظرة الضيقة للطفل من قبل اسرته التي تعد النواة الاساسية في المجتمع والتي من واجبها تلبية احتياجات الاطفال وتربيتهم وحمايتهم من الانحراف.
واواء ما تقدم يمكن القول ان عجز المسؤولين في حكومات الاحتلال وعدم اهتمامهم بما يعانيه العراقيون من مشكلات وازمات اقتصادية واجتماعية ساهم في انتشار العديد من الظواهر السلبية التي لم يألفها المجتمع العراقي قبل عام 2003 وعلى رأسها تشرد وتسول الاطفال في الشوارع، وتعاطيهم المخدرات، وغيرها من الممارسات الغريبة والشاذة التي ابتلى بها ابناء هذا البلد الجريح بالرغم من امتلاكه ثاني اكبر احتياطي من النفط في العالم، فضلا عن الثروات الحيوية الاخرى التي ما زالت تتعرض للنهب والسرقة من قبل الاحتلال البغيض وعملائه المجرمين.
وكالات + الهيئة نت
ح
بسبب استمرار المشكلات الاقتصادية والاجتماعية .. تفاقم ظاهرة تشرد ألاطفال في العراق
