هيئة علماء المسلمين في العراق

جرائم الحشد الشعبي بين الإقرار الحكومي والدعم الدولي / جهاد بشير
جرائم الحشد الشعبي بين الإقرار الحكومي والدعم الدولي / جهاد بشير جرائم الحشد الشعبي بين الإقرار الحكومي والدعم الدولي / جهاد بشير

جرائم الحشد الشعبي بين الإقرار الحكومي والدعم الدولي / جهاد بشير

لم تكن جريمة قتل الطفل العراقي ذي السنوات العشر على أيدي عصابات الميليشيات الحكومية بمحافظة ديالى؛ هي الأولى من نوعها منذ أن أطلقت العملية السياسية حربها على الشعب. ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة استنادًا إلى ما تشهده الأرض من أحداث جعلت أشهر منظمتين أمميتين في مجال حقوق الإنسان وهما (العفو الدولية) و(هيومن رايتس ووتش) تعربان عن قلقهما البالغ من استهداف المدنيين عبر جرائم انتقامية ذات صبغة طائفية توعّدت بها هذه الميليشيات ومعها الأجهزة الحكومية بمختلف تشكيلاتها والتي لا يبتعد وصف الأولى عنها.

وإذا كانت ذاكرة كثير من الناس تضعف مع تقادم الأحداث وتراكم صور المشهد؛ فإنه في هذا المقام تجدر الإشارة إلى التذكير بمحتوى مقطع تم تسريبه في وقت مبكر بعد اندلاع الثورة المسلحة في العراق، والتي اضطر الثوّار إليها دفاعًا عن مدنهم وأهليهم بعدما أقدمت حكومة المالكي السالفة على اقتحام ساحات الاعتصام السلمي وإحراقها واستهداف الناشطين فيها بالقتل أو الاعتقال وما تبع ذلك من قصف وحشي طال مدنًا وقصبات وأزهق أرواح الآلاف فيها؛ ذلك المقطع الذي وثّق اتصالاً بين ضابط كبير في غرفة عمليات وزارة الدفاع وطيّار في سلاح الجو يتلقى منه الأوامر وهو يروم الغارة على مدينة في إحدى المحافظات المنتفضة، يوجهه فيها إلى القصف بكثافة وقتل الجميع بمن فيهم الأطفال الرضّع، لا لشيء سوى أنهم سنّة يستحقون الموت حسب معتقد الضابط وجنديّه!!.


وعلى هذا الأساس يكون لزامًا على الجميع أن يوقن بأن جريمة إعدام الطفل ـ باعتبارها أنموذجا لبشاعة عشرات الجرائم المماثلة ـ ليست مجرد خطأ فردي أو سلوك غير منضبط ارتكبته مجموعة لم تلتزم بـ"التعاليم والضوابط" الهشة ظاهرًا والكاذبة حقيقة؛ الصادرة عن الجهة التي وفرت غطاءً الميليشيات عبر استحداث بدعة "الحشد الشعبي"، لتتفرع من هذا اليقين العديد من الحقائق ذات الدلائل الميدانية والتي تنتهي جميعها إلى أن المشروع الإيراني يتحرك بخطوات مدروسة تحظى بمباركة واضحة ودعم عملي من "القوى العظمى" في العالم.

لتعيد إلى الأذهان معالم الحِلف الفارسي الرومي ضد الإسلام وأمته، إلى جانب رضىً إقليمي تام ودعم ذي شقين أحدهما لا يختلف عمّا ذكرنا والآخر من طرف خفي يجري تحت طاولة الاتفاقات بين الغرب وأنظمة المنطقة وفق سياسة التوازنات وتبادل المنفعة المفروضة من الأول عليها، ما يجدد رسم صورة مشهد المنافقين الذين عملوا بموازاة الحلف المذكور على فتح قنوات له في الداخل لينسل إلى جسم الأمة ويعبث به.

وما بين معالم الحقد التاريخية والوقائع المشاهدة في العراق، فإن سياسة الإرهاب الذي تمارسه ميليشيات الحشد الشعبي تجاه المدنيين تأتي في سياقين؛ أولهما تخويف الناس وصناعة مبررات إزاحتهم من مدنهم ومناطقهم لإفراغها وتسهيل مهمة التغيير الديموغرافي فيها.

والآخر الذي يعد من أبرز سمات الجبناء، هو انتقامهم من الأبرياء جرّاء ما يلاقونه يوميًا من خصمهم الذي نكّل بهم وهزمهم بما لم يكونوا يتوقعونه، ومع هذه السياسة يجد المتابع حملة شعواء تهدف إلى طمس معالم التاريخ الإسلامي وحضارته ومن ذلك جرائم الميليشيات التي جرفت آثار العباسيين في سامراء دون أن نسمع اعتراضًا أو مجرد تغطية لأخبار كهذه شبيهة بما نالته أخبار مماثلة جرت من قبل جهات أخرى.

يضاف إليها ما تحدثت به مصادر عديدة في وزارتي التعليم العالي والبحث العلمي والتربية عن أن قرارات صدرت تقضي بمنع تدريس التاريخ الإسلامي في فترة الأمويين ومنع أي بحث أو اطروحة تتناول موضوعًا في تلك الحقبة.

إن الأحداث التي تعصف بالعراق اليوم تشير كل دلائلها إلى أن البلد مقبل على أن يتحول إلى مقاطعة إيرانية ستكون نقطة انطلاق نحو الاحتلال الفارسي للمنطقة، لاسيما وأن الخليج العربي مستسلم للقيد ويخشى على ظهره من سطوة العصا الأمريكية التي تمسكها طهران بكل مهارة.

فضلاً عمّا يجري في اليمن من احتلال واضح لا لبس فيه ولا تشوب آثار اليد الإيرانية فيه شائبة، على مرأى ومسمع من الدول العظمى، فضلاً عن الأنظمة المحلية التي لا تعدو وظيفتها أكثر من مهنة شرطي مرور كسول أضاع صافرته التي هي في الأصل ذات صوت منخفض لا يقوى على العلو وسط زحام السيّارات وجلبة منبهاتها، وهو ما يزال حتى لحظته هذه لا يدرك معاني الألوان في الإشارات المرورية ولا يفرق بين وظائفها.

  ونتيجة لذلك؛ فإن التحالف الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة ـ التي حاول بعض مسؤولي إدارتها تجميل عور رؤيتهم بكحل منتهي الصلاحية بتصريحات يُفهم منها عدم الرضا على مشاركة إيران في معارك محافظة صلاح الدين الأخيرة وهي ليست كذلك ـ يمثل دعمًا دوليًا "مشروعًا" من منظار مجلس الأمن مثلما هو التحالف مشروع بالنسبة لهم.

ويضاف إلى هذا الدعم الإقرار الرسمي من جانب الحكومة الحالية بهذه الجرائم وعدّها واجبًا عسكريًا مقدسًا، ما يجعل المسؤولية القانونية والتاريخية تطوق رقاب الجميع بمن فيهم أنظمة تزعم أنها تدافع عن المنطقة لكنها تنعت حكومة العبادي بأنها جديرة بالتعاون وتترجم هذا النعت دعمًا ماديًا وعسكريًا، الأمر الذي يلقي بجانب آخر من المسؤولية على أحزاب وفئات وحتّى بعض من يعمل في مجال الإعلام ما انفكوا يُخدعون بكل سذاجة بهالة واسعة المدى برّاقة اللون.

خاص بموقع    الهيئة نت    

أضف تعليق