هيئة علماء المسلمين في العراق

الروم بين الشاطبي وملا علي القاري / د. عمر مكي
الروم بين الشاطبي وملا علي القاري / د. عمر مكي الروم بين الشاطبي وملا علي القاري / د. عمر مكي

الروم بين الشاطبي وملا علي القاري / د. عمر مكي

تنوعت طرق الوقوف على أواخر الكلمة عند العرب تنوعا دالا على سعة هذه اللغة الرفيعة، ومن هنا صارت دراسة هذه اللغة أمرا لا محيد عنه، قال الزمخشري: (وذلك أنهم – أي العلماء – لا يجدون علما من العلوم الإسلامية فقهها وكلامها، وعلمي تفسيرها وأخبارها إلا وافتقاره إلى العربية بين لا يدفع، ومكشوف لا يتقنع(1). وتعد علوم القرآن الكريم من أوثق العلوم بالعربية ، وموضوع الروم فيها هو نوع من أنواع الوقوف على اخر الكلمة ، وقد بلغت عشرة أنواع وهي على النحو التالي:

أولا: الوقف بالسكون، وهو أصل أنواع الوقف والمقدم عليها إلا المنصوب المنون فهو بالإبدال قال الشاطبي في الحرز:
    والإسكانُ أصل الوقفِ وهو اشتقاقه
                    من الوقف عن تحريك حرفٍ تعزَ لا(2)

وقال النيساري:
    الوقف في الكلام قطع الكلمة    عما تلا وهو وجوه مُلزِمه
    اختلقت في الحسنِ والمكــانِ  أولُها مجردُ الإسكــــــــان(3)

ثانيا: الروم، وهو عند القراء الإتيان ببعض الضم أو الرفع أو الكسر أو الجر مع حذف باقيهما، وقدر الباقي الملفوظ به بثلث الحركة، والمتروك بالثلثين، وقال الداني في التيسير: الروم (هو إضعاف الصوت بالحركة حتى يذهب معظم صوتها، فيسمع لها صوت خفي يدركه القريب منك، والأعمى بحاسة سمعه)(4)، وسمي روما لأنك تروم الحركة وتريدها حين لم تسقطها بالكلية.


ثالثا: الإشمام، وهو عبارة عن الإشارة إلى حركة الضم من غير تصويت، وقيل: هي أن تجعل شفتيك على صورتها إذا لفظت بالضمة، وقال ابن الجزري: وكلاهما واحدٌ، وحكي عن الكوفيين أنهم يسمون الاشمام روما والروم إشماما (5).
 
والقرّاء يقدمون الروم على الإشمام، لأنه أبين منه من هذه الحيثية(6)، ولا يكون الاشمام في الجر والنصب لأن ضم الشفتين لا يتأتى فيهما (7).

رابعا: التضعيف، ويقصد به تشديد الحرف الأخير الموقوف عليه من الكلمة سواءًا اسماً كان أم فعلا، وهذا النوع من أنواع الوقوف القليلة الواردة عن العرب، وينسب إلى قبيلة سعد العربية، ويبدو أنَ علة قلته هو مجيء التضعيف في محل التخفيف، وعلاقته في الخط وضع رأس حرف الشين (شـ ) هكذا(8).
وتوضع فوق الحرف ، وهي مقتطعة من كلمة ( شديد )(9) وشروط الوقف بالتضعيف هي:

1. ألا يكون الحرف الموقوف عليه همزة، وذلك لثقل الهمزة، ولأنَ الهمزة لا تدغم ولا يدغم فيها، وقد بين سيبويه ذلك بقوله: (ومن الحروف ما لا يدغم في مقاربه، ولا يدغم فيه مقاربه، كما لم يدغم في مثله، وذلك الحرف الهمزة؛ لأنها إنما أمرها في الاستثقال التغيير والحذف، وذلك لازم وحدها كما يلزمها التحقيق؛ لأنها تستثقل وحدها)(10).
2. وألا يكون الحرف الموقوف عليه من حروف العلة؛ لأن ذلك يؤدي إلى الثقل الشديد الحاد في النطق(11).
3. وألا يكون الحرف تاليا السكون، نحو (زيد) لئلا تجتمع فيه ثلاثة سواكن، وهن التي قبل الآخر، والمدغم، والموقوف عليه(12).

ومن الأمثلة على هذا النوع من القراءات القرآنية غير المتواترة قراءة الأعمش، وهي أيضا تنسب من طريق عصمة عن شعبة إلى عاصم، وذلك في قوله تعالى ((وكل صغير وكبير مستطر)) (القمر: 53 ) بتشديد راء (مستطر) عند الوقف(13)، وكقراءة شاذة أخرى، وهي منسوبة إلى الإمام عبد الله بن كثير المكي في قوله تعالى: ((ولا يكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد)) ( الحديد: 16) بتشديد دال كلمة ( الأمد) وقفاً(14)  فتكون فيها قلقلة كبرى، قال النيساري:
وضعَفوا حرفا صحيحا حُرِكـا  لا همزةً قبله ما قبلَهُ تحركا(15).
     
خامسا: الإلحاق، وهو أن يلحق آخر الكلمة هاء السكت، وقد وردت في القرآن العظيم في تسع كلمات ومن فوائدها مع الوقف بيان الحركة في الوقف وهي تلحق الآخر وجوبا وجوازا فالوجوب لما يصير حرفا وذلك في الآخر من اللفيف المفروق والجائز فيما عدا ذلك، فالوقف يزيل الحركة فزيدت الهاء لتسلم الحركة ويسكت على الهاء.

سادسا: الاثبات، هو اثبات الباء للمحذوف منها وصلا(16).

سابعا: الحذف، وهو بعكس سابقه، ويراد حذف الياء للثابت وصلا(17).

ثامنا: النقل، وهو تسكين الحرف الأخير ونقل حركته إلى الحرف الذي قبله(18) والوقف بالنقل إلى المتحرك هو لغة لإحدى القبائل العربية وهي لخم(18).


تاسعا: الادغام، لما يدغم من الياءات والواوات الزوائد في الهمزة بعد ابداله لما يوافقه فيما قبله واواً أو ياءاً ومن أمثلته الوقف على كلمة (قروء)  مثلا عند الإمام حمزة بن حبيب الزيات فيقف عليه بإبدال الهمزة واوا وإدغام هذه الواو في التي قبلها ، أي ( قرو) ، قال الشاطبي في الحرز:
ويدغمُ فيهِ الواوَ والياءَ مبدلا
                إذا زيدتا من قبل حتى يفصَـــــلا(19).

عاشرا :الإبدال : ويأتي على صورتين:

الأولى : ابدال التاء هاءا وذلك في الاسم المؤنث بالتاء فيوقف عليه بالهاء بدلا من التاء اذا كان الاسم مفردا(20)، ويجتمع في هذه الحالة الإبدال والإسكان اذ تكون الهاء ساكنة(21).

الأخرى: الإبدال بالألف وله مواضع منها الاسم المعرب المنصرف فيوقف عليه بالألف بدلا من التنوين ، والعلة في عدم الوقف على التنوين نفسه علما بأنه ساكن هو أنه يؤدي الى المساواة بين الوصل والوقف(22).

وتظهر ثمرة هذا الإبدال نطقا ورسما في تمييز المنصرف من غير المنصرف، ومن المواضع أيضا إبدال نون ( اذن ) ألفاً، وكذلك نون التوكيد الخفيفة، وابدال التنوين في الاسم النكرة المقصورة ألفا وما كان مبنيا منونا مفتوحا، نحو (إيهاً) والذي يهمنا مما تقدم من أنواع الوقوف العشرة هو الوقف على آخر الكلمة بالروم الذي بينه الإمام الشاطبي في حرز الأماني فقد استدرك عليه الشيخ ملا علي القاري مواضع متعددة من نظمه هذا، وكان مما استدرك عليه قوله:

ورومُك إسماع المحركِ واقفــــا 
                    بصوتٍ خفيٍ كلَ دانٍ تنَـــــولا(23)

استدرك الشيخ ملا علي القاري على بيت الشاطبي هذا قائلا:
(يتوهم منه إسماع كل الحركة، وهو لا يجوز، فقلت: ورومك اسماع المحرك بعضه)(24)، ثم أردف قائلا: (ولا يحتاج إلى قيد واقفا؛ لأن الكلام فيه، والروم أحد أنواعه)(25)، والذي يبدو لي أنه أولى منه أن يقول: (ورومك إسماع المحرك ثلثه)، وهذا هو التحديد الدقيق في بيان مقدار حركة المروم.


ثم ان التوهم المدعى على بيت الشاطبي مدفوع في شطره الآخر، وذلك في قوله: (بصوت خفي كل دان تنولا) ومما اعترض عليه الشيخ ملا علي القاري أيضا على نظمه في باب الروم قول الشاطبي:

    ولم يَرهُ في الفتحِ والنصب قـــارئٌ 
              وعند امام النحـــو في الكل أُعملا (26)

فقال ملا علي القاري مستدركا: (قوله: ولم يره في الفتح والنصب قارئ ... فإن الضمير للروم إلا انه قد يتوهم أن يكون راجعا الى فعلهما ، أو الى كل واحد منهما ، فقلت : ولم يرَ روم الفتح والنصب قارئ ... )(27) وهذا التوهم الذي ادعاه القاري مدفوع من نظم الشاطبي؛ لأن من المعروف أن الضمير في العربية إذا ذكر بعد اثنين أو أكثر جعل للأقرب ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج نحو حضور معناه في الحس أو العلم، أو نحوهما.


والذي يجري الحديث عنه أو أقرب مذكور هو الروم ولذا يندفع هذا الاعتراض، ثم أكمل الشيخ ملا علي القاري اعتراضه على قول الشاطبي في شطره الآخر (وعند امام النحو في الكلِ اعملا)(28)، فقال: (قد يتوهم أن يكون رومه فيهما رواية عن القراء ، فدفعته فقلت: وعن سيبويه الروم في غير ما تلا)(29)، وهذا التوهم أيضا بعيد؛ لأن سيبويه ليس راويا من رواة القراءة لكتاب الله تعالى، ولو كان الكسائي مكانه لاحتمل ذلك احتمالا كبيرا.


ثم إن الإمام الشاطبي ألمح إلى ذلك وذلك بتصريح الفن الذي يعدُ فيه سيبويه إماما ألا وهو علم النحو، وهذا بيان جلي يدفع هذا التوهم، ثم إن الروم بين النحويين والقرّاء فيه خلاف ظاهر في الفتح والنصب وهما يعدان من مرتبة الحركات القصيرة فالفتحة حركة خفيفة لا تقبل التبعيض عند القراء فإذا خرج بعضها خرج سائرها.


بينما هي تكون في علم النحو مرومة بإخفاء الحركة، ولذا دخل الروم عند النحويين في الحركات الثلاث، إذن الخلاف حاصل بين علمين مختلفين والتوهم في العلم الواحد ممكن بالاحتراز عنه أما فيهما فمدفوع.
والله تعالى أعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المفصل للزمخشري: 3.
(2) متن الشاطبية:32 .
(3) الوافية نظم الشافية: 48.
(4) التيسير للداني: 59.
(5) النشر لإبن الجوزي : 512.
(6) الاقناع لابن الباذش : 1/508.
(7) المقتصد في شرح التكملة : 1/262.
(8) الموضح في وجوه القراءات لابن ابي مريم : 1/ 217.
(9) المقاصد الشافية للشاطبي: 8/57.
(10) الكتاب لسيبويه : 4/446.
(11) المقاصد الشافية للشاطبي: 8/57 .
(12) شرح التصريح للأزهري: 2/ 341 .
(13) الاقناع لابن الباذش: 1/512.
(14) البحر المحيط لأبي حيان: 8/223 .
(15) الوافية نظم الشافية: 49 .
(16) النشر لابن الجزري:511.
(17) المصدر نفسه .
(18) تمهيد القواعد لناظر الجيش: 10/5297.
(19) متن الشاطبية: 22.
(20) النشر لابن الجزري:511.
(21) شرح شافية ابن الحاجب: 2/271 .
(22) المقتصد في شرح التكملة: 1/261 .
(23) متن الشاطبية : 32 .
(24) الضابطية للشاطبية اللامية: 60 .
(25) المصدر نفسه .
(26) متن الشاطبية .
(27) الضابطية للشاطبية اللامية: 60-61 .
(28) الضمير المستتر في الفعل ( أعملا ) يعود على الروم والألف في الفعل ليست للتنبيه ، وإنما للإطلاق.
(29) الضابطية للشاطبية اللامية: 61 .

أضف تعليق