هيئة علماء المسلمين في العراق

العملية السياسية العراقية بحلتها المالكية القشيبة - حمدان حمدان
العملية السياسية العراقية بحلتها المالكية القشيبة - حمدان حمدان العملية السياسية العراقية بحلتها المالكية القشيبة - حمدان حمدان

العملية السياسية العراقية بحلتها المالكية القشيبة - حمدان حمدان

عاشت العملية السياسية العراقية، منذ نشوئها بعد الاحتلال، حالة انفصام الشخصية مع نفسها وواقعها بآن واحد، فمنذ البداية لم يعرف العراقيون القادمون مع الاحتلال ما هو دورهم وأين سيكون موقعهم، خاصة وان الاحتلال كان حائرا في شكل الادارة التي سيُنشئها، وفيما اذا كان حاكم العراق المقبل عسكريا (جنرال غاي)، ام مدنيا مثلما جاء عليه الحاكم المدني بريمر فيما بعد..

ومن الواضح ان هذا التخبط، كان يعكس رؤي ومنافسات في مؤسسات الادارة في واشنطن، فمن جهة كانت وزارة الدفاع (رامسفيلد وجنرالاته) مؤيدة بوكالة الاستخبارات (تينت وموظفيه)، مقابل وزارة الخارجية ممثلة بالجنرال المتقاعد كولن باول، ورهط آخر من قدامي الخارجية ومحدثيها..

ومن هنا برزت شخصيات عراقية (احمد الجلبي في البداية) لتغيب اخري.. ثم لتغيب شخصيات (بارزة)، وتحضر اخري، ورغم هذه التبدلات والتبديلات، فان العملية السياسية انتظمت في ظل مسيرة تحاصصية طائفية واقصائية، اعتقد الامريكيون بفلاحها، ومما يؤكد ذلك، ان الامريكيين، بناء علي نصائح حلفائهم الاسرائيليين، ذهبوا اول ما ذهبوا، الي حل الجيش العراقي وقوات الشرطة والأمن، مع الغاء الدولة ومؤسساتها، فأضافوا بذلك، ما يقرب من نصف مليون انسان، الي عداد الناقمين المرشحين لتلبية ميادين المقاومة مع اول نداء.

كانت العملية السياسية تستثني السنة عدا الاكراد، فيما وافق الامريكيون ـ لعماهم التاريخي ـ علي قانون اجتثاث البعث، من تخيل ان البعث يمثل طائفة سُنية عروبية، دون الادراك بأن البعث تاريخيا قد ولد شيعيا، وان ما يزيد علي ستمئة بعثي من مليون، هم من العرب الشيعة وسكان الوسط والجنوب.

ثم مضت العملية السياسية، حتي موعد رد السيادة، في حزيران (يونيو) من العام 2004، بمجلس حكم انتقالي، اكثريته الكاثرة، من شيعة ايران واكراد واشنطن ، ورغم ان السيد العلاوي، اراد طلاء الوضع بظاهرية تعددية، باقحام افراد من السنة في وزارته، الا ان واقع انتقال العراق الي السياسات الطائفية والاثنية، كان اقوي من برنامجه، هذا فضلا عن ان علاوي لم يشمله قانون اجتثاث البعث، ولو ان الجلبي، كان قد اشاع النميمة بشأنها.

ولم يفشل العلاوي، في وضع برنامج سياسي توافقي حسب الرغبة الامريكية، تخلصا من الخطر الايراني المتزايد، فحسب، بل فشل ايضا، في تجنيب نفسه ووزارته من جريمة ابادة الفلوجة، حين اضطر للاعلان صفاقة، بانه هو الذي امر (جيش العراق الجديد) والقوات المتعددة (كأن الامريكيين يخضعون لاوامر علاوي)، باقتحام الفلوجة بعد تحويلها الي اوابد.

ثم ازداد ـ مع نمو العملية السياسية ـ وضع العراق الطائفي شراسة، لا بسبب خلاف مذهبي بين السنة والشيعة العراقية، بل بسبب اقتحام الساحة من قبل ميليشيات مختلطة ايرانية ـ عراقية، ظلت تقوم بعمليات دموية، ضد علماء وضباط وبعثيين.. دون ان يرف لها جفن.

ولدينا شواهد حسية فيما نقول، فقد ساعدت هذه الميليشيات (منظمة بدر بصفة خاصة) القوات الامريكية اثناء الهجوم الابادي علي الفلوجة، وهناك قوائم نشرت بعديد الاطباء والعلماء والضباط والبعثيين الذين لاقوا احكام الاعدام علي يد بدر في العراق او علي يد صولاغ في اقبية الجادرية وسواها..

اما شاهد المحسوس الحاضر، فعلي ذمة وكالة رويترز وليس ايتام صدام، فقد نشرت هذه الوكالة العالمية عن الشرطة العراقية قولها (في 29 حزيران 2006)، ما يلي بالحرف (ان قوات عراقية وامريكية اشتبكت مع مسلحين شيعة في قرية خرنبات شمالي بعقوبة، مما ادي الي مقتل قائد قوة عراقية للرد السريع واثنين من رجاله..

ومع حصاد المعركة، صرّح ضابط في وحدة استخبارات الشرطة في ديالي، بأننا اسرنا عددا من المسلحين ودهشنا لمعرفة ان بعضهم مقاتلون ايرانيون) وتضيف الوكالة (لقد اكد مسؤولو وزارة الداخلية العراقية انه تم اسر مقاتلين ايرانيين شمال بعقوبة).

وهذه الواقعة ليست مفردة، الا في المصدر الاعلامي المضيق عليه، فالمصدر الامريكي ليس من مصلحته، ابراز الدور الايراني في العراق، كما انه لا مصلحة للحكم العراقي في ظل احتلال، ان يتناول بالسوء موقف ايران من احداث العراق الداخلية، علما بان وزير خارجية ايران، السيد منو شهر متكي، كرر القول في واشنطن (بان طهران ترفض اجراء مباحثات مع واشنطن حول العراق حاليا.. وذلك لسلوك الامريكيين السيء تجاه ايران) ومن الواضح بداهة، ان سلوك الامريكيين السيء تجاه ايران، ليس موضوعه العراق، بل الملف النووي الايراني مقابل العراق، ورغم اننا كررنا في القدس العربي بأننا نحن العرب كشعب لا نقف ضد استحواز ايران للقدرة النووية، بل نقف ضد استحواز ايران للعراق!

لكن الرائد لا يكذب اهله، فها هي ايران تفرش بازارها العراقي، من اجل الفوز ببرنامجها النووي، اي ان البرنامج النووي الايراني، يخرج من أكلاف شعب العراق ودمائه ببراغماتية ايرانية صريحة. وقد ساعد علي ذلك، ضعف الدور العسكري الامريكي، بفضل المقاومة العراقية الوطنية، وفي الواقع، فان ايران ربحت حربين متتاليتين مجانا، علي حساب امريكا، افغانستان والعراق، ففي افغانستان ارتاحت ايران من قوة اسلامية معادية اسمها طالبان، وليس ذلك فحسب، بل ارادت ان تدخل في القسمة الافغانية عن طريق الشمال، وفي العراق ارتاحت من كابوس عربي اسمه نظام البعث وصدام حسين، وكذلك دخلت في القسمة العراقية من اوسع ابوابها، ليس عن طريق الاحزاب العراقية ـ الايرانية وميليشياتها فحسب، بل عن طريق اقحام مجاميع بشرية ايرانية، تُحّصل الجنسيات العراقية في طرفة عين.

وفي ظل هذه المسيرة، تتقدم العملية السياسية العراقية، الي واجهة الاعلان، في كل مرة بشكل مختلف، ومَنْ يلتقط صور هذه المسيرة، منذ مجلس الحكم الانتقالي، مرورا بالمرحلة العلاوية فالجعفرية وانتهاء بالمالكية اليوم، يلمس خواء العروض السياسية البائس، ذلك ان هذه العروض تجتمع في تقاطع مشترك هو استبعاد وضع اجندة لرحيل الاحتلال (وهو ثابت امريكي بوشي حتي الان) واستبعاد الاعتراف بالمقاومة الحقيقية العراقية (وهو ثابت امريكي يعززه ثابت ايراني بطبيعة الاحوال)، ولا يسأل اهل الحكم العراقي، من اصحاب الدعوات للعملية السياسية، عن سر الفشل الذي تنتهي اليه العملية في كل محاولة، لا لانهم يجهلون طبيعة هذا السر، بل لان القوة الاحتلالية في شكليها الامريكي والايراني، هي التي تمانع في وضع اجندة لرحيل الاحتلال، كما تمانع في الاعتراف بالمقاومة، بعد طول تسمية بالارهاب، ورغم ان السيد المالكي في وزارته الجديدة، كاد يتقدم من الاعتراف بحقائق المخرج العراقي وحلوله الناجعة، الا ان احزابا ضالعة، كالمجلس الاعلي برئيسه الحكيم صاحب مقولة مقاتلة الامويين، او حزب المهدي بر ئيسه مقتدي الصدر، صاحب مقولة النواصب وايتام صدام، وبدعم شديد من ايران، عمل الجميع ليل نهار علي افشال خطة المالكي لرأب الصدع، وإلزامه بالمُضي فيما هم عازمون عليه، وسواء كان يعلم المالكي، ام لا يعلم، باطلاق موفق الربيعي لقائمته المطلوبة، رغد صدام حسين، ووالدتها السيدة الفاضلة ساجدة خير الله طلفاح، مع (ابو الوطنية والجهاد عزة الدوري)، فانه عمل اخرق، لا يشي الا بمزيد من تصديع الشعب، وغلو الحقد والانتقام.. اذ طالما ان العملية السياسية تستبعد قوي المقاومة الحقيقية، سواء كانت وطنية قومية ام اسلامية جهادية، فان مصيرها المحتوم هو الفشل الذريع، فكمن يضحك علي نفسه، حين يخترع مقاومة وهمية ليتفاوض معها، ولعل الاقرب تمثيلا لهذا الدور، هو ما سمي برئيس العراق الحالي، السيد جلال طالباني، اذ اضافة الي كوميديته الضاحكة، بتلقي اتصالات من قيادات مقاومة، برغبة التفاهم والانضمام الي العملية السياسية، التي هي اشبه بتخصيب اليورانيوم في أربيل، فان السيد طالباني، ما زال عاجزا عن اعطائنا النتائج، رغم ان وعوده كانت قد انطلقت بدءا من رئاسته الاولي، مرورا بهدنة ما بين الرئاستين، وصولا الي الرئاسة الثانية فما بعدها وما زال يعد!

انهم يمنّون النفس، بتطبيع العراق مع الاحتلال، وهذا هو جوهر العمليات السياسية كلها، ومهما أذّن بلال في الجرّة، فان التناقض حاسم وصريح، اذ لا عملية سياسية مع بقاء الاحتلال، وهو واضح كعين الشمس، وكعينة من الواقع العراقي المعيش، فان الوطنية العراقية، ترفض اي شكل من اشكال الاحتلال، سواء بغزو العسكرية الامريكية، ام باختلاس فرصة مذهبية عقيمة وطارئة، فالعراق عربي من امة عربية، ولا يقلل من هذا الثابت، كون العراق في تعدديات مذهبية او اثنية، فالعالم كله يشتمل علي مثل هذه التعدديات، وحتي ايران نفسها، فان الفارسية لا تزيد علي اربعين بالمئة من القوميات الاخري، فهل يستطيع صاحب العبقرية السيد الحكيم، ان يقترح فيدراليات لايران، واحدة بلوشية، واخرى اذرية، وثالثة كردية، ورابعة عربية، وخامسة تركمانية او بهائية؟ ام ان العراق اليوم، في وضعية (استضعفوك فذبحوك) لكثرة ما اجتمع عليه من اعداء؟

ومن المحزن ان العديد من اعداء العراق، هم ممن يحسبون عليه، فقد مضي حين من الدهر، ودواخل العراق تنهشه باكثر من خارجه، اذ ما ان كفت الوحشية الامريكية عن اداء واجباتها في البلدات العراقية المقاومة، حتي افسح في المجال لوحشية طوائفية وشعوبية عز نظيرها، فمن الفلوجة الاولي الي الفلوجة الثانية، ومنها الي الموصل فسامراء وكركوك وتلعفر والقائم فالرمادي حتي الضمير علي الحدود السورية..
هذا وقد شارك الوحش الطائفي والاثني الامريكيين في جرائم موصوفة ومفضوحة من الاعلام الامريكي نفسه، وكان من طبيعة الاشياء ان يتم تبادل الاحتقانات المجتمعية نتيجة لقتل ابناء العراق علي يد امريكيين بمساندات طائفية واثنية، مما تسبب بموجب قانون البادئ اظلم ـ في خلق اجواء الاحتراب علي الهوية علما بان الهوية ذاتها، ليست محرك الاحتراب ودافعه، بل الموقف من القوي الغازية والطامعة بالعراق ومستقبل العراق.

وبالعودة الي العملية السياسية بحلتها القشية في رداء المالكي، فان عطبها الرئيسي يكمن في ما تتجاهله، جلاء الاحتلال والاعتراف بالمقاومة كممثل اساسي للشعب العراقي..

فاذا كانت امريكا قد عجزت عن اختراق المقاومة بألعابها السياسية، بعد ان فشلت باخضاعها عن طريق القوة، فكيف تحلم ايران بتحقيق ما عجزت عنه امريكا؟
وهل من المحتم ان تسفح ايران دماء ابنائها في العراق من جديد؟

لا داعي لتجرع كأس السم ثانية في ظل خرافات كردية حالمة .

القدس العربي

أضف تعليق